منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) “فقه التاريخ مطلب شرعي وضرورة تربوية” سلسلة “فقه التاريخ”

"فقه التاريخ مطلب شرعي وضرورة تربوية" الدكتور محمد اللياوي

0

“فقه التاريخ مطلب شرعي وضرورة تربوية”

“فقه التاريخ”

الدكتور محمد اللياوي

 

المطلب الثاني: أهمية فقه التاريخ

المزيد من المشاركات
1 من 23

أي أهمية يكتسيها فقه التاريخ؟ وما الحاجة التي تدعونا للنظر فيه؟ أليس في كتاب الله غنى لنا عنه؟ أم هو ترف فكري وتسلية بحكايات الأمم وقصص الرجال؟

كتاب الله فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا، يخبرنا عن الأمم السابقة وقصص أنبياء الله مع أقوامهم لنعتبر بذلك ونهتدي إلى تلك السنن والقوانين التي جرت عليهم، وينبئنا بما نستقبله من قضايا وأحداث بناء على تلك القوانين والسنن التي يطلب منا أن نتبعها ونهتدي بها ونسير على منهاجها، فيكون من ثمة قد حكم ما بيننا، أي حاضرنا.

أما فقه التاريخ فيكتسي أهميته من فقهه لتلك السنن وتفسير التاريخ وفقها قصد إرشاد الأمة إلى سبل تغيير ما بها، وأنه لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها

يقول ابن خلدون: “اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا” (1)

 

أولا: فقه التاريخ مطلب شرعي وضرورة تربوية

1. القرآن يدعو إلى التدبر والاعتبار

التدبر في سير الأمم السالفة أمر ومطلب قرآني، والنظر في أحوالهم وتقلباتهم ومآلاتهم حكمة ربانية انتدبنا إليها نحن معشر المسلمين لنستخلص منها الدروس والعبر.

كثيرة هي الآيات التي تحثنا على التدبر والنظر في التاريخ كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) -الانعام، 11- وقوله عزّ وجلّ (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) -آل عمران، 137- (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (-آل عمران، 138-

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ” إخبار إلهي بسنن إلهية وقوانين ربانية حكمت تلك الأمم وجرت عليها، مثل قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم لوط وقوم فرعون. ما بعد الإخبار هو الأمر بـ  “فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ” لتقصّي أخبار هذه الأمم وآثار هلاكهم، وهو كناية عن النظر في أخبارهم بأي حال من الأحوال وليس بالضرورة بالسير والتجوال.

والأمر بالسير إنما هو مجرد وسيلة لاكتشاف القوانين ولتحقيق مقصد النظر والاعتبار.

يقول رشيد رضا في تفسير قوله تعالى (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) -النحل، 36- “فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غيرها …والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها. والقرآن يحيل إليه في مواضع كثيرة. وقد دلنا على مأخذه على أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها” (2)

وجماع القول أن ما روي في القرآن من أحداث تاريخ الأنبياء إنما هو دعوة إلى التدبر والاقتداء والعمل (3). وهذا هو عين فقه التاريخ.

 

2. السنة تحث على الاعتبار بالتاريخ

السنة النبوية وهي بيان القرآن لم تتخلف عن الدعوة إلى الاعتبار والنظر في سير الأمم لاستجلاء العبر والدروس، فقد “نحا الرسول ﷺ المنحى القرآني في الدعوة إلى الاعتبار بالأولين وأخذ الموعظة من تجاربهم، وذلك عند توظيفه للحدث الماضي ضمن قصص حية مرغبة ومرهبة آمرة وناهية حتى لقد اشتملت الأحاديث النبوية الشريفة على أربع وأربعين قصة تاريخية تضم قصصا عن الرسل والأنبياء وغيرهم مثل قصة “أصحاب الأخدود” و”الثلاثة المبتلون” و”أصحاب الغار”، وهذا لا يعني أن الرسول ﷺ كان مؤرخا أو مدونا للتاريخ بإيراده هذا العدد الهائل من القصص التاريخي وإنما أراد أن يضع للمسلمين الإطار الذي عليهم أن يملؤوه بما يكتشفونه من أحداث وما يصنعونه من عمليات” (4)، أو بصيغة أخرى اكتشاف سنن الله في التاريخ ونواميسه في التغيير،  وفي كلمة فقههم للتاريخ .

 

3. لفقه التاريخ أهمية تربوية

لفقه التاريخ أهمية تربوية قصوى حينما يرشدنا للأسوات الحسنة التي صنعت تاريخ الإيمان والإسلام، مثل قدوة الأنبياء عليهم السلام للنبيّ ﷺ إذ أوصاه الله تعالى بهم فقال: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) -الأنعام،90-، وأسوة النبيّ للمؤمنين من الصّحابة ومن بعدهم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) -الأحزاب،21-  ومثال الخلفاء الراشدين للتابعين وسائر المسلمين لقوله ﷺ : “عليكم  بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ” (5).

فالتاريخ الإسلامي المديد منذ آدم عليه السلام هو تاريخ القدوات، وفقهه يرفع همم الرجال إلى المعالي لطلب مرضاة الله ويكشف عن معادنهم النفيسة وأخالقهم الرفيعة، ويبعث في الأمة روح الجهاد والثبات على الحق والصبر على الشدائد والمصاعب، ويدعوها إلى اقتحام العقبات الكأداء.

 


(1) مقدّمة ابن خلدون ص 1

(2) انظر تفسير المنار للعلامة محمد رشيد رضا – المجلد الأول (طبعة إلكترونية)

(3) الإسلام والحداثة، ص 30

(4) المسلمون وضرورة الوعي التاريخي، ص 17

(5) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.