منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) نظرة الإسلام للطواعين والأوبئة | فقهيات “كورونا”|

عثمان غفاري

0

 

تتأسّس الرؤية الإسلاميّة على منظومة السنن الإلهية التي أودعها الله الكون الطبيعي والبشري، فقال عنها سبحانه: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ [فاطر: 43]، بخلاف الفلسفات الأخرى التي لا تعرف إلّا الأسباب والنتائج الماديّة، مما يقاس ويحسب ويلاحظ رياضيًّا أو معمليًّا، أما في المنهجيّة الإسلامية فالأسباب بعضها مادي مباشر وبعضها معنوي غيبي، والتفسير المنطقي للظواهر قد يتعلق بغايات معينة يسعى النظام الكوني برمته لها ضمن منظومة من القوانين العليا التي صُمّمت أصلاً لتشد الحاضر تجاه المستقبل.

هذه الغايات والقوانين العليا هي منظومة السنن الإلهيّة أو السنن الربّانية، أي: النواميس التي وضعها الله تعالى لنظام الكون باطراد وإحكام.

‎ومن هذه السنن ما يتعلق بالابتلاء والضراء حسب المفاهيم القرآنيّة، ردعًا للطغيان البشري والفساد في الأرض. قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41] وهناك سنن مقابلة تتعلق بالسراء وفتح البركات من السماء والأرض، استجابةً لداعي الهدي الربّاني للإصلاح في الأرض والتقوى والاستغفار من الأخطاء والعيوب ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].

ووباء “الكوفيد-19” أو “الكورونا” هو من سنن الابتلاء، ومن أسبابه: الفساد في التعامل مع البيئة والمصادر الطبيعيّة، والظلم الذي نشهده بأنواعه المختلفة، والاستخفاف بالإيمان والأخلاق والقيم، حتّى اختل التوازن الكوني العام كما نلاحظ في العقود والسنوات الأخيرة، وسنن الله لا تحيد ولا تحابي أحدًا، وينجي الله في نهاية الأمر الذين قاموا بأمانة النهي عن السوء، كما يشاء سبحانه ﴿  فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]، ‎وبعد الإدراك الواعي للواقع حسب السنن الإلهيّة، علينا أن نسعى لتغيير ذلك الواقع للأفضل على المستويات كلّها، وأمّا الفيروس فستدور دوائر الأيام، ويذهب إن شاء الله كما ذهبت طواعين التاريخ كلّها، وتبقى العظات والعبر لمن اعتبر.


المزيد من المشاركات
1 من 18

المصدر: هذا المقتطف مأخوذ من البيان الختامي للدورة الطارئة الثلاثين للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المنعقد في الفترة من 1 إلى 4 شعبان 1441ه، الموافق له 25-28 مارس 2020م، تحت

عنوان: “المستجدّات الفقهيّة لنازلة فيروس كورونا كوفيد 19” برئاسة سماحة الشيخ “صهيب حسن عبد الغفار” القائم بأعمال رئيس المجلس، وبحضور أغلبية أعضائه، وعدد من الأطباء المختصّين، ومما جاء في البيان جوابا على سؤال ماهي نظرة الإسلام للطواعين والأوبئة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.