منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المراجعات الفقهية سبيل الأمة لضبط الفتوى

المراجعات الفقهية سبيل الأمة لضبط الفتوى/ ذ. المراد الحنفي

0

المراجعات الفقهية سبيل الأمة لضبط الفتوى

Jurisprudence Audit is a Way to Accurately Take Hold on Fatwa

ذ. المراد الحنفي

باحث في الدكتوراه – تخصص: النقد – جامعة ابن طفيل – القنيطرة – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

تتبوأ الفتوى عند المسلمين مكانة عالية، باعتبارها توقيعا عن رب العالمين، ببيان الحكم الشرعي، فلذلك شرط العلماء كثيرا من الشروط فيمن يتصدى لهذه المهمة العظيمة، تتعلق بالجانب المعرفي والشخصي والسلوكي؛ غير أن البعض قد يقفز على هذه الشروط، مسببا بذلك في فوضى إفتائية، يعيش أهل العصر الحاضر من نتائجها الكوارث. فكان لزاماً القيامُ بنقد هذه الفتاوى بإحياء فقه المراجعات. إن ضبط الفتوى من واجبات العصر، الذي ينبغي أن تضطلع به الأمة، في شخص علمائها؛ رغم ما قد يواجه به هذا الواجب من ادعاء كالقول بانتهاك حرية التعبير أو الحق في الاختلاف.

كلمات مفتاحية: الفتوى، فوضى الإفتاء، المراجعات الفقهية، الحكم الشرعي.

Abstract:

Fatwa is highly valued among Muslims because of being considered as a judgement on behalf of Allah through illustrating religious provision. Therefore, scholars conditioned a set of criteria for those who tend to deliver any religious provision which are knowledge, personality and behaviour. However, some may disrespect these criteria causing miscomprehension and misconception the matter that necessitates criticizing through jurisprudence audit. Taking hold on fatwa is a must procedure in this era which should be executed by the scholars despite the claims of violating freedom of speech or the right of opposition.

Key words: Provision, Jurisprudence Audit, Fatwa, Criteria, Religion, Islam.

تقديم:

عرف علماء الشريعة الإسلامية منذ العصر الأول للرسالة لخطة الفتوى أهميتها وخطورتها، فأحاطوها بسور يحفظ لها مكانتها، وسياج يمنع غير المؤهل من الاقتراب منها. تمثلا في تلكم الشروط المطلوبة في المفتي، حتى يؤخذ كلامه، ويعمل بمقتضاه، وفي تربص العلماء بالفتاوى لمراجعتها وفحصها.

غير أن الأمة ما فتئت تبتلى بمن يخرج بالفتوى عن مقاصدها، خدمة لمصالح ضيقة، أو مجرد تطفل على محرابها.

ولم يقف العلماء موقفا سلبيا تجاه هذه الآفة، بل ناهضوها بإخضاع ما يصدر عن هؤلاء للنقد، قياما بواجب الذود عن الفتوى، وتبرئة للذمة، ونصحا للمسلمين.

وتمت ممارسة هذا الأمر من خلال المراجعة لتلكم الفتاوى، حيث إن العلماء يُراجِعون وينقدون مُنجز هؤلاء المفتين، فيعلقون عليها بما يفيد حكمهم عليه إن كان تصحيحا واستحسانا، أو ردا واستغرابا.

ويعود هذا المقال إلى موضوع ضبط الفتوى ليلفت الانتباه إلى أهميته مع ما يعين عليه، وذكر عوائقه، وكيفية الاستفادة من منهج علمائنا في هذا المضمار.

المبحث الأول: خطورة مقام الفتوى

لعل القارئ لنصوص علماء أصول الفقه في باب الفتوى يخلص إلى خطورة مقام الفتوى، وعظم خطتها، دون الحاجة إلى كثير عناء.

وإن ما أفرد به علماء الدين المفتي من شروط منهجية وشخصية فضلا عن الشروط العلمية، ينبئك بما راموا إليه من تسييج هذا المنصب لئلا ينفذ إليه المتطفلون، ويقتحمه الغرباء.

ونجد العلماء يشترطون في الفتوى ما لا يشترطون في الخوض في العلوم. لما للفتوى من امتدادات تتجاوز من صدرت عنه. قال الإمام الشافعي: «لا يحل لأحد يفتي في دين الله عز وجل إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، وإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي»[1].

يفرق الشافعي بين الكلام في العلم والإفتاء في الحلال والحرام، وما يتصل بأفعال المكلفين المستفتين، ويبدأ حديثه ذلك ببيان عدم حلية فتوى من لم يستجمع الشروط المذكورة. وتلك فتوى من إمام الفقهاء، ومنظر أصول الفقه التي منها بواسطتها تستثمر الأحكام.

إن الكلام في العلم لا يتصل بأديان الناس، فيبقى الأمر فيه أفقيا بين أهل العلم وطلبته. بينما الفتوى علاقتها عمودية، إذ هي في طريق الشخص / المكلف في علاقته بخالقه. بتعلقها بممارسته الشعائر الدينية[2]. ويشترط الشافعي في المفتي شروطا علمية، وسلوكية، وشخصية.

فأما العلمية، فقد جمع ما يحتاج إليه المجتهد في تعامله مع نصوص الوحي ثبوتا (عارفا/ بصيرا بحديث رسول الله/ ناسخه ومنسوخه) ودلالة (محكمه ومتشابهه/ بصيرا باللغة)، وسياقا (مكيه ومدنيه/ وفيما أنزل)، ولا يرضى إلا بالحد الأقصى في المطلوب للنفاذ إلى المعاني المقصودة في نصوص الوحي (وتأويله وتنزيله/ وما أريد به).

وأما السلوكية: فأن يكون منصفا، (ويستعمل مع هذا الإنصاف) لا يريد باجتهاده إلا الوصول للحق الذي يصح التعبد لله به، بما هو مستخرج من نص وحيه، موقع نيابة عنه.

وأما الشخصية: فذكر اكتساب القريحة، مع اكتساب العلوم، (ويكون له قريحة بعد هذا) وأن يكون حكيما قليل الكلام (وقلة الكلام).

إن قواعد اعتبار الفتوى المتعلقة بالمفتي كثيرة، وقد أسهب فيها العلماء في كتب أصول الفقه، في باب الاجتهاد. غير أن الملاحظ أن تلكم الشروط قد تزداد زمنا بعد زمن، فلا بد للمفتي في زمن كزمننا الآن من العلم بالواقع العالمي المعيش، وبالنظام العام، وسؤال أهل الاختصاص والاستعانة بهم في بعض القضايا العلمية البحتة التي له اتصال بالفتوى، حتى لا يخالف بعض الحقائق الثابتة علميا. وغير ذلك مما يدخل في كلي العلم بالواقع الذي نص عليه العلماء[3].

والعالم بنفسه بصير، فإذا استجمع شروط الفتوى، وأذن له فيها فله أن يفتي حينئذ. يروي خلف بن عمر، (وكان صديقَ مالك): سمعت مالك بن أنس يقول: «ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك. قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه»[4].

إن هذين النصين من إمامين مجتهدين كبيرين، مؤسسين لقواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي، يمنحاننا مجالا لاستنباط شروط المفتي في كل زمن.

فليست الفتوى مجرد تبليغ الحكم إذن، لأن لها شروطا غير ذلك. وإذا التزمت الأمة بهذه الشروط أمكنها ضبط الفتوى، وتحول بين الناس وهذه الفوضى. وذلك بتداخل مجموعة من المعارف والعلوم والضوابط.

فالصفات الشخصية، الواجب توفرها في المفتي، تتكفل بها علوم حديثة كعلوم النفس، وعلوم التربية. إذ بإمكانها الإسهام في تخريج مفتين أكفاء لهم صفات الاستحقاق. وهو الذي نبه عليه بقوله: « ويكون له قريحة».

كما أن علم التواصل، وطرق الخطاب والإقناع، يعلمان المفتي حسن الكلام والسكوت، كما أشار إليه الشافعي بقوله: «وأن يكون قليل الكلام» لأن من كثر كلامه كثر خطؤه.

وكذا إجازة أولي الأمر له[5] قبل الإفتاء، أمر ضروري، وهو من سبل تقنين الفتوى، خاصة في جانب الحياة العامة للمسلمين، وفيما تعم به البلوى. مثل ما أشار إلى ذلك النص المنقول عن مالك بن أنس.

وإذا كانت الصفات العلمية متفقا على أغلبها ومعروفة عند طلاب هذا العلم؛ فإن ما ينبغي التذكير به في هذا السياق، كون الفقه يعني الفهم الدقيق لا مجرد الفهم. لأنه يتطلب استنباطا قال الراغب فيه تعريفه: «هو التّوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخصّ من العلم»[6]، فلذلك يطلب منه الحد الأقصى في العلم في الجانب المتعلق بما يخص الناس. قال الخطيب البغدادي: «واعلم أن العلوم كلها أبازير الفقه، وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى دون ما يحتاج إليه الفقيه، لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة منهم فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه»[7].

إن العلماء لم يغفلوا اشتراط العلم بكل شيء له تعلق بوضع الناس في وقتهم ومكانهم (السياق الزمني والمكاني). فعلى المفتي العلم بالحقائق العلمية حتى لا يفتي بخلافها، وقل مثل هذا في النظام العام للبلد، والواقع العالمي الجديد. فله احتياج إلى كل هذا حتى يصير مفتيا فعلا، «لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة»[8].

ونبه نص البغدادي أيضا على شرط العلم بالأعراف والعادات، لأن العادة محكمة في الشريعة الإسلامية. وهذا معروف عند العلماء.

وجاء التحذير ممن تسور هذه الشروط، وتطفل على ميدان غيره، فأفتى بغير أهلية. جاء في الفقيه والمتفقه: عن ابن سيرين، قال: قال حذيفة: «لا يفتي الناس إلا ثلاثة: رجل قد عرف ناسخ القرآن ومنسوخه، أو أمير لا يجد بدا، أو أحمق متكلف»[9]. فمن ليس من أهل الفتوى وتسور سياجها يطرد ويقال له: «ليس بعشك فادرج إلى حشك»[10].

ومارس العلماء هذا الطرد بما سبق من شروط واجبة التوفر في المفتي. فهي – وإن اختلف في بعضها – إلا أن أكبر المتساهلين لا يمكن أن يجيز لغير العالم أن يتصدر للفتوى، ولا أن يفعل وفي بلده من هو أعلم منه. فكانت تلكم الشروط بمثابة السياج الواقي لخطة الفتوى أن يتسورها غير أهلها.

إن كل ما سبق من تذكير بشروط المفتي، ينبئك بخطورة الفتوى، إذ هي أعلى مقاما من تبليغ العلم والأحكام. بما هي توقيع عن رب العالمين، وقيام بمهمة المرسلين. فإذا تولى المهمة من هو دونها كانت وبالا على المجتمع، لاختصاصها بملامسة أفئدة الناس، لتعلقها بديانتهم.

المبحث الثاني: مقاصد الفتوى وحرص العلماء على تحقيقها

يمكن اختزال مقاصد الفتوى في إخبار السائل بحكم الله في مسألة نازلة به[11]. وهذا الإخبار من لازمه أن يكون صحيحا صادقا في نفسه بحسب اجتهاد المفتي، لا يرى غيره. من منطلق أمانة المفتي ونصحه للمسلمين الواجب شرعا.

وقد يكون هذا ظاهرا لا يحتاج إلى بيان، لكن العلماء خدموا من هذه الجهة ضبط الفتوى، حتى لا يدخل فيها أي اعتبار لغرض غير غرضها الأول، ومقصود غير مقصودها الأصلي، فشنعوا على كل مفت حابى غيره بفتوى.

وفي تراثنا الفقهي بعض من هذا. فقد «حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه»[12].

فلو كان في المسألة النازلة بالمستفتي وجهان لم يكن للمفتي أن يفتي بما يوافق رغبة المستفتي، لأن هذا ليس من وجوه الترجيح التي يصار إليها لاعتماد رأي دون آخر. بل إن هذا الصنيع يخرج صاحبه من دائرة المرجحين لأحد الأقوال على غيرها. قال ابن الصلاح: «اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتاه أو علمه موافقا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه معد غير نظر في الترجيح ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع»[13].

إن مقاصد الفتيا تنأى بعيدا عن خدمة الأغراض والمصالح الشخصية الضيقة، إذ إنما هي إخبار بحكم شرعي، ولا يصح أن يتبدل هذا الحكم بتدخل الأغراض الخارجة عن الاعتبار في الأحكام. خدمة لصديق أو معاداة لعدو، أو طمعا في تقرب، أو تزيينا لقبيح. قال أبو إسحاق الشاطبي: «فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، […] فكيف يجوز لهذا المفتى أن يفتي بما يشتهي، أو يفتي زيدا بما لا يفتي به عمراً لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه»[14]. وهذا مما انعقد عليه الإجماع بين علماء الأمة، لأن الأمر فيه مخاطر عظيمة، ومخالفة صريحة للشرع. قال المهدي الوزاني: «لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، ولا يراقب في ذلك زيدا ولا عمراً»[15].

وارتفاع المفتي عن خدمة أغراضه ومحاباة الغير بفتواه، من الشروط السلوكية في المفتي قال الهلالي: «يشترط في المفتي أن يكون عدلا عارفا؛ أما العدالة فلئلا يرتكب ما لا تجوز الفتوى به قصدا أو تساهلا، فالقصد أن يتعمد ذلك لغرض فاسد كقصد ضرر أحد الخصمين أو قصد نفع الآخر لعداوة أو صداقة أو ليحصل له بذلك نفع من أجرة يأخذها…»[16].

وقد عاشت الأمة عصورا كثيرة، وما توقف فيها الإفتاء، ودُوِّنت موسوعات إفتائية هي نبراس لمن رام الاستنارة في طريقة صناعة الفتوى، والوقوف على طرائقها، وما خضع المفتون فيها لأهواء النفس، ولا لضغوط الظروف المحيطة. بل كان العلماء يقفون سدا منيعا لكل من سولت له نفسه خدمة مصالحه الضيقة بالفتوى.

وإذا ثبت أن مقصد الفتوى هو بيان الحكم الشرعي، فإن بعض الباحثين – وهو الدكتور مسفر بن علي القحطاني – أثار قضية كون «التيسير والتخفيف على المستفتي مطلبا رئيسا لدى بعض المفتين، بينما عده آخرون مروقا وخروجا عن الدين»[17]، فهل يعد التخفيف من مقاصد الفتوى؟ فإنا نعلم أن الشريعة ميسرة مبنية بذاتها على جلب المصالح للمكلف ودفع المفاسد عنه، لكن لا يفهم من هذا ترك المستفتي وأهواءَه، أو البحث لها عن مخارج سواء بتتبع الرخص والتلفيق والمصالح المنافية للنصوص، أو التحايل غلى أوامر الشريعة؛ لأن هذا محض الهوى الذي جاءت الشريعة لإخراج المكلف عنه. قال الشاطبي: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا»[18].

غير أن الباحث المذكور جعل التيسير والتخفيف (بالمفهوم السابق) باعتباره مقصدا للمفتي في مقابل إعنات المسلمين[19].

إن قيام المفتي باستخراج الحكم المناسب للنازلة من أصول الشريعة منصوصها ومستنبطها، بمراعاة قواعد الإفتاء المعروفة عند أهل الشأن هو بنفسه تخفيف وتيسير، إذ لا حرج في الشريعة، ولا عنت فيها. فقصد المستفتي بنفسه إلى التخفيف والتيسير والترخص قد يحمله على إغماض الجفن عن الحكم الأصلي، أو القول المناسب، فيبحث عما يوافق هوى المستفتي.

وقد اشترط الفقهاء في المستفتي أيضا أن يكون قصده بيان وجه الحق للالتزام به، «لأن الباطل وما يضاد الشرع هو الداء الذي يسأل عنه المستفتي لإزالته والإبراء منه بالحق الذي أمر الله به، فإن كان المفتي يبرئ قوله من ذلك ويزيل الباطل، ويثبت الحق فنعما، أي نعم العمل عمله، ونعم ما له فيه من الأجر الجزيل»[20]. فإن كان مراد المستفتي حاضرا معتبرا ومؤثرا في عمل المفتي وقعت الكارثة. كما وقع في العصور الأخيرة. يقول الشيخ إسماعيل الخلوتي: «وهكذا يفعل المفتون الماجنون والقضاة الجائرون في هذا الزمان يفتون على مراد المستفتي طمعاً لماله ويقضون بمرجوح الأقوال بل على خلاف الشرح ويرون أن لهم في ذلك سنداً»[21].

إن مقاصد الفتوى تُظهر المتطفل على الفتوى ممن افتقد بعض شروطها، فقصد إلى انتفاع من أي جهة كان. خدمة لغرض ليس من مقاصد الفتوى. ومن ثم يُرَدّ عليه ويُفتضح، فيكون بذلك حماية للفتوى وضبطا لها.

المبحث الثالث: المراجعات وضبط الفتوى

لم يكن الوسط العلمي الإسلامي مدينة فاضلة، بل كان فيها من يتجاوز حده بالتصدي للفتوى، أو بارتكاب الأغلاط فيها. ومع هذا الوضع فإن العلماء كانوا يعمدون إلى مراجعة هذه الانتاجات الإفتائية، وتعهدها بالنقد والتمحيص. ومن ثم يبدون آراءهم في هذه الفتاوى، إما بالتصحيح والتأييد، أو بالتخطئة والرد. وقد يتحول الأمر إلى ما يشبه المناظرات بين المنتقِد والمنتقَد.

فكانت هذه وسيلة العلماء لضبط الفتوى قياما بواجب النصح للأمة، وصدا لإغراء العوام واستغلالهم.

  • مفهوم المراجعات:

والمراجعات جمع مراجعة، وهي على صيغة «مفاعلة» الدالة على المشاركة؛ كأن الفقيه المنتصب للرد على الفتاوى يقول لمن أصدرها: تعال نقم بإعادة قراءة ونقد فتواك. أو كأنه يحمله على الرجوع عن فتواه لما يظهر من أدلة توجب ذلكم الرجوع[22].

  • صور المراجعات:

وتأخذ المراجعات هذه أشكالا متعددة، فقد يكتب الفقيه رسالة يرد فيها على فتوى معينة لاختلال ظهر له فيها. أو يرد على فتاوى كثيرة يضمنها بنفسه كتابا له كصنيع الونشريسي في «المعيار المعرب»[23]، حيث يأخذ فتاوى غيره ويمحصها ببيان الغلط والصواب في نظره أحيانا. ومنها ما لا يصرح فيها بذلك، بل يبين الصواب، وقد ينقل مؤلف ما فتاوى مع ردود العلماء عليها، وقد يرد على تلك الردود أيضا كعمل المهدي الوزاني في «المعيار الجديد» غير ما مرة.

وكما يكون موضوع المراجعات فتاوى منقولة مشهورة، فقد يكون أيضا وثائق (عقودا)، أو أقوالا فقهية مقتبسة من مؤلفات.

وليس بالضرورة أن تكون المراجعة من أجل النقد؛ فقد تكون بالتأييد، والنص على الصحة، أو زيادة بيان أو استدلال…

  • ضرورة إحياء المراجعات:

إن الناظر في واقع الفتاوى في العالم الإسلامي، وما تتناقله منها وسائل الإعلام، يقف على فوضى حقيقية، قد لا يتخيل معها موقف العامي المسكين الذي يرجو من العلماء بيان الحكم بذكر الأرجح ليقوم به.

وهذا الواقع يحتم على جسم الأمة بمراكزها الدينية ومؤسساتها العلمية توجيه نظر العناية إلى هذا الجانب المهم من ممارسة المسلمين الدينية. وذلك بإحياء فعل المراجعات بإنشاء مراكز لتمحيص الفتاوى والرد على ما ينبغي الرد عليه. أو بزيادة اختصاص المراجعة لدور الإفتاء والمجامع الفقهية.

ومن شأن إحياء المراجعات إسكات المتطفلين على شأن الإفتاء، ببيان عدم إتقانهم أساسيات الإفتاء وانعدام التريث المطلوب، وموازنة المسألة بفقه الواقع، واعتبار الأعراف…[24]

إلا أن هذا الفقه (فقه المراجعات) لا يزال أكبر غائب عند الأمة إلى جانب فقه الموازنات والأولويات؛[25] فمراجعة الخطاب الديني لا بد أن يستند إلى فقه. ومراجعة السياسات الوطنية لا محيد لها عن فقه. وقل مثل ذلك في التخطيطات الاقتصادية والعمرانية.

فإلى متى يظل هذا الأمر يخبط فيه الناس خبط عشواء، ولا ينظر إليه نظرة تكامل مع الواقع العالمي المعيش بصعوباته ومتناقضاته؟! وإلى متى يترك لكل مترصد لهفوات المتحدثين في الشأن الديني مجال يخدم أطاريحه، ومتسعا ينفذ منه إلى الطعن في الدين الإسلامي، ثم يقال لنا فيما بعد إن هذا الرأي اجتهاد شخص واحد لا يمثل رأي الإسلام في القضية، فهل يظن أن هذا حل المعضلة؟!

ولا يخفى ما لهذا من أثر سيء على الدعوة الإسلامية وترغيب الناس في هذا الدين الحنيف، وما كل مرة تسلم الجرة. وقديما قال الشاعر:

أبني أمية أحكموا سفهاءكم   إني أخاف عليكمُ أن أغضب[26]

  • مَن يراجع مَن؟ (المُراجِع والمُراجَع):

إذا كان العلماء قد أسهبوا في شروط المفتي وفصلوا الكلام في ذلك لخطورة خطة الفتوى[27]؛ فإنه لا شك أن هذه الشروط وأكبر منها تشترط في من يُراجِع الفتاوى.

ومن نظر في الكتب التي تنقل عن العلماء مراجعاتهم لبعض الفتاوى يلحظ العجب في استحضارهم للأدلة الشرعية وأقوال العلماء وطول باعهم في تنقيح المناطات.

وأورد هنا بعض الشروط التي أرى أنها من الضروري توفرها بالإضافة إلى شروط المفتي المعروفة.

حسن النية وخلوص القصد. ولربما يكون هذا أكبر الشروط أهمية وأصعبها من جهة التحقيق. ولكن همة علماء الأمة لا يعلو عليه شيء إن شاء الله تعالى.

علو الهمة في طلب الحق وابتغاء إعلائه، دون خشية لومة لائم في ذلك. و«الهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه»[28].

الموضوعية: فلا يحمله على انتقاد فتوى معينة إلا محبة إظهار الحق، دون الرغبة في التنقيص من المفتي أو جهته، أو مذهبه… ويكون الدليل بوصلته، أينما سار ولى إليه وجهته.

ولنا في سلفنا أروع قدوة وأفضل مثال في عدم التنقيص من أحد، والصدح بالحق مهما كان مصدر الخطأ.

الأمانة العلمية: أثناء النقل والفهم عن أرباب الأقوال. وقد علمنا القرآن أن ((من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا)) [النساء/111] فالتقَوّل على الناس معصية كبرى، وعلى العلماء جريمة نكراء؛ وكما تكون الأمانة العلمية في صحة ما ينقل ولمن ينسب، فإنها قد تكون أيضا بعدم ستر أقوال للسلف قد تنفع في المسألة.

المبحث الرابع: عوائق ضبط الفتوى:

ليس أمر ضبط الفتوى هينا، لتداخل كثير من الجوانب في هذا المضمار. ومع الإيمان بضرورة هذا الضبط فإن

ما يؤرق المهتم هو كيف يمكن ضبطها دونما مساس بحرية التعبير والرأي أو تكميم لأفواه المجيبين المختلفين

  • الفتوى وحرية الرأي:

عرف المسلمون للفتوى قيمتها الدينية والاجتماعية، فعدوها خطة ضمن خطط الدولة على غرار القضاء والحسبة.

ومعنى كونها خطة أن يكون لها أهلون ممن ينبرون لها، لا يُضامُون فيها.

ومع ثورة تكنولوجيا الاتصال أصبحت الدولة القطرية تفقد سلطتها على كثير من المجالات، ومنها المجال الدعوي والإفتائي، مما يجعل أمر ضبط الفتوى من الصعوبة بمكان، فالفتوى تعبر الحدود دونما استئذان، ويتلقاها المستفتي بسرعة قصوى في غفلة من المجتمع.

هذا إذا ما افترضنا جدية كل دولة على حدة في ضبط الفتوى، وتقنينها بما يفيد الصالح العام؛ لأن الرغبة الأكيدة هي المفتاح الأول لحل هذه المعضلة.

ومن مقدمات ذلك إيلاء جانب البلاغ الديني العناية المستحَقة، بإنشاء المراكز الكفيلة بتخريج فقهاء عصريين يتم اختبارهم في محَكَّاتٍ[29] مجتمعية تستحضر واقع الناس، وفق مؤشرات تقويمية. لأن من ترسيخ الفوضى الإفتائية إسنادها لغير أهلها أثنا محاولة ضبطها.

ولا بد أن ثمة عوائق أخرى عديدة تعترض السبيل وهي متفاوتة الظهور بحسب الزمان والمكان والأشخاص. ولعل أبرزها:

1ـ عدم الإيمان بوجود مختصين في الفتوى:

يعتقد البعض أن الفتوى عمل حر يؤديه من شاء من الأفراد الذين لهم بعض المؤهلات المطلوبة. تبرئة للذمة وقياما بالواجب، وإرشادا للمسلمين؛ لأن التبليغ مسؤولية الجميع.

وقد سبق الكلام عن التفريق بين التدريس والفتوى، فلو قبل مثل هذا في التعليم فإنه لا يقبل في الإفتاء. غير أنه ينبغي الاعتراف باختلاف العلماء في شروط المفتي، فإن البعض يتساهل في هذه الشروط.

وأيضا أثر عن بعض السلف عدم انتهائه عن الفتوى بمنع ولي الأمر له، من منطلق الوعيد المروي في كتم العلم. فقد روي عن أبي الدرداء أنه كان يقدم واجب التبليغ على واجب طاعة ولي الأمر بالمنع من الفتوى[30]. غير أن كل شخصية من هؤلاء السلف الذين أثر عنهم كثرة الفتاوى لها ما يبررها. كما أن عمل أبي الدراداء له وجهه، إذا علم أنه جاء هذا بعد اختلافه مع معاوية في تفسير قوله تعالى: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم)) [التوبة/34] فأدى هذا بأبي الدرداء إلى مغادرة المدينة[31].

إن الفتوى الدينية بتطلبها الاجتهاد لا شك أنها تفترق عن التعليم والتدريس، بحكم كونها إنشاء لحكم يقوم به المفتي، سواء فيما عرف فيه نص صريح، أو فيما يحتاج للاستنباط من المنقول؛ فتكون للمفتي مكانة الشارع للأحكام المنشئ لها، وهو ما لا يكون للمدرّس الملقن. قال الشاطبي: «المفتي شارع من وجه؛ لأن ما يبلغه من الشريعة؛ إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول يكون فيه مبلغًا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاءُ الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه شارع، […] بل القسم الذى هو فيه مبلغ لا بد من نظره فيه من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية، ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام، وكلا الأمرين راجع إليه فيها؛ فقد قام مقام الشارع أيضا في هذا المعنى»[32].

فقد ثبت إذن أن المفتي يحكم في أفعال المكلفين بحسب اجتهاده الذي بلَّغه إياه علمُه، وسائرُ الشروط المتقدمة. قال الشاطبي: «فالمفتي مخبِرٌ عن الله كالنبي، ومُوقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي»[33].

والسلف الكريم كانوا يستحضرون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيعملونها في واقعهم الذي لم يتغير كثيرا عما كان فيه زمن النبوة. وهم أدرى بالسابق منها واللاحق (الناسخ والمنسوخ) وبظروف الوقائع والنصوص (السياق) وأعلم الناس باللسان (قواعد اللغة) وخالطت قلوبهم الشريعة فعرفوا توجهها (مقاصد الشريعة).

فليس هذا إذاً عذرا لمن تشبث بهذا دليلا على فتح باب الفتوى للجميع دون تقييد.

2ـ ادعاء انتهاك حرية التعبير والرأي:

قد يكون شعار الحرية، والدفع بعدم امتلاك الحقيقة المطلقة من أكبر العراقيل في طريق ضبط الفتوى، خاصة وأن أهل زمننا لا يستسيغون حصر باب الكلام في قضايا عامة كالدين والسياسة والاقتصاد على أناس دون آخرين. فيريدون أن يكفل حق الفهم في الدين والسياسة والاقتصاد للجميع؛ فترى الناس يقبلون بعض الفهوم الغريبة لنصوص الدين، والتأويلات البعيدة عن مقصوده، ليس لشيء إلا لأنهم يؤمنون أن فهم الوحي ينبغي أن يحظى هو الآخر بنوع من الحرية في الاقتحام، فلا يبقى حكرا على التفاسير التراثية (وينعتها بالتقليدية) مناديا بفتح باب الاجتهاد في هذا.

إن المقام ليس مقام عرض هذه الآراء وسياقها، بله الرد عليها. لكن وجب التذكير أن معتمد من يرى في ضبط الفتوى انتهاكا لحرية التعبير هو ما سبق.

إن الفتوى الدينية لا تقتصر على الشخص المفتي، بكونها تعبيرا عن رأي يخالف به الجماعة؛ فهو حين يصدر فتواه تتعداه إلى حياة الناس الآخرين التعبدية، فلم يعد الأمر متعلقا بالحرية الشخصية في التعبير عن الآراء وتبنيها وشرحها، ولكن في إسقاطها على حياة الناس في معالجة نوازلهم.

وهذا شبيه بما صنع الإمام أبو حامد الغزالي حين صنف في ذلك كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام»[34]، فهو ينظر إلى أدلة علم الكلام كعلاج ودواء[35]، وقصد بذلك «أن يدل على وظيفته من جهة، ويضيق قاعدة نفعه من جهة أخرى، فالدواء لآحاد الناس وإذا استعمل مع غيرهم استضروا. فاستعمال الكلام مع الكافة كاستعمال الدواء مع الأصحاء، ينقلب تشويشا وفتنة، مثلما ينقلب الدواء داء»[36].

إن الإسلام كفل حرية التعبير، وحرية الاختلاف في الآراء لمن له حظ من العلم في ذلك الشأن. ولنا في تراثنا الإسلامي أروع مثال إذ يعج بالاختلافات التي لم تزعج أحدا ولم يرغب في بترها من الكتب إلا الجاهلون. إلا أن «هذا التباين والاختلاف في الرأي باعتباره وليد تلك الحرية الفكرية التي سمحت بها أصول الإسلام ذاته يجد ما يحد من مجاله، ويضيق من مساحته، في تلك الشروط التي وضعها الفقهاء أنفسهم للاعتراف بالرأي المخالف»[37]

فلذلك يُشترط مع هذه الحرية أن يكون عند المتحدث علم فيما يقتحمه. ودراية فيما يتعاطاه. فمن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.[38] قال ابن قدامة: « ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب فهو كالعامي […] فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما سواه»[39]

إن الإيمان بضرورة ضبط الفتوى، وخطورة التسيب فيها يجعل عدم الالتفات للحرية في هذا المجال أمرا سليما صحيحا. إعمالا للقاعدة العلمية والمنهجية التي تقدم بسطها، وكذا لقاعدة تقديم المصلحة العامة على الخاصة. لأن هذه الأخيرة مقيدة دوما بألا تضر بالآخرين. فقد ذكر الفقهاء من جملة فروع قاعدة «دفع الضرر الأعلى بالأدنى» الحجر على المتطبب الجاهل، والمفتي الماجن الذي لا يبالي ما صنع، ويعلم الناس الحيلة الباطلة […] فهذا ضرره متعد إلى العامة»[40]. كما أن الناس متفقين على منع التعسف في استعمال الحق.

3ـ الصدع بالحق:

تتكثل حشود الجماهير وراء من ترى فيه الصدع بقول الحق دونما خوف أو تستر، فتتعصب لآرائه، والتعصب دافع إلى التقليد، مانع من التفكر والنظر والاجتهاد؛ فلا تأخذ إلا فتواه، ولا تقتدي إلا برأيه. من منطلق الإعجاب بصنيعه.

ومعلوم أن الجماهير عاطفية جدا، كما يرى ذلك المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير» الذي يرسم فيه ملامح كائن خرافي حقيقي يتكون من آلاف الذوات المفردة (الجمهور) تنصهر في ذات واحدة، تتصرف بسلوك واحد، ودماغ فقير واحد بعاطفية شديدة جدا، ويرى أننا لا نستطيع السيطرة على الجمهور إلا عن طريق عاطفته وعاطفته المتطرفة فقط[41].

إن الإعجاب الذي تواجه به الجماهير بعض من ينادي بآراءَ لم يعلنها غيرهم يكون سريعا انطلاقا من خصائص الجماهير التي منها «سرعة التأثر بأي اقتراح»[42]، وهذا ينبئك بحجم ردود فعل أي فتوى أو رأي «يطلق في تجمع بشري معين، وهو ما يفسر لنا القدرة على التوجيه السريع لعواطف الجمهور باتجاه محدد»[43].

وقد تستغرب أحيانا أن تجد من بين المعتنقين لهذا (الإعجاب بفتاوى مخالفة) بعضا من المثقفين، مع أن وزنهم العلمي له قيمة في المجتمع، لكن ينصهرون مع الأغلبية في ترديد تلكم القولة. يقول كوستاف لوبون: «والقيمة العلمية للأفراد الذين يشكلون الجمهور لا تنقض هذا المبدأ، فهي غير ذات أهمية، ذلك أنه بمجرد أن يجتمع هؤلاء على هيئة جمهور فإن الجاهل والعالم يصبحان عاجزين عن الملاحظة والنظر»[44].

ومن ثم يصبح ضبط الفتوى يساوي وجود رأي موحد، قد يكون ضعيفا؛ في مقابل الصدع بالحق الذي ينبغي أن يعلو ولا يعلا عليه. مما يجعل مهمة ضبط الفتوى من الصعوبة بمكان.

ولعل أهم مساعد على هذا الأمر كله ما ارتسم في ذهن العامة من التنفير من علماء الدولة الرسميين بدعوى كونهم علماء السلطان، لا همَّ لهم إلا إرضاء هذا الأخير. وما وقع في التاريخ الإسلامي من وقائع أثبتت وقوف العلماء الربانيين أمام التيارات المختلفة، لا يهمهم إلا نصرة الحق ونصح الأمة.

وتجاوز هذا الوضع يحتاج إلى كثير من الحكمة واللين، للحيلولة دون اصطدام قد لا تحمد عقباه.

4ـ الاختلاف الفقهي:

إذا كان الاختلاف سنة كونية، وأمرا خِلقيا فطر الله عليه بني البشر، فإن اختلاف الآراء الفقهية وحرية تبني أي منها يجعل من ضبط الفتوى أمرا بالغ الصعوبة.

فالاختلاف بين علماء الأمة أمر مستساغ ولا يمكن إنكاره، كما لا يمكن التنقيص منهم عند ملاحظته. وهو دليل على سماحة الإسلام، واتساع ساحته لكل الآراء المستجمعة لشروط الاعتبار (وهي شروط علمية محضة)

وليس كل خلاف جاء معتبرا  إلا خلاف له حظ من النظر[45].

غير أن الاختلاف كما يكون لأسباب[46]، فإن تبني بعض الأقوال -ضمن دائرة المختلف دون بعض- يكون لدواعي وأسباب كذلك. ومن هنا يتحدث العلماء عن أسباب انتشار المذاهب الفقهية في بعض الأقطار، كأسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب[47]، وقيام أهله به دون سائر المذاهب[48].

ومثل هذا أيضا الأخذ ببعض الأقوال والآراء دال المذهب الواحد في بلد ما، مثال ذلك ما اشتهر من مخالفة علماء الأندلس للمذهب المالكي، مع شدة حرصهم على اتباعه والدفاع عنه، في مسائل ذكرها ابن غازي نظما فقال:

قد خولف المذهب في الأندلس … في ستة منهن سهم الفرس

وغرس الأشجار لدى المساجد … والحكم باليمين قُل والشاهد

وخلطة والأرض بالجزء تلي …  ورفع تكبير الأذان الأول[49]

ومثاله أيضا ما درج عليه العمل عند المغاربة المتأخرين من اتباع العمل المستقر، عند القضاة والفقهاء.[50]

ومعلوم أن أسباب الأخذ بمذهب ما، وبأقوال ما إنما تكون باعتبار الظروف والأحوال، ومراعاة لأحوال الناس، وهي مشتركة بين أهل البلد أجمعين، لا يختص منهم أحد غالبا بشيء عن الآخرين.

وإذا علم هذا واعتبر مقصد الوحدة في الشعائر الدينية، وما يتصل بمعاملات الناس بعضهم البعض فتوحيد المذهب والمنبع في استنباط الأحكام الفقهية، وضبط الفتوى به، يصير أقرب إلى الأذهان والقلوب. وإلا صار الأمر إلى خلافات قد تؤول إلى جدال، خاصة وأن أهل زمننا ممن يحبون الخوض في كل شيء. عدد المحارب بعدد المذاهب[51].

ولئن قال مالك بن أنس لهارون الرشيد عندما عزم على تعليق الموطأ في الكعبة وحمل الناس على ما فيه: «…إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الآفاق وكل عند نفسه مصيب»[52]، فلإيمانه بضرورة الحفاظ على اجتهادات العلماء التي سبقت إلى الناس مما يصح ويقبل فيه الاختلاف، لأن إدخال غير تلك الآراء إلى بلدانهم يخلق تشويشا لديهم. فلذلك رأى أن يترك «الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم»[53] إيمانا بضرورة الإبقاء على ما ألف أهل كل بلد من استنباطات وفقه انتشر بينهم، فلو أزيل ليغرس غيره، قد تنفر الطباع من هذا الجديد، ووقع الناس في حرج شديد.

ولربما تكون الوصفة السحرية لهذا المجال، الإلزام بحدود معينة لفجوة الاختلاف، إذا لم يتيسر الإلزام بمدرسة فقهية ومرجعية موحدة.

5ـ حدود الرأي المختلف:

يعد الاختلاف الفقهي أحد أهم سمات المدارس الفقهية سواء بين المذاهب المختلفة، أو داخل مذهب معين.

واعتناق الأقوال في ظل هذه المنظومة، والإفتاء بها قد يؤدي إلى الإفتاء بقول شاذ أو مخالف للمشهور، فلذلك وجب الالتزام بمنهج موحد في الإفتاء.

وقد كان علماؤنا يحذرون من العدول عن الرأي المشهور، ويرون الإفتاء بالشاذ تجنيا على الفقه الإسلامي ومذاهبه. قال الفقيه المفتي المهدي الوزاني رحمه الله: «…الفتوى والحكم لا يكونان بغير المشهور»[54]. وقال في موضع آخر: «ومن حق كل مفت أن يعتمد في فتواه المشهور مقتصرا عليه، أو ينقل الأقوال كما هي للمستفتي ويبينها له، وأما السكوت بالكلية عن المشهور فخيانة في الدين، وجناية وتلبيس على المستفتي وحكام المسلمين»[55].

وهكذا يتبين كون الاختيار بين الأقوال دون منهج العلماء قد يؤدي إلى مخالفات.

خاتمة:

إن ما سبق يُظهر بجلاء مكانة الفتوى السامقة ضمن الخطط الدينية عند المسلمين التي لا يضطلع بها إلا من استكمل الشروط العلمية والشخصية والسلوكية، وأضاف إلى كل ذلك الانسجام مع واقع الناس، رغبة في تحقيق مقاصد الفتوى الأصلية ببيان الحكم الشرعي المنزل على المسألة.

وحال الفتوى في الزمن المعاصر يجعل من ضبطها، من ضروريات الحياة الدينية، من خلال فقه المراجعات الذي ينتظر منه القيام بنقد منجز الفتوى ببيان ما فيها من اختلال أو اضطراب أو فساد…

وإذا استحضرنا فهم الناس للحرية والدين، نسلم أن ضبط الفتوى ليس بالأمر الهين إذ لا بد أن يواجه بردود من أهمها ادعاء تكميم الأفواه وانتهاك حرية الرأي والاختلاف.

فيلزم بعد الإيمان بضرورة ضبط الفتوى التصدي لهذه الادعاءات ببيان الغرض الأصلي من هذا الضبط، وابتعاده عما يخل فعلا بحرية الرأي.

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


قائمة المصادر المعتمدة:

– ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين. أدب المفتي والمستفتي. تحقيق: مصطفى محمود الأزهري، دار ابن القيم الرياض السعودية، دار ابن عفان، القاهرة مصر، ط 2 ، 1433هـ/2012م.

– ابن جبير، أبو الحسن محمد الكناني، الرحلة، دار صادر، بيروت لبنان.

– ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار المعرفة، بيروت 1379ه.

– ابن رشيق، الأزدي. العمدة في محاسن الشعر وآدابه. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. ط.5 دار الجيل.

– ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي. روضة الناظر وجنة المناظر. تحقيق: د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد ط.2 جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض، 1399هـ

– ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد (ت751هـ). إعلام الموقعين عن رب العالمين. اعتنى به أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط.1 دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1423هـ.

– الإثيوبي الوَلَّوِي، محمد. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى. ط.1 دار المعراج الدولية للنشر – دار آل بروم للنشر والتوزيع 1419هـ/2000م.

– الإستانبولي الخلوتي، إسماعيل حقي، تفسير روح البيان. دار إحياء التراث العربى.

– الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله (ت 430هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. مطبعة السعادة مصر، 1394هـ/ 1974م.

الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف.

– فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام. تحقيق: الدكتور محمد أبو الأجفان ط.1 دار ابن حزم، مكتبة التوبة 1422هـ/2002م.

– المنتقى شرح الموطأ، ط. 1 دار السعادة مصر 1332هـ.

– بن الشلي، أبو أمامة نوار. العقل الفقهي معالم وضوابط. ط. 1 دار السلام، مصر 1429هـ/2008م.

– بن بيه، عبد الله ولد الشيخ المحفوظ. تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع. ط.1 مركز نماء للبحوث والدراسات. 2014م.

– الجابري، عبد اللطيف. إدماج وتقييم الكفايات الأساسية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ‌2009م.

– جاسم بن محمد، بن مهلهل الياسين. فقه المراجعات بين السلف المجددين والدعاة المعاصرين. ط.1 شركة السماحة للنشر والتوزيع. الكويت. 1424هـ/2013م.

– الجبير، هاني بن عبد الله. مقدمة في ظاهرة الاختلاف بين العلماء وكيفية التعامل معه. مركز البيان للبحوث والدراسات، الرياض، 1436هـ.

– الجيدي، عمر. العرف والعمل في المذهب المالكي. طبع اللجنة المشتركة لنشر وإحياء التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة 1404هـ/1982م.

– الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي(392-463هـ). الفقيه والمتفقه. تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي بالسعودية، سنة 1417هـ.

– الراغب، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف الأصفهاني (ت502هـ). _المفردات في غريب القرآن. تحقيق: صفوان عدنان الداودي، ط.1 دار القلم، الدار الشامية، دمشق بيروت،1412ه.

– الراغب، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف الأصفهاني التفسير. تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني. ط.1 كلية الآداب – جامعة طنطا 1420هـ/1999م.

– الرحبيّ، علي بن محمد (ابن السِّمناني) (ت499هـ). روضة القضاة وطريق النجاة. تحقيق: د. صلاح الدين الناهي، ط.2 مؤسسة الرسالة، بيروت – دار الفرقان، عمان، 1404 هـ- 1984م.

– الريسوني، أحمد. الاجتهاد، النص، الواقع، المصلحة. من سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، دمشق 2002م.

– السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. فتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير. ط.1 دار الفكر – بيروت، لبنان، 1423هـ/2003م.

– الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي (ت 790هـ). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط.1 دار ابن عفان، 1417هـ/1997م.

– الشعبي، القاضي أبي المطرف عبد الرحمن بن قاسم المالقي (ت497هـ) الأحكام. تحقيق: د. الصادق الحلوي، ط.2 دار الغرب الإسلامي 2011م.

– العلمي حمدان، أحمد. الكلام كجنس. ط.1 دار ما بعد الحداثة، فاس 2007م.

– العمادي، حامد بن علي. صلاح العالم بفتيا العالم. تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد، ط.1 دار عمّار، عمان 1408هـ/1998م.

– العينى، أبو محمد محمود بدر الدين (ت 855هـ). عمدة القاري شرح صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي، بيروت (د.ت).

– الغزالي، أبو حامد. إلجام العوام عن علم الكلام. ضمن مجموعة رسائل الإمام، راجعها وحققها إبراهيم أمين محمد، المكتبة التوقيفية. (د.ت).

– القحطاني، مسفر بن علي. الوعي المقاصدي قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة. ط.2 الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت لبنان 2013م.

– لوبون، كوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة وتقديم هاشم صالح، ط.1 دار الساقي، بيروت لبنان 1999م.

– الوزاني، أبو عيسي المهدي. النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى [المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب]. طبعة وزارة الأوقاف المغرب 1420هـ/1999م.

– ولي الله الدهلوي، أحمد شاه. حجة الله البالغة. تحقيق سيد سابق، دار الكتب الحديثة – مكتبة المثنى، القاهرة – بغداد.


[1] الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، (392-463هـ) الفقيه والمتفقه، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي بالسعودية، سنة 1417هـ، 2/34، وابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن، تعظيم الفتيا، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، مكتبة التوحيد، المنامة البحرين ط.1. 1432هـ/2002م ص. 70

[2] هذا إن كانت في جزئية خاصة بالمكلف؛ أما إن لامست حياة المسلمين العامة فهي أكثر امتدادا.

[3] راجع في ذلك على الخصوص: بن بيه، عبد الله بن الشيخ المحفوظ. تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع. ط.1 مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، 2014م، ص 2223.

[4] الفقيه والمتفقه. م س 2/3131، وتعظيم الفتيا، م س ص. 123ـ124. وروي عنه «أنه ما أفتى حتى شهد…».

[5] قد يراد بأولي الأمر العلماء كما في النص المتقدم. أو الحكام. قال الشيخ علي بن المرحِّل المالكي: «يجب على ولي الأمر النظر في مصالح العباد، وتقديم العلماء الأعلام في الفتاوى والأحكام، ويمنع من تطاول إلى المناصب العلية بأمور الدين من الجهلة بالأحكام الشرعية». العمادي، حامد بن علي (ت1171هـ)، صلاح العالم بإفتاء العالم، علي حسن علي عبد الحميد، دار عمار، عمان، ط.1 1408ه/1988م ص.29. ونقل المهدي الوزاني من تقاييد العلامة سيدي محمد بن عبد السلام بن حمدون بناني: «…للخليفة تصفح أهل العلم والتدريس، ورد الفتيا لمن هو أهل لها وإعانته على ذلك، ومنع من ليس أهلا فيضل الناس». الوززاني، محمد المهدي بن أبي عيسى، النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى [المعيار الجديد] طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية 1417هـ/1996م. 12/98. وكان بنو أمية ينادون في الموسم: «لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح لأنه كان القدوة في زمانه». الرحبيّ، علي بن محمد (ابن السِّمناني) (ت499 هـ). روضة القضاة وطريق النجاة، تحقيق: د. صلاح الدين الناهي، ط.2 مؤسسة الرسالة، بيروت – دار الفرقان، عمان، 1404 هـ- 1984م (1/57).

[6] الراغب الأصفهانى، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 502هـ). المفردات في غريب القرآن. تحقيق: صفوان عدنان الداودي، ط.1 دار القلم، الدار الشامية، دمشق / بيروت،1412ه، ص 642.

[7] الفقيه والمتفقه، م س، 2/35.

[8] نفسه

[9] م ن، 2/331.

[10] العمادي، حامد بن علي. صلاح العالم بفتيا العالم. تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد، ط.1 دار عمّار، عمان 1408هـ/1998م. ص 33.

[11] لأن الإخبار بحكم الشرع من دون سؤال هو مجرد إرشاد وتعليم، والإخبار به مع السؤال في غير أمر نازل هو تعليم لا إفتاء. انظر: الأشقر، محمد سليمان عبد الله، الفتيا ومناهج الإفتاء، مكتبة المنار، الكويت، 1396هـ/1976م، ص 9.

[12] ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت751هـ). إعلام الموقعين عن رب العالمين. اعتنى به أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط.1 دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1423ه، 6/124.

نقل هذا النص كثير من العلماء مثل: ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين. أدب المفتي والمستفتي. تحقيق: د. مصطفى محمود الأزهري، ط.2 دار ابن القيم الرياض السعودية، دار ابن عفان، القاهرة مصر، 1433هـ/2012م (ص.197)، والشاطبي، إبراهيم بن موسى الغرناطي (ت 790هـ). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط.1 دار ابن عفان، 1417هـ/1997م.5/90، وغيرهما. والكتاب الذي ذكر فيه الباجي هذا هو «التبيين لسنن المسترشدين». وقد حكم غير واحد بفقدانه، آخرهم محمد أبو الأجفان في تحقيقه لكتاب «فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام» للباجي، دار ابن حزم، مكتبة التوبة، ط1، 1422هـ/2002، ص 66. وذكر أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان في تحقيقه لكتاب تعظيم الفتيا أن الكتاب يشتغل على تحقيقه الآن – علما أن تعظيم الفتيا طبع سنة 1423هـ/2002م- إبراهيم باجس، اعتمادا على نسختين يتمم كل منهما الآخر. تعظيم الفتيا ص 115.

[13] أدب المفتي والمستفتي. م س ص.196ـ197

[14] الموافقات م س. 5/93 . نقل هذا عن الباجي في «التبيين لسنن المسترشدين».

[15] الوزاني، أبو عيسى المهدي. النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى [المعيار الجديد] طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1417هـ/1996م. 9/396.

[16] م ن، 9/174.

[17] القحطاني، مسفر بن علي، الوعي المقاصدي قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة. ط.2 الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان 2013م. ص. 62

[18] الموافقات، م س، 2/289.

[19] انظر: الوعي المقاصدي، م س، ص 62.

[20] الباجي، أبو الوليد. المنتقى شرح الموطأ، ط. 1 دار السعادة مصر 1332هـ. 6/192.

[21] الخلوتي، إسماعيل حقي الإستانبولي (ت 1127هـ). تفسير روح البيان، دار إحياء التراث العربى. 3/417.

[22] ومن هنا صارت المبادئ التي آمنت بها بعض الجماعات الإسلامية مثلاـ ثم طرحتها وانتقدت نفسها فيها بمعية غيرها، تعرف بالمراجعات، حتى إذا ما أطلق اصطلاح المراجعات فإنما ينصرف إلى هذا. مع أن أصل استعمالها هو ما ذُكِر.

[23] اسمه الكامل: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي المتوفى سنة 914هـ، خرجه جماعة من الفقهاء، بإشراف الدكتور محمد حجي، ونشرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للملكة المغربية.

[24]_ ينظر: تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع، م س ص.24 فما بعد.

[25]_ ينظر: جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين: فقه المراجعات بين السلف المجددين والدعاة المعاصرين. ط.1 شركة السماحة للنشر والتوزيع. الكويت. ص.31

[26] البيت لجرير يذم بني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه. انظر: ابن رشيق الأزدي. العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الجيل ط.5 ، 2/168

[27] وحسب الباحث النظر في أنواع المجتهدين عند علماء أصول الفقه ليقف على مجتهد المذهب، ومجتهد الفتوى، والمجتهد المطلق وما يشترط في كل منها. ومعلوم أن المقصود من ذلك قطع الطريق عن الآراء الشاذة والغريبة، سواء كان مصدرها عدم تفقه المفتي أو أخذه بأقوال مرجوحة في الفقه.

[28] الراغب الأصفهانى، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ)، تفسير الراغب، تحقيق ودراسة: محمد عبد العزيز بسيوني. ط.1 كلية الآداب – جامعة طنطا 1420هـ/1999م. 1/456

[29] يقصد بالمحكات ما يختبر به الطالب ليعلم مؤشره في المعرفة والعلم وحصول الكفاية المطلوبة في المجال. [انظر: الجابري، عبد اللطيف. إدماج وتقييم الكفايات الأساسية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء ‌2009م] ص. 158

[30] انظر: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار المعرفة – بيروت 1379هـ. 1/161.

[31] روي في اعتزال أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «عُوَيْمِرٌ حكِيمُ أُمَّتِي وَجُنْدُبٌ [اسم أبي الدرداء] طَرِيدُ أُمَّتِي يَعِيشُ وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَالله يَبْعَثُهُ وَحْدَهُ» [السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. فتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، تحقيق: يوسف النبهاني، ط.1 دار الفكر – بيروت لبنان 1423هـ – 2003م 2/234]، إلا أن أهل العلم قالوا إن إسناده ضعيف بسبب «بريدة بن سفيان»، قال فيه البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث . وقال الدارقطني: متروك. انظر: ابن حجر العسقلاني. تهذيب التهذيب، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض. دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1/407

[32] الموافقات م س 5/255

[33] م ن 5/256-257

[34] طبع مرات عديدة من بينها ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي، راجعها وحققها إبراهيم أمين محمد، المكتبة التوقيفية.

[35] انظر إلجام العوام عن علم الكلام ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي ص. 335

[36] العلمي حمدان، د. أحمد. الكلام كجنس، ط.1 دار ما بعد الحداثة، فاس 2007م. ص. 77

[37] نوار بن الشلي، د. أبو أمامة. العقل الفقهي معالم وضوابط، دار السلام، مصر ط. 1 ، 1429هـ/2008م ص. 62.

[38] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري، م س 3/584

[39] ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي. روضة الناظر وجنة المناظر. تحقيق : د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد ط.2 جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض، 1399هـ ص.136

[40] الكفاية شرح الهداية شرح بداية المبتدي 8/195، نقلا عن: لجبير، هاني بن عبد الله. مقدمة في ظاهرة الاختلاف بين العلماء وكيفية التعامل معه. مركز البيان للبحوث والدراسات، الرياض،1436هـ، ص. 104.

[41] لوبون،كوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة وتقديم هاشم صالح، ط.1 دار الساقي، بيروت لبنان 199م. ص.65

[42] سيكولوجية الجماهير ص. 66

[43] نفسه

[44] م ن، ص 68.

[45] البيت مشتهر بين طلبة العلم، ممن ذكره محمد الإثيوبي الوَلَّوِي في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، دار المعراج الدولية للنشر – دار آل بروم للنشر والتوزيع ط.1 ، 1419هـ/2000م. 12/81.

[46] من المصنفات في أسباب الاختلاف:

ـ الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، لعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، طبع مرارا من طبعاته: بتحقيق د. محمد رضوان الداية، ط.2 دار الفكر – بيروت 1403هـ.

ـ رفع الملام عن الأئمة الأعلام شيخ الإسلام ابن تيمية طبع مرات عديدة.

ـ الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ولي الله الدهلوي، محمد صبحي حلاق ابن حزم 1420هـ

ـ أسباب اختلاف الفقهاء سالم الثقفي، مطبعة البيان 1416هـ

أسباب اختلاف الفقهاء عبد الله بن عبد المحسن التركي، مطبعة السعادة 1394هـ

أسباب اختلاف الفقهاء علي الخفيف، دار الفكر العربي 1416هـ

[47]  كتب عدد من العلماء المعاصرين في موضوع اختيار المغاربة للمذهب المالكي، وحاولوا إرجاع ذلك لأسباب معينة: منهم الدكتور محمد الروكي في كتابه: المغرب مالكي لماذا؟ من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، سنة 1224هـ/2003م. والدكتور محمد التاويل في مجموعة من الدروس والمحاضرات، منها: أسباب انتشار المذهب المالكي واستمراره بالمغرب.  دعوة الحق، العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982م. والدكتور عمر الجيدي في كتابه محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي طبع بمنشورات عكاض.

[48] قال الشاطبي: «… لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك فى هذه الأمصار مجهولة». الموافقات م س 5/102-103]

[49] النوازل الجديدة الكبرى م س. 2/5، وانظر: الشعبي، أبي المطرف عبد الرحمن بن قاسم المالقي (ت497هـ). الأحكام، تحقيق: د. الصادق الحلوي ط.2 دار الغرب الإسلامي 2011م. ص. 114ـ115

[50] انظر في تعريف العمل وأدلته وشروطه، وتطبيقاته: الجيدي، عمر. العرف والعمل في المذهب المالكي. طبع اللجنة المشتركة لنشر وإحياء التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة 1404هـ/1982.

[51] تكلّم الرحّالة ابن جبير في رحلته سنة 578 هـ عند مروره بمكة عن وجود أئمة خمسة، قائلا: « وللحرم أربعة أثمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية» وصل في طريقة صلاتهم. رحلة ابن جبير، دار صادر بيروت لبنان، ص. 78.

[52] الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله (ت 430هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، مطبعة السعادة مصر، 1394هـ/ 1974م. 6/332

[53] الدهلوي، أحمد المعروف بشاه ولي الله. حجة الله البالغة، تحقيق سيد سابق، دار الكتب الحديثة – مكتبة المثنى، القاهرة – بغداد. 1/307

[54]النوازل الجديدة الكبرى م س. 4/64

[55] نفسه

المزيد من المشاركات
1 من 108
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.