منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقهيات “كورونا”: مسائل وبدائل

عثمان غفاري

0

 

يستشرف العالم الإسلامي شهر رمضان المبارك لهذا العام في ظل تنامي أزمة جائحة كورونا، أزمة تتجلى مظاهرها في استمرار انتشار آثار الوباء المدمرة لجميع مجالات الحياة، وظهور سلالات جديدة متحورة لفيروس “كوفيد- 19” يقال بأنها الأشد فتكا وخطرا من جهة، ومن جهة أخرى نجد استثمار الكثير من الأنظمة والهيئات والأفراد المعادية لهوية الأمة لتدبير الجائحة من أجل الإجهاز على مكتسبات المسلمين المادية ، والنيل المتعمد من شعائرهم الدينية، وتوسيع دائرة التضييق على حقوقهم الخاصة والعامة في بلاد هم أساسا وفي بلاد المهجر تبعا. جهات رسمية وغير رسمية تعتمد سياسة الآذان الصماء عندما يتعلق الأمر بحقوق المسلمين وعلى رأسها الحق في معرفة الله وعبادته، وتنفرد باتخاذ قرارات تحكمية بدون أن تكلف نفسها ذكر أسباب النزول، أو التدليل عليها بالفروع والأصول، أو الاستناد للثقات العدول، أو اقتراح البدائل والحلول، التي تشفي غليل السائل وتبرئ ساحة المسؤول.

جهات تسارع لتبرير تهميشها للعلماء وعدم الرجوع إليهم في حراسة الدين وسياسة الدنيا، باتهامهم تارة بالتحجر والجمود على حفظ المتون والنقول، وتارة بالانشغال بتراث متخلف بلا إعمال للعقول، وتارة بالتشدد وتوظيف الدين في شتى المجالات والحقول، داعية إياهم إلى ترك الفضول والخوض في مثل هاته الأمور، وإلا كان مآلهم الطرد والسجن والأفول.

أزمة انعدام للثقة بين فريقين كان من المفروض أن يكونا وجهين لعملة واحدة كما حث على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في أكثر من موضع وسماهم بولاة الأمور، الوجه الأول هم الحكام المتحكمون الذين يتخذون القرار تلو القرار بلا تأصيل ولا تعليل، والفريق الثاني هم العلماء المبعدون من يتجرعون مرارات تلك القرارات، وهو يرون شعائر الله تنتهك وتداس من بعض حماتها المفترضين، فيجأرون بالحق حينا بقوة لا تلين، ويتحفظون بلا تخوين ولا تهويل، أو يلوذون بالصمت في أحايين أخرى موثرين في زعمهم الحفاظ على بيضة الإسلام على الصدع بالحق المبين الذي يورث صاحبه الندامة وكثرة العويل.

أزمة تفاقمت لما استثنيت بيوت الله وشعائر المسلمين فقط من الانفراج الذي طال جميع مجالات الحياة في الشهور المنصرمة، واستمر تعطيل صلوات الجماعة وصلاة الجمعة داخل غالبية المساجد في جل الدول، ولم يفتح بعضها إلا بعد ضغط شعبي عفوي، ورغم تقيد المصلين بكل التدابير الاحترازية بتلقائية وأريحية إلا أن بعض الدول الإسلامية جددت التضييق مع حلول شهر رمضان المبارك ليطال فريضتي العشاء والصبح والتراويح والتهجد، كما هو الأمر عندنا في المغرب وتركيا وغيرهما، وليطال الحجاب والذكاة وتحفيظ القرآن الكريم وتعليمه في بعض الدول الغربية التي تنامت فيها العنصرية و “الإسلاموفوبيا”  كما هو الحال في فرنسا.

المزيد من المشاركات
1 من 18

وفي إطار محاولة فهم وتفهم وتفهيم هذا الوضع الخاص والاستثنائي، وإماطة اللثام عن جوهر وحقيقة الدين الإسلامي الحنيف وتبرئة علماء الأمة من الكثير من التهم الباطلة التي ألصقت بهم ظلما وعدوانا، ظهرت العديد من الفتاوى والبيانات وآراء العلماء في هذا الشأن، على اختلاف مشاربهم والهيئات التي يمثلون مبادرة ومواكبة لقضايا الجائحة من زاوية تخصصها.

وتأتي هذه السلسلة المباركة التي سنرصد فيها بعض هذه البيانات والفتاوى التي صدرت عن عدد من المجامع الفقهية، والاتحادات الشرعية، وعلماء الشريعة بخصوص انتشار الوباء، بغاية التوثيق أولا، لتكون مصدرا ومرجعا للأجيال القادمة في تاريخ النوازل، وثانيا لبيان جهد الفقهاء المعاصرين في التعامل مع النازلة وقضاياها، وثالثا لإتاحة الفرصة أمام الباحثين والمتخصصين لدراسة الفتاوى تحليلاً وتأصيلاً، ورابعا لإقامة الحجة على من يتهمون المسلمين بالاكتفاء بالذكر والدعاء وتعطيل العلم وتهميش الخبراء في مواجهة البلاء.

فتاوى رغم اختلافها وتعدد المؤسسات المصدرة لها، شكلت لوحة رائعة ومتميزة عن مدى قدرة علماء المسلمين على التعاطي المناسب مع الحوادث المستجدة، بما يتوافق والكليات الكبرى، والمقاصد العليا الحاكمة للشريعة الإسلامية.

وسنعمد خلال هذه السلسلة التي ستنشر حلقاتها يوميا وطيلة شهر رمضان المبارك على إبراز الجهد الجمعي الرائع في الاجتهاد الفقهي لسادتنا العلماء المواكب لقضايا الجائحة الفقهية المرتبطة بأركان الإسلام الخمسة، وشعب الإيمان البضع والسبعين، وأمهات القيم والأخلاق، وأصول السياسة الشرعية، وفقه الأموال والمعاملات، وقضايا الإعلام والرياضة والفن،

فكونوا معنا في فاتح رمضان، ومع أول حلقة من هذه السلسلة الرمضانية المباركة الموسومة بعنوان:   ” فقهيات “كورونا”: مسائل وبدائل”

وسيكون موضوع الحلقة الأولى بإذن الله تعالى:  ” نظرة الإسلام للطواعين والأوبئة”

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.