منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(25) صلاة العيد بالبيوت فقهيات “كورونا”

عثمان غفاري

0

يشتد و يتجدد الخلاف حول نازلة صلاة العيد في البيوت بسبب الحجر الصحي في ظل وباء “كورونا”، كلما أشرفنا على نهاية شهر رمضان المبارك، واقتراب حلول يوم العيد، حيث يطلع على المسلمين في هذه الأيام بعض الشيوخ المعاصرين بفتاوى حول كيفية صلاة العيد في المنازل منهم من يدعي فيها أنها غير مشروعة، وأنها لا تصح إلا جماعة في المصلَّى؛ ومنهم من يبيحها بشروط محددة، الأمر الذي يولد تشويشا جليا لدى العامة الحريصين على إقامة شعائر الله تعالى، وقد اخترت لكم في حلقة اليوم من هذه السلسلة، أن نقل لكم فتوى للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي، إمام مسجد الإمام البخاري بمدينة أكادير إداوتنان جنوب المغرب، أصدرها يوم السبت 29 رمضان 1441هجرية، الموافق  23 ماي 2020م، بسط فيها الاختلاف الواقع في المسألة قديما وحديثا، ومرجحا جواز الصلاة في البيوت في الحالة المغربية، وإليكم نص الفتوى المعنونة بلا داعي للتشويش على كفية صلاة العيد في المنازل وفق المذهب المالكي.

أولا: لا داعي لهذا التشويش؛ لأن المسألة اختلف فيها الصحابة -رضوان الله عليهم-؛

واختلافهم يدل على عدم وجود نص شرعي فاصل فيها، كما يدل على أن عدم الفعل لا يدل على عدم المشروعية؛ فكون الرسولﷺ لم يصل صلاة العيد في المنزل لا يدل على عدم الجواز، أو على تخصيصها بمكان معين؛ إذ لو كان كذلك لما اختلف الصحابة؛ واختلافهم حسب ما يلي:

  • أورد البخاري في صحيحه (1) فقال: “باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء، ومن كان في البيوت والقرى؛ لقول النبيِﷺ: «هذا عيدنا أهل الإسلام» (2)، وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية (3) فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم (4)، وقال عكرمة: «أهل السواد (5) يجتمعون في العيد، يصلون ركعتين كما يصنع الإمام» (6)، وقال عطاء: «إذا فاته العيد صلى ركعتين» (7)”. وروى البهيقي بسنده: «كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهِم مثل صلاة الإمام في العيد» (8).
  • صح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «من فاته العيد فليصل أربعا» (9)؛ كما صح «أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أمر رجلا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد يوم فطر أو يوم أضحى، وأمره أن يصلي أربعا» (10)

ثانيا: لا داعي لهذا التشويش؛ لأن أئمة المذاهب الأربعة اختلفوا في هذه المسألة؛

المزيد من المشاركات
1 من 24
  • في المشهور عند المالكية -وبه قال الشافعية (11) -: يستحب لمن فاتته صلاة العيد أن يصليها كما يصليها الإمام: يكبر في الأولى سبعا بما فيها تكبيرة الإحرام، ويكبر في الثانية ستا بما فيها تكبيرة القيام (12)؛ قال الشيخ خليل: “وَنُدِبَ إِقَامَةُ مَنْ… فَاتَتْهُ”؛ أي: يستحب لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها (13).
  • في المشهور عند الحنابلة: لا شيء على من فاتته صلاة العيد؛ لأنها فرض كفاية عندهم إذا قام بها البعض سقطت عن الباقي، وإذا لم يقم بها أحد صلاها أربع ركعات؛ قياسا على من فاتته صلاة الجمعة فيصلي الظهر أربعا (14).
  • في المشهور عند الحنفية: لا شيء على من فاتته صلاة العيد؛ لأنها عبادة معروفة بهيئة معينة لا تصح بغيرها؛ ولكنه إن أحب صلى ركعتين أو أربعا، فيكون له أجر صلاة الضحى كسائر الأيام لا أجر صلاة العيد (15).

ثالثا: لا داعي لهذا التشويش؛ للقاعدة المعروفة عند العلماء: “حكم الحاكم يرفع الخلاف”؛

فقد فصل المجلس العلمي الأعلى في المسألة وأصدر يوم الأربعاء (26 رمضان 1441هـ/ 20 ماي 2020)؛ بيانا في هذا الشأن هذا نصه:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

وبعد؛ فإن من شعائر دين الله وسننه الإسلامية الراسخة صلاة العيد في الفطر والأضحى؛ فهي شعيرة دينية جليلة، وسنة نبوية مؤكدة، سنها النبيﷺ، وواظب عليها في حياته، وحافظ عليها السلف الصالح والخلف الصالح في كل بلد وجيل من أمته؛ والأصل في إقامتها أن تكون في فضاء المصلى أو في المسجد الجامع في الظروف الاعتيادية، وكيفيتها المشروعة المعلومة ركعتان جهرا بالفاتحة والسورة، وبغير أذان ولا إقامة، وبسبع تكبيرات في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وست تكبيرات في الركعة الثانية بتكبيرة القيام، وليست الخطبة شرطا فيها، ويدخل وقت أداء صلاة العيد من حين طلوع الشمس وارتفاعها في الأفق ارتفاعا بينا، بنحو نصف ساعة إلى الزوال، أما عن مشروعية إقامتها في المنازل والبيوت على سبيل السنية: نص علماء المذهب المالكي وغيرهم على سنية إقامتها في المنازل والبيوت على الهيئة المشروعة حال فوات صلاتها في المصلى أو في المسجد مع الجماعة، أو حال تعذر إقامتها فيهما لداع من الدواعي الاجتماعية في بعض الأوقات والأحوال، كما هو الأمر والحال في الظروف الراهنة الصعبة التي يجتازها المغرب وغيره من البلاد جراء تفشي وباء كورونا (كوفيد 19) وانتشاره، فلا تصلى حينئذ لا في المساجد ولا في المصليات، وإنما في المنازل والبيوت، مع الأخذ بسنية الاغتسال والتطيب والتكبير قبل الشروع فيها؛ كما يستفاد ذلك مما جاء عند الإمام البخاري في باب: “إذا فاته العيد صلى ركعتين”، ونص عليه فقهاء المذهب المالكي. وذلك لغاية الحفاظ على سلامة نفوس المواطنين وصحة أبدانهم من آفة انتشار العدوى بهذه الجائحة الفتاكة؛ عملا بالآية الكريمة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، والقاعدة الفقهية: “الحفاظ على الأبدان مقدم على الحفاظ على الأديان”، ورجاء حصول الأجر والثواب لمن صلاها في بيته منفردا أو مع أهله وعياله، كمن صلاها في المصلى أو في المسجد مع الجماعة في الظروف الاعتيادية، و«الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى». والله لا يضيع أجر من أحسن عملا). انتهى نص البيان (16)

الخلاصة:

من خلال ما سبق يتبين لنا:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

– أن كل من دعا لعدم مشروعية صلاة العيد في المنازل أو ادعى بدعيتها، إنما استورد مذهب الحنابلة للبلد الذي يتمذهب رسميا وشعبيا بمذهب المالكية.

– أن فتوى المجلس العلمي الأعلى بمشروعية صلاة العيد في المنازل قد رفعت هذا الخلاف؛ فلا داعي له.

– أن أي قول آخر غير هذا يعد تشويشا وتمردا فقهيا لا داعي له؛ لا نقلا ولا عقلا، لا شرعا ولا واقعا. والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


الهامـــــــــــش:

(1) صحيح البخاري أبواب العيدين: باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين.

(2) وصله البخاري: أبواب العيدين: باب سنة العيدين لأهل الإسلام: (رقم952).

(3) المراد بالزواية: قرية على فرسخين (تقريبا 12 كيلو مترا) من البصرة كان بها لأنس قصر وأرض وكان يقيم هناك كثيرا. فتح الباري لابن حجر: (2/475).

(4) وصله عبد الرزاق في مصنفه: (3/ 332): (رقم5855)، وابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5803).

(5) المراد بالسواد: الريف المكتنف للبلد المحيط به. الموسوعة الفقهية الكويتية: (39/131).

(6) وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/10): (رقم5876).

(7) وصله ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5802).

(8) السنن الكبرى للبيهقي: (6/593): (رقم6307).

(9) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/4): (رقم5800)، والطبراني في الكبير: (9/306): (رقم9532 و9533)، وقال الهيثمي في المجمع (2/205): “رجاله ثقات”، وقال ابن حجر في الفتح (2/475): “أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح”.

(10) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (2/5): (رقم5816)، والشافعي في الأم: (7/176)، والبيهقي في السنن الكبرى: (6/605): (رقم6329)؛ قال النووي: في المجموع (5/5): “بإسناد صحيح”.

(11) كتاب الأم للشافعي: (1/275)، والمجموع للنووي: (5/4).

(12) مواهب الجليل للحطاب: (2/197 و198).

(13) شرح مختصر خليل للخرشي: (2/104).

(14) فتح الباري لابن حجر: (2/475).

(15) المبسوط للسرخسي: (2/39).

(16) موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.