منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفعيل مقاصد الشريعة في مجال فقه الأولويات عند الإمام القرضاوي

تفعيل مقاصد الشريعة في مجال فقه الأولويات عند الإمام القرضاوي / د. وصفي عاشور أبو زيد

0

تفعيل مقاصد الشريعة في مجال فقه الأولويات عند الإمام القرضاوي

د. وصفي عاشور أبو زيد

 

فعّل الشيخ القرضاوي مقاصد الشريعة في مجال فقه الأولويات عبر بيان ارتباط کليهما بالآخر، فبعد أن بيّن ارتباط الأولويات بالموازنات قال: “ويرتبط فقه الأولويات كذلك ب “فقه مقاصد الشريعة” فمن المتفق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها معللة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدف الشرع إلى تحقيقها، فإن من أسماء الله تعالى “الحكيم” الذي تكرر في القرآن بضعا وتسعين مرة، والحكيم لا يشرع شيئا عبثا ولا اعتباطا، كما لا يخلق شيئا باطلا – سبحانه – حتى التعبديات المحضة في الشرع لها مقاصدها، ولهذا علل القرآن العبادات ذاتها.

ومن حسن الفقه في دين الله أن ندرك مقصود الشرع من التكليف، حتى نعمل على تحقيقه، وحتى لا نشدد على أنفسنا وعلى الناس فيما لا يتصل بمقاصد الشرع وأهدافه”.

يقول: “ومن المهم هنا: التفريق بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة، فنكون في الأولى في صلابة الحديد، وفي الثانية في ليونة الحرير”.

وحتى يتضح وجه ارتباط الأولويات بالمقاصد نشير إلى أن تحديد الأولى يتوقف في كثير منه على معرفة المقاصد ورتبها وفقه النسب بينها، فإن إدراك المقاصد و فهم رتبها ودرجاتها وفقه النسب بينها ينبني عليه تحديد الأولويات في مجال من المجالات.

فلا يصح في العقل ولا في الشرع ولا في أي عرف أن يكون للتحسيني الأولوية على الحاجي، ولا للحاجي على الضروري. بل للضروريات بكلياتها الأولوية المطلقة على الحاجيات والتحسينيات، ومن ثم فأي تعارض يحدث بين الحاجيات والضروريات يجب شرعا إهمال الحاجيات إحياء واستبقاء للضروریات، وفي هذا إعمال لكل القواعد الفقهية التي تدعو إلى تحقيق أكبر قدر من المصلحة، ودفع أكبر قدر من المفسدة، وكذلك للقواعد التي قدمت المصالح الكلية على المصالح الفردية وحتى في الضروريات نفسها، لا يصح شرعا ولا عقلا ولا عرقا تقدیم مصلحة تتعلق بالمال على مصلحة تتعلق بالنفس، أو تقديم مصلحة تتعلق بها على مصلحة تتعلق بالدين؛ لأن المال خادم للنفس، والمال والنفس خادمان للدين، وهكذا تكون الأولوية لما كانت مصلحته مقدمة في ترتيب الكليات الضرورية.

ولا يخفى أن في مراعاة هذا الترابط بين المقاصد والأولويات، ما ينشئ عقلية فقهية منهجية، واعية بحاجات العصر ومستصحبة لمحكمات الشرع، بحيث تحيا واقعها وتعيشه بشكل مستوعب؛ فلا تقدم ما من حقه التأخير، ولا تؤخر ما من حقه التقديم، بل تضع كل شيء في مكانه بالقسطاس المستقيم

والفقه في مقاصد الشريعة يحقق هذه “القسطاسية” في تقدير الأشياء، ووزن الأحكام الشرعية بميزان حساس، ووضع الحكم الشرعي المناسب لكل نازلة، دون طغيان ولا إخسار. وبدون مراعاة المقاصد لتحديد الأولويات يقع الفقيه في أزمة كبيرة، ويتورط الفقه في ما يمكن أن يسمى ب “التخلف”؛ حيث تتخلف الشريعة بفعل الفقهاء الذين لم يفقهوا المقاصد لتحديد الأولويات بناء على عمق فهمهم فيها، تتخلف الشرعية عن الحياة الواقعية بنوازلها ومستجداتها.

وبهذا يتضح لنا أن في عمق الفهم للمقاصد ما يصنع قدرة منهجية بارعة في تحديد الأولويات، وما يستبقي أحكام الشرع مسيطرة على الحياة بكل مستجداتها، وهذا يضمن للشريعة ثراء وحياة وحضورا في واقع الحياة والأحياء

.

(ص 88-90 من كتابه رعاية المقاصد في منهج القرضاوي)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.