منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسائل في فقه الأضحية

مسائل في فقه الأضحية/ د. محمد جعواني

0

مسائل في فقه الأضحية

د. محمد جعواني

باحث في الفقه الإسلامية والمالية الإسلامية

مقدمة:

إن العشر الأوائل من ذي الحجة من الأزمنة الفاضلة المباركة، ومن مواسم الخير والعطاء، وقد رغب الشرع في اغتنامها وشغل أوقاتها بالعمل الصالح النافع.

قَالَ مولانا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِن أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِن العَمَلِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ” [رواه أحمد]

وقَالَ عليه الصلاة والسلام: ” مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً مِن خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الأَضْحَى”[رواه الدَّارمي]

وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ…” [رواه أبو داود]

وكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهما: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا” [رواه البخاري]

فحريّ بالمؤمن أن يكثر من القربات في هذه العشر صياما لأيامها وقياما للياليها، وذكرا لله سبحانه ومذاكرة للعلم النافع، ومواساة لأهل الحاجة والمسغبة، وإدخالا للسرور على أهل الضيق والفاقة، وإراقة لدم الأضحية يوم النحر قربانا واستنانا وشكرا للواهب المنان.

وسنركز في هذه المقالة على أهم الأحكام الفقهية المتعلقة بالأضحية.

1- الأضحية شعيرة إسلامية:

الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وينبغي تعظيمها وإحياؤها، فذاك من تقوى القلوب وإذعانها لحكم مولاها سبحانه.

وقد شرعت في السنة الثانية للهجرة، ومن أدلة مشروعيتها ما يلي:

يقول الحق سبحانه :”فصل لربك وانحر“[الكوثر، 2].

وعن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا”[متفق عليه]

وأجمع أهل العلم قديما وحديثا على مشروعيتها.

2- تعريف الأضحية:

  • الأضحية فيها أربع لغات:

يقال: إِضْحيّة -بكسر الهمزة- وأُضحيّة-بضم الهمزة- وجمعها أضحيات وأضاحي.

ويقال: ضَحِيّة، وجمعها ضحايا. ويقال: أَضحاة، وجمعها أضحًى.

واصطلاحا: هي ما يُذبح من بهيمة الأنعام أيام النحر تقربًا إلى الله تعالى.

3- فضل الأضحية:

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسًا”. [رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم. وضعفه غيرهما]

4- حكم الأضحية:

الأضحية سنة مؤكدة، يُكرَه تركها للقادر عليها. وهذا قول الجمهور.

وذهب أبو حنيفة والأوزاعي والليث وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى القول بوجوبها.

قال الإمام مالك -رحمه الله-: “الضحية سُنَّةٌ وليست بواجبة، ولا أحب لأحد ممن قويَ على ثمنها أن يتركها”.[الموطأ، كتاب الضحايا]

واستدل الجمهور بما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحِّيَ، فلْيُمْسِكْ عن شعره وأظفاره”[رواه مسلم].

وتعليق الحكم بإرادة المكلف ينافي الوجوب.

ورأي الجمهور أرجح وأرفق.

  • مسألة:

اختلف الفقهاء في حكم أخذ المضحي من شعره وأظافره في هذه العشر بناء على ما ورد في الحديث السابق “فلْيُمْسِكْ عن شعره وأظفاره” على ثلاثة أقوال:

ذهب الحنابلة إلى التحريم، وذهب الأحناف إلى الإباحة، وقال المالكية والشافعية بالكراهة.

والراجح أنه لا يحرم ولا يكره قص الشعر والأظافر للمضحي في العشر من ذي الحجة.

فيستحب على جهة الندب فقط تشبها بالحجيج في إحرامهم. والدليل حديث زِيادَ بنِ أبي سُفيانَ الذي كَتَبَ إلى عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قالَ: مَن أهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ علَى الحَاجِّ حتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قالَتْ عَمْرَةُ: فَقالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ عنها: ليسَ كما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ؛ أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بهَا مع أبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيءٌ أحَلَّهُ اللَّهُ له حتَّى نُحِرَ الهَدْيُ.[رواه البخاري]

وأمنا عائشة رضي الله عنها أعرف بأحواله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الرأي أقوى من حيث الدليل والنظر.

فأما الدليل فقد مرّ مع حديث الصديقة عائشة رضي الله عنها.

وأما النظر فقد قالوا في تعليل ترك الحلق والقص إن فيه تشبها بالحاج المُحرم، ومن محظورات الإحرام الحلق والقص… وهذا التعليل وإن كان فيه لفتة تربوية عميقة بربط غير الحاج بنسك الحج، إلا أنه لا يستدعي القول بالحرمة أو الكراهة، لأن الحاج نفسه إذا نوى التمتع -وهو الغالب – فإنه لا يجدد إحرامه إلا في اليوم الثامن (يوم التروية) ولا يحرم عليه الحلق والقص قبل ذلك. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القائلين بالتحريم والكراهة لم يمنعوا المضحي من باقي محظورات الإحرام كالجماع وهو أشدها، فمن باب أولى أن لا يمنع من الحق والقص وهو أخف.

5- شروط الصحة (الإجزاء):

  • – النية: ويقصد بها إخلاصها لله سبحانه، واستحضار قصد القربى والتعبد والنسك.
  • – أن تكون من بهيمة الأنعام:

ويقصد بها حصرا(الإبل، البقر، الغنم والماعز). يستوي في ذلك الذكر والأنثى والخصي والفحل من النوع الواحد، وذكران كل نوع أفضل من إناثه.

  • – أن تبلغ السن المحددة:

فيجزئ من الضأن ما له ستة أشهر ودخل في السابع، ومن الماعز ما له سنة كاملة ودخل في الثانية، ومن البقر ما له سنتان كاملتان ودخل في الثالثة (أو ما له ثلاث سنوات ودخل في الرابعة)، ومن الإبل ما له خمس سنين ودخل في السادسة، ولا يجزئ أقل من ذلك.

  • – أن تسلم من العيوب المؤثرة:

عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، والمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، والعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، والكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي”. [رَوَاهُ أحمد، والأربعةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ.]

فالحديث نص على عيوب أربعة، ومن باب أولى أن تدخل العيوب الأشد من التي ذكرت كالعمى وفقد رجل والجرب والتقرح… أما العيوب الأخف فلا تضر كالعرج الخفيف والمرض الخفيف، وفَقد القرنين خِلقة (الجمّاء).

  • – أن تذبح في الوقت المحدد لها:

ويدخل وقت ذبح الأضحية بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه لأضحيته، فإن لم يذبح، اعتبر زمن ذبحه، وينتهي وقت الذبح عند المالكية بغروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، أي أن أيام النحر ثلاثة؛ يوم العيد ويومان بعده.

وأجاز الجمهور الذبح ليلا مع الكراهة ومنعه مالك في المشهور عنه.

  • – أن لا يشترك في ثمنها:

لا يجوز الاشتراك في ثمن الأضحية لأن التقرب يحصل بالذبح وإراقة الدم وذلك لا يتجزأ.

ويجوز التشريك في الأجر والثواب بشروط: أن يكون قبل الذبح، مع وجود القرابة والنفقة (وجوبا أو تبرعا) والسكنى المشتركة عند نفقة التبرع.

روى مالك في الموطأ عن أبي أيوب ‏الأنصاري قال: ‏‏”كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة”.

ويجوز الاشتراك في ثمن الأضحية إذا كانت من البدن (البقر والإبل) في حدود سبعة نفر عند غير المالكية.

ويجوز الاقتراض (القرض الحسن) لشراء الأضحية أو شراؤها بالتقسيط لمن كان قادرا على سداد دينه. أما الاقتراض الربوي فلا يجوز بحال ومن اعتبر المضحي مضطرا بحكم العادات الاجتماعية فقد جانب الصواب، لأن الأضحية عبادة وليست عادة. وإذا وقع ونزل واضطر الإنسان لشراء الأضحية عن طريق الربا فحينها نكون خرجنا من سياق العبادة إلى سياق العادة ونصبح في حالة عينية مشخصة لها فتواها الخاصة دفعا لمفاسد الاضطرار المحققة.

6- شروط وآداب الذبح:

الذبح هو: قطع مميز مسلم أو كتابي جميع الحلقوم والودجين من المقدم بمحدد بلا رفع بنية.

– تعيين النية عند الذبح.

– التسمية، وهي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان لا العمد.

– قطع الحلقوم والودجين.

– ذبح المضحي أضحيته بنفسه اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ويستوي في ذلك الرجال والنساء، ويسن حضورها للعاجز عن الذبح.

– التكبير، والدعاء، والإحسان في الذبح، وإضجاعها على الشق الأيسر وتوجيهها إلى القبلة، والذبح من الأمام لا من القفا وعلى جهة الفور.

ولا يعطى الجزار شيئا منها أجرة له على عمله، ولا يباع منها شيء.

ويستحب الأكل والتصدق والإهداء منها من غير تحديد بالثلث ونحوه مع الإكثار من ذكر الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.