منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(16) صلاة الجمعة مرتين بطائفتين مختلفتين من نفس الإمام و في نفس المسجد | فقهيات “كورونا”|

 عثمان غفاري

0

هذه فتوى للشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني، دبجها يوم الأربعاء 19 رجب 1442هجرية، الموافق ـل 3 مارس 2021 ميلادية، جوابا على سؤال جاء من بعض المسلمين المقيمين ببلاد المهجر، وحصره عليهم وفيهم، وفيما يلي منطوق نص هذه الفتوى.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده. وبعد؛ فقد جاءني سؤال من “أوروبا” من بعض الأئمة في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا؛ مضمونه: أن بعض الأئمة يعيدون صلاة الجمعة حسب تفويج الناس؛ بحيث يصلي الإمام ويخطب بطائفة، ثم تأتي طائفة أخرى بعدها فيعيد بها الصلاة والخطبة؛ وذلك بسبب “كورونا” بحيث تمنع السلطات هناك التجمعات الكبيرة؛ بل هناك بعض الدول حددت عدم تجاوز العدد -في أي تجمع- خمسة عشر شخصا؛ فهل تصح الجمعة بهذا التفويج؟

أولا: فقه الواقع يستوجب الاحتكام لعلماء البلد.

قلت في إحدى الأجوبة على سؤال سابق(1) جاءني من “أوروبا” وأكرر ذلك هنا:  يجب على الجالية المسلمة في “أوروبا” أن يتصلوا بعلمائهم الذين يعيشون معهم؛ لأن النوازل تحتاج لفقه الواقع علاوة على فقه الشارع، فتحليل أي مسألة فقهية لا بد أن تتوفر فيه أربعة أشياء: فقه التحصيل للمسألة من جميع جوانبها للاقتناع بها، وفقه التأصيل بالأدلة النقلية الصحيحة والعقلية السليمة لإقناع السائل بها، وفقه التفصيل بأسلوب سهل لإمتاع القارئ، ثم فقه التنزيل على الواقع الملائم دون تنطُّع ولا تميُّع لإشباع السائل؛ وأصعب الأربعة هو فقه التنزيل؛ لأنه يعني وضع النقط على الحروف، وجعل الدواء على الجروح؛ ولا يحسن ذلك إلا الطبيب البارع الذي يعيش الواقع.

وهنا أقول للجالية المسلمة في “أوروبا”: اتصلوا بعلمائكم، واكتفوا بفتاواهم، ولا تستوردوا في المسائل الخلافية فتاوى من شيوخ ببلدان تتجاوز فيها الحرارة خمسين درجة فوق الصفر من أجل تنزيلها في بلدان تنزل حرارتها أحيانا إلى عشرين درجة تحت الصفر؛ فعلماؤكم أعلم بأحوالكم؛ ولا أدري لماذا تتجاوزون علماءكم الذين يعيشون معكم مشاكلكم لتسألوا علماء غرباء عن واقعكم؟ هذه ظاهرة مرضية غير صحية يجب معالجتها؛ فإن العلماء هناك يصرخون: ما ضرَّنا في أوروبا إلا الفتاوى العابرة للقارات، واستيراد فتاوى البلاد الحارة الصحراوية للبلاد الباردة الثلجية.

المزيد من المشاركات
1 من 22

ثانيا: النازلة مبنية على مسائل خلافية فقهية

المسألة مبنية على ثلاث مسائل فقهية يعتريها الخلاف بين الفقهاء؛ ولا بد من تجليتها باختصار:

  • أولها: مسألة تعدد مساجد الجمعة في البلد الواحد

1)  الأصح عند الحنفية جواز تعدد الجمعة في البلد الواحد (2)

2) الأصل عند جمهور المالكية والشافعية والحنابلة عدم الجواز إلا للضرورة؛ مثل ضيق المسجد وعدم اتساعه بقدر ما يلبي حاجة مرتاديه، فيجوز إحداث مسجد آخر للجمعة؛ وعلى هذا جرى العمل اليوم في جميع البلدان الإسلامية (3)، ورجحه المتأخرون من المالكية، وعليه العمل عندنا بالمغرب وهو الصواب (4)؛ قال ابن عبد السلام الهواري: “المشهور المنع رعاية لفعل الأولين، والعمل عند الناس اليوم على الجواز لما في جمع أهل المصر الكبير في مسجد واحد من المشقة”(5).

  • ثانيها: مسألة تعدد صلاة الجماعة في المسجد الواحد

1) الصحيح عند الحنابلة جواز تعدد الجماعة في المسجد الواحد مطلقا (6)

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

2) الأصل عند جمهور المالكية والحنفية والشافعية كراهية تعدد الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب؛ لأن ذلك يؤدي إلى الكِيَاد (7) والإفساد والتباغض والتشاجر بين الإمام والجماعة؛ فعند المالكية: لا يجوز ولو أذن الإمام الراتب في ذلك، وعند الشافعية: إلا إذا أذن الإمام في ذلك فيجوز؛ وأما المسجد المطروق كثيرا والذي لا راتب له؛ مثل: مساجد الأسواق ومحطات الطرق؛ فلا يكره تعدد الجماعة فيه اتفاقا (8).

وهذا الخلاف في الصلوات الخمس؛ أما الجمعة فلا يجوز إعادتها عند المذاهب الأربعة؛ وإذا أقيمت الجمعة مرة واحدة لم يجز إقامتها ثانية (9)؛ لسقوط فرضها بالصلاة الأولى منهما (11)؛ ولكن يمكن سحبه على الجمعة للضرورة.

  • ثالثها: مسألة صلاة المفترض وراء إمام متنفل

1) الصحيح عند الشافعية -وهو رواية عند الحنابلة-: تصح صلاة المتنفل والمفترض خلف متنفل ومفترض في فرض آخر مطلقا؛ وحتى الجمعة؛ فالراجح عندهم أنها تصح خلف من يصلي الظهر وخلف المتنفل(12).

2) الأصل عند جمهور المالكية والحنفية -وهو رواية عند الحنابلة-: لا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن اتحاد عين الصلاة شرط (13)؛ بخلاف المتنفل خلف المفترض فتصح بلا خلاف مع الكراهة (14). ولكل قول من الأقوال السابقة أدلته الشرعية، ولم أُرِدْ أن أُورِدها هنا تفاديا لمشقة الإطالة، واكتفاء بخفة الإطلالة.

ثالثا: فتاوى معاصرة في المسألة

اختلف العلماء المعاصرون في المسألة أيضا؛ منهم من نظر إلى جانب التيسير فأفتى بالجواز، ومنهم من نظر إلى جانب الاحتياط فأفتى بعدم الجواز:

1) القول بالجواز أفتى به مفتي الديار المصرية د. شوقي إبراهيم علّام فقال: “تعدد الجمعة في المسجد المسؤول عنه جائز ومجزئ شرعا ما دامت مكتملة الشروط والأركان؛ نظرا لضيق المسجد وعدم استيعابه كل من يريد حضور الجمعة مع عدم إمكان الصلاة خارجه في حالة السؤال، ولأن بعض المسلمين ليسوا بأولى بصلاة الجمعة من غيرهم؛ ولا حرج أيضا في إمامة إمام الجمعة الأولى للجمعة الثانية؛ فإنها مبنية على أنه في صلاته للجمعة الثانية متنفل لا مفترض، واقتداء المفترض بالمتنفل جائز شرعا على أحد قولي الفقهاء؛ لأن الغرض هو حصول الجماعة، ومجرد اختلاف نية الإمام والمأموم لا تمنع صحة الجماعة، ولأن الإمام من أهل الفرض فجازت إمامته، وإن كان الأولى أن تُصلى كل جماعة منها بإمام معين إن تيسر ذلك؛ خروجا من الخلاف”(15)

2) القول بعدم الجواز صدر عن اللجنة الدائمة بالسعودية؛ فقد جاء جواب في موقع “إسلام ويب” ما نصه: “وإذا كان كلام أهل العلم في منع إقامة جمعتين في بلد بلا حاجة؛ فكيف بإقامة جمعتين في مسجد واحد؟! فهو أشد منعا، ولا يعرف له أصل في الإسلام؛ ولذا فقد أفتت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية بعدم جواز ذلك، وجاء في الفتوى رقم: (2369،262/8) ما يلي: “إنشاء جمعتين في مسجد واحد غير جائز شرعا، ولا نعلم له أصلا في دين الله، والأصل أن تقام جمعة واحدة في البلد الواحد، ولا تتعدد الجمع إلا لعذر شرعي كبعد مسافة على بعض من تجب عليهم أو يضيق المسجد الأول الذي تقام فيه عن استيعاب جميع المصلين أو نحو ذلك مما يصلح مسوغا لإقامة الجمعة. انتهى والله أعلم”(16)

الخلاصة والنتيجة:

أن نأخذ في المسألة بالوسطية فنقول: بناء على القول بجواز تعدد الجمعة في البلد الواحد عند الحنفية، والقول بجواز تعدد الجماعة الواحدة عند الحنابلة جاز للضرورة في ظل وباء “كورونا” إعادة الجمعة في المسجد الواحد، ويجب أن تكون الإعادة بإمام آخر، إلا إذا تعذر ولا يوجد من يستطيع إلقاء الخطبة غيره، فيجوز أن يعيدها متنفلا بناء على مذهب الشافعية الذي يقول بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل مطلقا ولو في الجمعة؛ ولكن إذا عادت الأمور إلى نصابها ورفع الله عن العالم هذا الوباء، وجب أن تعود صلاة الجمعة في المساجد إلى ما كانت عليه قبل الجائحة من الاكتفاء بصلاة الجمعة مرة واحدة في الجامع الواحد؛ إلا إذا كانت هناك ضرورة أخرى، والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


هامـــــــش:

(1) عنوان هذا السؤال السابق : “كيف يضحي من يعيش في دولة تمنع الذبح في المنازل مثل دول أوربا؟” تاريخ تحريره ونشره: يوم الأربعاء 8 ذي الحجة 1438هج 30 / 8 / 2017.

(2) الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب المالكي : (1/335)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: (ص: 506).

(3) حاشية البجيرمي الشافعي على الخطيب: تحفة الحبيب على شرح الخطيب: (2/194)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي الحنبلي: (2/196).

(4) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام مالك للكشناوي: (1/333).

(5) تنبيه الطالب لفهم جامع ابن الحاجب لعبد السلام الهواري: (1/435).

(6) المغني لابن قدامة: (2/133).

(7) الْكِيَادُ: فِعَالٌ من الكيد وهو المكر. النظم المستعذب في تفسير غريب المهذب للركبي بطال: (1/99).

(8) حاشية العدوي المالكي على كفاية الطالب الرباني: (1/308)، والدر المختار وحاشية ابن عابدين الحنفي: (1/552)، والمجموع شرح المهذب للنووي: (4/221 و222).

(9) الحاوي الكبير للماوردي: (2/450).

(10) المغني لابن قدامة: (2/249).

(11) المجموع شرح المهذب للنووي: (4/271 و173) وحاشية قليوبي وعميرة: (1/339).

(12) التوضيح للشيخ خليل: (1/473)، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك: لأبي بكر الكشناوي: (1/252)، وحاشية ابن عابدين الحنفي: (1/579)، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: (1/484).

(13) التبصرة للخمي: (1/339)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل: (1/473).

(14) موقع دار الإفتاء المصرية الرقم المسلسل للفتوى: 5076: التاريخ: 24/ 08/ 2020.

(15) موقع “إسلام ويب” حكم تعدد الجمعة في مسجد واحد: رقم الفتوى: 23537: تاريخ النشر :الخميس 4 شعبان 1423 هـ – 10-10-2002 م.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.