منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(13) منع العمرة والحج بسبب الوباء فقهيات “كورونا”

عثمان غفاري

0

في هاته الحلقة نصل لمسألة تعطيل الحج والعمرة بسبب جائحة كورونا، من خلال فتوى مفصلة في الباب للشيخ الدكتور علي محي الدين القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فتوى يمكن تبويبها وفق ثلاثة محاور وهي:

أولا: هل عطل الحج تاريخيا؟

لم يسجل التاريخ –حسب علمي – أن فريضة الحج قد تعطلت كلياً بسبب الطاعون ونحوه، لكن تعطلت بسبب القرامطة لعدة سنوات، لأنهم منعوها إبان حكمهم البغيض كما تعطلت في بعض البلدان بسبب الطاعون والوباء في بعض الأحيان، بل إن ابن كثير ذكر في (البداية والنهاية) من أحداث عام 357ه أن داء الماشري (الطاعون) قد انتشر في مكة، فمات به خلق كثير، وفيها ماتت جمال الحجيج في الطريق من العطش ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج، وفي عام 2009م لما انتشر انفلونزا الخنازير (H1 – N1 ) ظهرت بعض الفتاوى بمنع الحج، ولكن المملكة العربية السعودية درست الموضوع فقهياً وطبياً، وتوصلت إلى أن الخطورة ليست مؤكدة أو محققة لذلك لم تمنعه، ولكن شددت في الإجراءات الفنية و العلمية، وطلبت عدم مجيء كبار السن والمرضى ونحوهم، وفي هذا العام 1441ه (فبراير 2020م) صدرت أوامر بمنع العمرة إلى أجل غير مسمى بسبب خطر وباء كورونا وانتشاره كإجراء وقائي.

ثانيا: كيف تعامل علماء الأمة تاريخيا مع محاولة منع الحج؟

كانت فترة الحج خطيرة بالنسبة للمستعمرين المحتلين، لأن عامة الحجيج يلتقون بالعلماء والمفكرين ودعاة الجامعة الإسلامية، لذلك حاولت المخابرات الفرنسية منع المسلمين من سكان المستعمرات التابعة لها من الذهاب إلى الحج سنة 1316 هجرية بدعوى الخوف من الإصابة بمرض الكوليرا ، وقد ذكر السيد محمد رشيد رضا موقف المملكة المصرية من ذلك قائلاً: ” اجتمع مجلس النظار ( أي مجلس الوزراء في مصر ) اجتماعاً خصوصياً للمذاكرة في أمر منع الحج الذي يراه مجلس الصحة البشرية ضرورياً لمنع انتقال الوباء من بلاد الحجاز إلى مصر، ولما كان المنع من الحج منعاً من ركن ديني أساسي لم يكن للنظار ( أي الوزراء ) أن يبرموا أمراً إلا بعد الاستفتاء من العلماء، ولهذا طلب عطوفة رئيس مجلس النظار لحضور الاجتماع صاحب السماحة قاضي مصر، وأصحاب الفضيلة شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، والشيخ عبد الرحمن النواوي مفتي الحقانية، والشيخ عبد القادر الرافعي رئيس المجلس العلمي سابقاً، وتذاكروا مع النظار، وبعد أن انفضوا من المجلس اجتمعوا وأجمعوا على كتابة هذه الفتوى وإرسالها إلى مجلس النظار، وهي بحروفها: ” الحمد لله وحده.. لم يذكر أحد من الأئمة من شرائط وجوب أداء الحج عدم وجود المرض العام في البلاد الحجازية، فوجود شيء منها فيها لا يمنع وجوب أدائه على المستطيع. وعلى ذلك لا يجوز المنع لمن أراد الخروج للحج مع وجود هذا المرض متى كان مستطيعًا، وأما النهي عن الإقدام على الأرض الموبوءة الواردة في الحديث، فمحمول على ما إذا لم يعارضه أقوى، كأداء الفريضة، كما يستفاد ذلك من كلام علمائنا، والله أعلم وأحكم.  “حرر في 2 ذي القعدة سنة 1316 هـ.”

المزيد من المشاركات
1 من 24

ثالثا: ما حكم تعطيل الحج والعمرة بسبب كورونا؟

الراجح عند الدكتور القرة داغي هو أنه إذا انتشر الوباء قطعاً أو تحقق غلبة الظن ( من خلال الخبراء المختصين) أن الحجاج، أو بعضهم يصيبهم هذا الوباء بسبب الازدحام، فيجوز منع العمرة أو الحج مؤقتاً بمقدار ما تدرأ به المفسدة، وقد اتفق الفقهاء على جواز ترك الحج عند خوف الطريق، بل إن الاستطاعة لن تتحقق إلا مع الأمن والأمان، ولذلك فإن الأمراض الوبائية تعد من الأعذار المبيحة لترك الحج والعمرة بشرط أن يكون الخوف قائماً على غلبة الظن بوجود المرض، أو انتشاره بسبب الحج والعمرة، وأن ذلك يقدره أهل الاختصاص من الأطباء، ويصدر بشأنه قرار من المملكة العربية السعودية بالنسبة للمنع، وفي حالة إبقاء الحج أو العمرة مفتوحاً فحينئذ يعود التقدير إلى الدولة التي ظهر فيها الوباء بمنع حجاجها أو معتمريها من أداء الحج خوفاً من نقل الوباء إلى جموع الحجيج والمعتمرين بناء على تقدير جهات الاختصاص في كل بلد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.