منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(5) صلاة الجمعة في البيوت بمتابعة الخطبة عبر وسائل الاتصال الشبكي | فقهيات “كورونا”|

عثمان غفاري

0

 

اضطرار علماء الأمة (١) للقول بمشروعية تعليق صلاة الجماعات والجمع بالمساجد، تولد عنه ضرورة البحث عن بدائل وحلول تحقق الجمع بين حفظ الأديان والأبدان، حلول استوجبت تجدد السؤال عن مدى مشروعيتها، فهل تجوز صلاة الجمعة عن بُعد، وصورتها أن يقدم الإمام الخطبة من على منبر مسجده، ويكون معه شخص أو شخصان، وبقية الناس يتابعون الخطبة من بيوتهم، ثم يصلون بصلاة الإمام ولا يصلون الظهر بعدها؟

صلاة الجمعة في البيوت خلف المذياع أو التلفاز أو البث المباشر أو غير ذلك من وسائل الاتصال الشبكي لا تجوز، ولا تجزئ عن صلاة الجمعة، ولا تُسقط صلاةَ الظهر عمّن صلّاها على هذا النحو، وهو ما انتهت إليه الهيئات والمؤسسات الإفتائية المعاصرة، وما أفتى به جمهور الفقهاء المعاصرين في هذه النازلة أو قبلها بعقود؛ لأنّ صلاة الجمعة عبادة توقيفية تعبدية لها صفة وهيئة شرعية لا تقع العبادة صحيحةً إلا بها، وقد دلّ على تلك الصفة والشروط والأركان ما نُقل من القول والفعل النبوي منذ فرض الجمعة إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما تواتر أداؤها على تلك الصفة منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا دون تعديل أو تغيير، وأداؤها في البيوت على الصفة المذكورة مناقض لتلك الهيئة النبوية، واستحداث صورة جديدة لصلاة الجمعة يضادّ الأمر النبوي ويبطل تلك الصلاة، ويُستدل على عدم صحة صلاة الجمعة في البيوت بسماع الخطبة بوسائل الاتصال الشبكي بما يلي:

أولاً: وجوب السعي للجمعة

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 9]، فهذا أمر من الله بالسعي للجمعة، وقد اتفق العلماء من أهل الفقه والتفسير على وجوب السعي للجمعة، والسعي لا يتحقق بالصلاة في البيوت خلف المذياع، وأيضًا الأحاديث النبوية الصحيحة التي خصّت صلاة الجمعة بهيئة وأحكام لا تتم في حال أدائها في البيوت، كحديث أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: “من غسَّل يومَ الجمعةِ واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركبْ، ودنا من الإمام، واستمع، وأنصت، ولم يَلْغُ، كان له بكلِّ خطوةٍ يخطوها من بيتِه إلى المسجدِ، عملُ سَنَةٍ، أجرُ صيامِها وقيامِها“. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه بسند حسن، فكيف نحقق معاني التبكير والاجتماع والشعار إذا أُديت الصلاة في البيوت خلف البث المباشر؟

المزيد من المشاركات
1 من 38

ثانياً: الظهر هو الأصل والجمعة بدل، وعند التعذر يرجع  للأصل

الجمعة فريضة لها هيئة وصفة شرعية، ومقاصد مرعية، وبعد اتفاق أهل العلم أن فرض الوقت الجمعة أو الظهر، فإنهم اختلفوا في أيهما أصل والآخر بدل منه، والراجح من أقوال العلماء أنّ الظهر هو الأصل والجمعة بدل منه؛ لأنّه الظهر فُرض في الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، فإذا تعذّر إقامة الجمعة لعدم توفر شرائطها عُدنا إلى الأصل وهو الظهر، ومازال المسلمون في كثير من المدن والأقطار الإسلاميّة يفرقون بين مساجد الجُمع والجماعات، فيُقصرون صلاة الجمعة على المساجد الجامعة الكبيرة ويغلقون المساجد الصغيرة يوم الجمعة، لتحقيق معنى الاجتماع والشعيرة والعيد الأسبوعي للمسلمين، وكلّ هذا ينهدم إذا قلنا بصحة الصلاة خلف المذياع ونحوه.

ثالثاً: مراعاة فقه المآلات

من المآلات المترتبة على صلاة الجمعة في البيوت خلف البث المباشر: القضاء على روح الشعيرة، والوصول إلى إبطال الجُمع والجماعات بالكلية سواء مع الجائحة أو بعد زوالها، فإذا صحت صلاة الجمعة خلف المذياع صحت صلاة الجماعة من باب أولى، وهو ذريعة لإبطال أصل بناء المساجد وتعميرها، فيكفي الناسَ في كلّ بلد مسجدٌ صغيرٌ واحدٌ يسع اثنين مع الإمام وبقية الناس يصلون من بيوتهم وأماكن عملهم بمشاهدة البث المباشر، وأعجبُ منه الصلاة خلف إمام الحرم عند اتحاد الوقت بينهم وبين وقت الصلاة في الحرم، لتحصيل الأجر المضاعف وهم في البيوت.

رابعاً: الاجتماع شرط لصحة الاقتداء بالإمام

اشترط الفقهاء لصحة الاقتداء اجتماع المأموم مع الإمام في مكان واحد، وعلم المأموم بانتقالات الإمام على نحو ينفي الاشتباه ويمنع جهل المأموم بحال إمامه، فإن وقع لم تصح صلاته، كما اشترط الفقهاء عدم الفصل بين المأموم والإمام بفاصل كبير كجدار، أو نهر كبير تجري فيه السفن، أو حاجزٍ يمنع وصول المأموم إلى إمامه لو قصد الوصول إليه، والائتمام من البيوت بمتابعة البث المباشر وما ماثله يُخل بهذه الشروط، ويمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه، ويبطل الصلاة عند جمهور الفقهاء لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما جعل الإمام ليؤتم به” متفق عليه.

خامساً: الضرورة لا تُغيّر الأحكام فيما له بدل شرعي

مقالات أخرى للكاتب
1 من 15

لو قلنا بصحة صلاة الجمعة على تلك الصفة فإمّا أن نؤسس هذا القول على الضرورة والاستثناء نظرًا للنازلة التي نزلت بالمسلمين، أو نؤسسه على أصل المشروعية، ولا يصح الجمع بينهما لأنه تناقض، والبناء على أحدهما باطل؛ أمّا الأول فلأن الضرورة لا تُغيّر الأحكام فيما له بدل شرعي، والجمعة بدلها الظهر إذا تعذرت إقامتها أو لم تتحقق شرائطها فيُصار إليه، وأمّا الثاني فلأنه يفضي إلى استمرار العمل بها بعد زوال الغمة، وهو ما لم يقل به أحد.

والمجلس يدعو الأئمة والخطباء في أوروبا إلى القيام بدورهم في وعظ الناس وتذكيرهم وإغنائهم عن موعظة الجمعة طوال الأسبوع، على نحو لا يشتبه بصلاة الجمعة ولا يقلل من هيبة الشعيرة ومكانتها في نفوس المسلمين ومن ذلك: تسميتها خطبة الجمعة، أو تقديمها من على المنبر، أو سبقها بأذان.


(١) منطوق الفتوى (4/30) المتضمنة في البيان الختامي للدورة الطارئة الثلاثين للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.