منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القواعد المبنية على المصالح

الدكتور عبد الصمد الرضى

0

توطئة في مفهوم المصلحة

يتضمن لفظ “المصلحة” من الناحية اللغوية معنيين متقاربين أحدهما:

المنفعة نفسها، والآخر: الفعل الذي فيه صلاح، كقولنا: التجارة مصلحة، وطلب العلم مصلحة، والصدق مصلحة، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب وهي في الحقيقة أسباب للمصلحة لا نفسها.[1] أما في الاصطلاح فقد تحدث عنه العلماء في موضعين:

– أحدهما: عند تعريف المناسب بأنه الوصف الذي يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة، فذكروا أن المراد بها هو اللذة أو ما كان وسيلة لها، وجعلوا دفع المفسدة من المصلحة.

– ثانيهما: عند الحديث عن المصلحة بوصفها دليلا شرعيا. وقد أفردوا المصلحة بشكل عام بتعريفات عدة من أهمها:

  • الأول:

“هي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد للخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، ومقصود الشرع من الخلق خمسة؛ وهو أن يحفظ عليهم دينهم و نفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل أو المناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس.”[2]

فالمصلحة ليست أصلا مستقلا عن أصول التشريع، ولكنها ترجع إلى المحافظة على مقاصد الشرع. ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع[3]، فهي طريق من طرق الاستدلال بالنصوص الشرعية وليست دليلا زائدا عليها ولا خارجا عنها.

ثم إن المصلحة ينبغي أن تلائم تصرفات الشارع، حتى تتحقق لها الحجية، ويُعرَف ذلك من تتبعها واستقرائها، فيكشف المجتهد مدى قوتها، وشمولها ودرجة تحققها والمقارنة بين درجاتها من حيث العموم والخصوص، والشمول وعدمه، وما يقترن بها من مفاسد.

  • الثاني:

يرى الطوفي أنها “هي السبب المؤدي للصلاح والنفع كالتجارة المؤدية للربح. وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة، ثم تنقسم إلى ما يقصده الشارع لحقه كالعبادات وإلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام أحوالهم كالعادات.”[4] فالمصلحة عند الطوفي هي السبب المؤدي إلى الصلاح، بخلاف الغزالي الذي جعلها هي مطلق المنفعة ومنها السبب المؤدي لها. ويرى الطوفي أن المصلحة دليل مستقل له ضابط واحد هو رجوعها إلى المقاصد الشرعية، في حين قسمها الغزالي تقسيمات عدة، فهو يرى أنها تنقسم بحسب اعتبار الشارع لها إلى: “الملغاة والمعتبرة والمرسلة، وهذه الأخيرة قسمان: ملائمة وغريبة، أما الملغاة والغريبة فليست بحجة قطعا، وأما المعتبرة فهي الداخلة في باب القياس الذي يشهد له الأصل المعين، وأما الملائمة فهي التي يؤخذ بها دون شهادة الأصل المعين لنوعها، ما دامت النصوص قد شهدت لها بالملائمة لجنس تصرفات الشارع.[5]

  • الثالث:

عرفها الخوارزمي بـ “المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق”[6]. وهو بذلك قد حصر مقاصد الشرع في دفع المفاسد عن الخلق، في حين ذهب الغزالي والطوفي إلى أن مقصود الشارع جلب المصالح ودفع المفاسد.

  • الرابع:

يرى البوطي أنها: “المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم و أموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها، والمنفعة هي اللذة أو ما كان وسيلة لها، ودفع الألم أو ما كان وسيلة إليه”[7]. و قد ادعى الأستاذ محمد خروبات أن تعريف البوطي لا يختلف عما جاء به الطوفي، قال بعد أن أورد تعريف البوطي: “هانحن نلاحظ أن هذا التعريف ما هو إلا تعريف الطوفي لها”[8].

والحق أن البوطي قد جعل المصلحة هي المنفعة ذاتها، ووضع لها ضوابط متعددة كعدم مخالفتها لنص الكتاب أو السنة، أو القياس أو لمصلحة أهم منها. كما أنه زاد مسألة ترتيب المصلحة حسب أولوياتها، خلافا للطوفي الذي يحصرها في السبب المؤدي إلى مقصود الشارع، ولم يجعل لها إلا ضابطا واحدا، وهو المحافظة على مقصود الشارع.

إن الأخذ بالمصالح مما يلزم اعتباره في كل اجتهاد ذي بال، خاصة إذا تعلق الأمر بالقضايا الكلية أو الأغلبية الضابطة للوسع المبذول من قبل فرد أو جماعة، توفرت فيهم الأهلية، لاستنباط وتنزيل الأحكام التي تدبر بها شئون الأمة الإسلامية في حكومتها وتشريعها وقضائها، وفي سلطاتها التنفيذية والإدارية، وفي علاقتها الخارجية التي تربطها بغيرها من الأمم، أي في السياسة الشرعية.

ويمكن تقسيم هذه القواعد إلى ثلاث مجموعات:

  • قواعد العلاقة بين قصد الشارع وإقامة المصالح
  • القواعد المحددة لضوابط المصلحة
  • القواعد المبينة لأقسام المصالح

قواعد العلاقة بين قصد الشارع وإقامة المصالح

  • القاعدة الأولى: وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا.

أحكام الشريعة إنما جاءت قاصدة إلى تحقيق مصالح المكلفين في الدنيا والآخرة، تفضلا من الله تعالى، وتكرما على عباده، وتنزها منه سبحانه عن السُّدى والعبث. تظاهرت في ذلك نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وصرح به علماء هذه الأمة، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك.

      • الأدلة من القرآن الكريم:

قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)[9]، ووجه دلالاتها الأمر بكل مصلحة وخير للعباد في الدنيا والأخرى، والنهي عن كل مفسدة وشر، قال ابن مسعود: “هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب.”[10]

ومنه الآيات التي تصف الشريعة بكونها رحمة، أي مصلحة كقوله تعالى.(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) [11]، إذ أن من أهم مقاصد إرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كونه رحمة لجميع الناس، ولا تكون رحمةٌ إلا بمراعاة مصالحهم الدنيوية والأخروية. ومنه قوله تعالى:(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ)[12].

      • الأدلة من السنة النبوية الشريفة:

قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار، ومن ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه”[13]، ومنه أخذت القاعدة المشهورة: “الضرر يزال”. وهذا الحديث رغم كونه ظني الدلالة، إلا أنه مندرج تحت أصل قطعي، كما نبه على ذلك الشاطبي[14]، لأن النهي عن الضرر، أي إلحاق الضرر بالغير، وعن الضرار، أي المجازاة عن الضرر بإدخال الضرر عليه، مبثوث في جزئيات الشريعة وكلياتها.[15]

      • الدليل من الإجماع:

صرح به الآمدي فقال: “وأما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعون على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة مقصودة، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كما قال أصحابنا.”[16] وذكر العز بن عبد السلام: “أن التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم.[17] و عموما، فإن أوامر الشارع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة، ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة.[18]

مما سبق يتبين أن الشريعة محققة لمصالح العباد في الدنيا والأخرى. والمنهج الذي يرسم طريق الرشاد لكل اجتهاد في السياسة الشرعية، هو أن تطبيق شرع الله كاملا مطلبٌ لا ينبغي الحياد عنه. وإلا أهملنا خاصية من أهم خصائص شريعة الإسلام وبرنامجها في الحكم والسياسة، ولقد أحسن ابن القيم رحمه الله التعبير عن هذا المعنى حين قال: “إن الشريعة مبناها وأساسُها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه.”[19]

  • القاعدة الثانية:المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا.[20]

الغاية الأولى والمقصد الأساس من سن الشريعة الإسلامية هي جعل الإنسان عبدا لله تعالى باختياره ورغبته، وسعيه وعمله، كما تتحقق فيه صفة العبودية له سبحانه على الرغم منه، لأنه لا يخرج عن كونه من مخلوقاته تعالى التي تتجلى فيها صفات الربوبية الواجبة له سبحانه.

علة العِلَلِ في الشريعة وأم المصالح وعاقبة الاجتهاد في حياة الآخرة هي إخراج العباد من داعية الهوى ليكونوا عباداً لله، أحرارا بهذه العبودية من كل قيد، قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) [21]، وهموم الدنيا اليومية من كسب واسترزاق، وسعي على العيال لا يجدي فيه مجرد التزاهد الشكلي، إنما الضرورة تقتضي السعي الدؤوب لتحقيق الحد الأدنى من الأمن والعافية والقوت ليصفُوَ قلبه، وليكون هم التحقق بمراتب العبودية لله تعالى متاحا، ولقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حدود ضرورات المعاش حين قال: “من أصبح منكم آمنا في سِرْبه، مُعافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”[22]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقرَه بينَ عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له.”[23] لابد إذن من توفير النصيب الكريم العفيف من الدنيا، ليفسح مجال الاهتمام بالمآل الأخروي والحياة في الدنيا بمعاني العبودية لله.

هذه القاعدة تبين أولى الأولويات من تشريع الشرائع الإسلامية، وترسم منهجا للاجتهاد في السياسة الشرعية، فكل التدابير المتخذة في شأن تنظيم شؤون المسلمين والناس أجمعين ينبغي أن تضع في حسبانها، وفي كل تفاصيلها أن غاية السير هو نيل رضى الله تعالى، والفوز بالنظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة، وأن سبيل الوصول إلى هذه الغاية في الدنيا هو السعي إلى التحقق بمقامات الإحسان؛ أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه كما جاء في حديث جبريل عليه السلام. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، فقال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.”[24]

ولقد كانت وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الأساسية في بناء الأمة الإسلامية أن عمد إلى الصحابة رضي الله عنهم يعلمهم دينهم، ويزكيهم ويندبهم إلى المسارعة في ذلك، يقول جل شأنه: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [25]. كما يحفزهم على المسابقة:(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم) [26]، لأنه حينما تتمكن التزكية من النفوس، وتترسخ معاني العبودية الاختيارية لله تعالى، بما هي غاية الحب له وغاية الخضوع لجنابه، فإن في ذلك ضمانا لنجاة المجتمع من كثير من الفتن والشرور.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن المهمة الدعوية المنوطة بالأمة الإسلامية أن تسعى لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فما نحققه من خير ومصلحة في تدبير المعاش في إطار الشريعة ومصلحتها دعوة في حد ذاته وتأليف. ووسيلة أخرى من وسائل الدنيا نستعملها للدلالة على سعادة الآخرة ومصلحتها وطريقها، لإخراج المكلفين من دواعي الهوى ليكونوا عبادا لله اختيارا كما هم له عباد اضطرارا. فخيار الناس المسلمون، وخيار المسلمين المؤمنون، وخيار المومنين المحسنون، ومن الناس منافقون وأعراب وكفار، ومقصد الشرع الارتقاء بكلٍّ مما هو فيه إلى درجة أعلى.

  • القاعدة الثالثة:المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة عنها.[27]

درجة الطاعات مرتبطة بما يترتب عليها من مصالح، فكلما عظمت المصلحة، زاد الأجر والثواب في الآخرة، وكلما قويت المفسدة زاد الوزر على فاعلها، ذلك أن المصالح تنقسم إلى الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، كما أن المفاسد فيها القبيح والأقبح والسيء والأسوأ، يعلو الثواب أو العقاب بحسب كل ذلك، على مراتب المصالح تترتب الفضائل في الدنيا والأجور في العقبى، وعلى رتب المفاسد تترتب الصغائر والكبائر وعقوبات الدنيا والآخرة.

وتقدير عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة عن عمل معين اجتهاد، يشارك فيه أهل الخبرة والاختصاص، وهو مجال خصب في السياسة الشرعية، فتنظيم أشكال اختيار الحكام والولاة، وقواعد العلاقة بين مكونات الأمة، وتنظيم الاختلاف، واتخاذ التدابير اللازمة لوقاية الناس من الأمراض الفتاكة والأوبئة الخطيرة من المصالح العظيمة، بعظمها يعظم الأجر والثواب، وبإهمالها يعظم العقاب.

فليس جرم التنازل للعدو عن بعض أرض المسلمين ومالهم وعرضهم كجرم نقص بعض حقوقهم، وهم على مأمن في أرضهم وعرضهم، ومن الاجتهادات في الباب أن بعض العلماء حرم بيع ما يكون سبب قوة لمحاربي المسلمين، حتى منعوا بيع الشمع لهم لأنهم ينتفعون به في التنقل من أجل محاربة المسلمين.

  • القاعدة الرابعة: لا يُعْلَم الفرق بين ما هو أمر وجوب أو أمر ندب، وما هو نهي تحريم أو نهي كراهة من النصوص، إنما يحصل باتباع المعاني والنظر في المصالح على أي مرتبة تقع.[28]

معيار التمييز بين درجات الأحكام، سواء من جهة الأمر أو من جهة النهي هو مقدار ما تحققه من مصالح أو تدفعه من مفاسد، يزداد الأمر تأكيدا من قبل الشارع بحسب المصالح المتحققة، فقد يكون الشيء مباحا تنقله المصلحة إلى درجة الندب أو الوجوب، وقد يكون النهي شديدا فترجعه قوة درئه للمفسدة إلى دائرة المكروه، أو المباح.

وهذا لا يرفع عن طلب فعل الشيء أو الكف عنه من جهة اللفظ صفة التساوي، قال العز بن عبد السلام: “طلب الشرع تحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة. كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد.”[29]

فالمصلحة الناجمة عن الأمر بالعدل و الشورى في نظام الحكم أقوى بلا شك من المصلحة الناجمة عن حكم القاضي بالعدل بين متخاصمين، أو حكم الوالد بين ولدين، وكذا المفسدة الناجمة عن ضد ذلك من الظلم والعدوان، مع أن الأمر بالعدل من جهة اللغة واحد كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ)[30]، وقوله سبحانه وتعالى:(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)[31].

إن إدراك المجتهد لهذه القاعدة يجعل اجتهاداته متسمة بقدر كبير من المرونة وسلامة القصد في تحقيق الهدف بحسب حجم وعموم المصالح الناجمة عن الأوامر الشرعية، وخطر المفاسد المنبثقة عما نهى عنه الشرع. فمنهم من جوز إمامة من لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد خشية الفتنة، مع إبقاء أصل استحقاق المجتهد الإمامة.

نقل الإمام الشاطبي في الاعتصام[32] رأي الغزالي، قال: “إن الغزالي قال في بيعة المفضول مع وجود الأفضل: إن رددنا في مبدإ التولية بين مجتهد في علوم الشرائع وبين متقاصر عنها، فيتعين تقديم المجتهد لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزية على اتباع علم غيره. فالتقليد والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها.

  • القاعدة الخامسة: إذا كانت المصلحة هي الغالبة عند تناظرها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. وكذلك إذا غَلبت المفسدة فرفعها هو المقصود الشرعي، ولأجل ذلك وقع النهي المفسدة.[33]

هذا مبني على عدم تمحُّض المصالح في المطلوبات الشرعية من المكلفين، ذلك: “أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب لا تحصل إلا بنصَب مقترن بها أو سابق أو لاحق”[34]، والمقصود الشرعي بحسب الغالب في الأشياء، فإذا كانت المصلحة هي الغالبة، فجلبها هو المطلوب، وإن كانت المفسدة هي الراجحة فدفعها هو المراد الشرعي.

وهذا جار في الأحكام المنصوص عليها، فالمأمورات إنما اتجه إليها طلب الفعل لما يغلب عليها من المصالح، وإن خالطها بعض مفاسد، والمنهيات اتجه إليها طلب الكف لما يرجح فيها من مفاسد وإن امتزجت ببعض المصالح، هذا ما قرره سلطان العلماء العز بن عبد السلام حين قال: “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، امتثالا لأمر الله تعالى فيها لقوله سبحانه وتعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم(ْ[35]. وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة.”[36] وعبر ابن تيمية عن نفس المعنى بقوله: “فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر”[37].

القواعد المحددة لضوابط المصلحة

المقصود بالمصلحة هنا المصلحة المرسلة، واستخراج القواعد المتعلقة بها مما يضبط الاجتهاد في السياسة الشرعية في الوقت المعاصر، وذلك لمسيس الحاجة لقواعد الاجتهاد المصلحي في حياة الناس اليومية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، الاقتصادي أو السياسي أو غير ذلك، فما هي المصلحة المرسلة؟ وما موقف العلماء منها؟ و ما أثرها في التقعيد للاجتهاد في السياسة الشرعية؟

      • القاعدة الأولى: في تعريف المصلحة المرسلة

تتقارب عبارات العلماء في تعريف المصلحة المرسلة فمن قائل: هي كل مصلحة داخلة في مقصود الشارع ولم يرد في الشرع نص يدل على اعتبارها بعينها أو بنوعها ولا على إلغائها، بل تدخل في عموم المصالح، جلبا للمنفعة ، ودفعا للضرر. وبعبارة أخرى: هي المصلحة التي لا يشهد لها دليل خاص بالإلغاء ولا بالاعتبار، بل تعتمد على كونها مصلحة في ذاتها.

أوهي كما ذكر الشوكاني: “ما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار، وهو المسمى بالمصالح المرسلة وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به، قال الزركشي: وليس كذلك، فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، قال الفخر الرازي في المحصول: وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ظن التفات الشرع إليها، وكل ما كان التفات الشرع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبرا أقوى. وكلما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في حق ذلك الحكم آكد فيكون لا محالة مقدما على ما يكون أعم منه. وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه، فهو غير معتبر أصلا. وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه أو اعتبره، فذلك يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه وصفا مصلحيا، وإلا فعموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار. وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة.”[38]

      • القاعدة الثانية: العبرة في جلب المصالح ودفع المفاسد إقامة الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا فيما تتوهمه أهواء النفوس.[39]

الغاية الجامعة لجلب المصالح ودرء المفاسد هو رسم خط مستقبلي لها، يمتد من الحياة الدنيا إلى الآخرة، سواء في حياة كل فرد في خاصة نفسه، أو في شأن الجماعة المؤمنة والأمة الإسلامية، فالاجتهاد في جلب أي مصلحة إنما يسدد إذا وضع في حسبانه أن المصلحة المراد تحقيقها من الأحكام والاجتهادات ليست مصلحة متوهمة لدى الناس. وهذا الخلل موجود في السياسات التي تنبني على المصالح الشخصية أو العرقية أو الاقتصادية الضيقة بين الأمم، حتى تصير المصلحة المتوهمة غاية تسوغ كل وسيلة مشروعة، وهذا ظاهر في ما تنتجه الاجتهادات غير الشرعية من انتهاك الأوطان، وإتلاف الأبدان، وإفساد في الأرض تحت شعارات شرعية وغير شرعية.

المرجع الأساس في ذلك هو الخطاب الشرعي لا محض العقول وخالص الأهواء، وليس للعقل استقلالية بالدلالة في أصول الاجتهاد، بل تكون الأدلة العقلية تابعة للأدلة النقلية كما أكد ذلك الإمام الشاطبي في المقدمة الثالثة، قال: “الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية أو معينة في طريقها أو محققة لمناطها أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة لأن النظر فيها، نظر في أمر شرعي والعقل ليس بشارع”[40].

والشريعة إنما جاءت لإخراج الناس من دواعي أهوائهم وشهواتهم: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) [41].

وقد أكد هذا المعنى ابن الأزرق حيث جعل لحسن السياسة أركانا عديدة[42] من أهمها إقامة الشريعة قال: “الركن الثاني: إقامة الشريعة: وذلك لأن المقصود بالخلق، ليس الدنيا فقط، لأنه من حيث فنائها عبث وباطل، وهو تعالى يقول: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون) [43]، وقال تعالى:(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ( [44]، بل الدين المفضي بهم إلى السعادة الأخروية. وقال تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .[45]

      • القاعدة الثالثة: لا تعتبر المصلحة إلا بثلاثة شروط؛ أن تكون كلية قطعية ضرورية.[46]

هذه الضوابط ذكرها الإمام الغزالي من الشافعية، ورغم أنه يدرج الاستصلاح ضمن الأصول الموهومة: “الأصل الرابع من الأصول الموهومة الاستصلاح”[47]، فإنه بين أن سبب إيراده الاستصلاح من الأصول الموهومة، هو تجنب اعتقاد كونه أصلا مستقلا عن الأصول الأربعة المعروفة، لأنه عند التحقيق راجع إليها، قال: “فإن قيل: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح، ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل، قلنا: هذا من الأصول الموهومة، إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة. ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع. وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات، تسمى لذلك مصلحة مرسلة. وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى. فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح، وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه، بل من استصلح فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع وتبين به أن الاستصلاح على ما ذكرنا.”[48]

وضرب لذلك أمثلة من ضمنها مسألة تترس العدو بالمسلمين، وبين اجتهاده فيها ثم قال: “حفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية.”[49]

فالاجتهاد في السياسة الشرعية إذا انبنى على مصلحة، أو قصد تحقيقها لابد وأن تتوفر فيه الشروط الثلاثة:

– أن تكون ضرورية: أي من الضروريات الخمس المعروفة لا من الحاجيات أو التحسينيات.

– أن تكون قطعية: يعني أنها ستتحقق حتما لا بمجرد غلبة الظن بوقوعها.

– أن تكون كلية: أي عامة يدفع بها ضرر شامل للجماعة في شؤونها.

      •  القاعدة الرابعة: كل أصل شرعي تخلف جريانه على وفق الأصول الثابتة، فلا يطَّرد، وليس بأصل يعتمد عليه، ولا قاعدة يستند إليها.[50]

من الأسباب الأساسية التي تلغي الأخذ بالمصلحة، ولا تبقي لها أثرا في الاجتهاد، مناقضتُها الأصول الثابتة، وهي الكتاب والسنة والإجماع وعدم انسجامها معها: “فإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارة في الشريعة.”[51] وقد سبق قول الغزالي في القاعدة السابقة: “فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة. ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع.”[52] وقد تكون المصلحة الجزئية المراد تحقيقها بالاجتهاد سببا في إبطال أصلي كلي، فهذا يلغي اعتبارها من الأساس لأن: “كل تكملة، من حيث هي تكملة، لها شرط؛ وهو ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال.[53] كما “لا يجوز اقتناص معنى يؤدي إلى إلغاء النص.”[54]

      • القاعدة الخامسة: الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في أحكام العادات الالتفات إلى المعاني.[55]

الاجتهاد المنبني على اعتبار المصالح، إنما يكون مجاله ما هو مرتبط بالعادات، لأن الأصل في العادة مراعاة المصلحة من باب طبائع الأشياء. في حين أن العبادات من صلاة وصوم وغيرها، فإن الأصل فيها الامتثال دون الالتفات إلى المعاني لقصور العقل عن إدراك المقاصد منها، وهذا لا يعني عدم تدبر الحكم والمصالح التي من أجلها شرعت العبادات، بل المقصود عدم اعتبار ذلك أصلا تبنى عليه الاجتهادات. أما تدبر الحِكم على سبيل استنهاض الهمم، وتزكية النفس فذلك مقصود من الشرع. وقد ألف علماؤنا من أرباب السلوك والتزكية في مقاصد الصلاة والصوم والحج ما يرفع الهمم إلى مقامات عالية من الحضور مع المولى عز وجل، ويجعل للعبادة معنى ساميا من معاني الإحسان.

      • القاعدة السادسة: العمل بالظواهر على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشرع، وإهمالها إسراف أيضا.[56]

قاعدة مبنية على مبدإ الاعتدال والتوازن بين طرفي نقيض في فهم النصوص، مما يؤدي إلى استصعاب تطبيقها، وبالتبع تركها إجمالا، وإما إلى الالتصاق بحرفيتها والتشديد على الناس من خلالها، لأن المقصود العام من الشرع هو التوسط.

وعدم فقه هذه القاعدة سبب في كثير من ظواهر التشدد والغلو، أوالتراخي والإهمال في الاجتهاد في السياسة الشرعية. فمثلا من الناس من يرى تطبيق الحدود الشرعية تخلفا وهتكا لحقوق الإنسان ورجوعا بالبشرية إلى عهود بائدة، ومنهم من يتمسك بها ويطبقها بنفسه أو بمعونة فئته كلما تمكن من ذلك، في حين الإمساك بلباب التوازن في الاجتهاد في السياسة الشرعية يمكن الناس من اختيارات تنهض بالفرد وتصلح المجتمع. وفي مسألة مشاركة المرأة في السياسة الشرعية أيضا مجال دقيق لهذه القاعدة فلا تتبع ظواهر النصوص على تغال يحقق مقصود الشرع، ولا إهمالها ينتج اجتهادا سويا بل الجمع بين الأمرين أكمل وأجدى.

القواعد المبينة لأقسام المصالح

      • القاعدة الأولى: حفظ المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية مقصود للشارع قطعا.[57]

اختلفت تقسيمات المصالح لدى الأصوليين بحسب اختلاف المعايير المعتمدة في ذلك إلى:

أولا: منهم من اعتمد معيار اعتبار الشارع لها وعدمه، فقسم أصحابه المصلحة إلى ثلاثة أقسام: مصلحة شهد الشرع باعتبارها، ومصلحة شهد الشرع ببطلانها، وذلك بدلالة النص على مناقضة الحكم الذي تقتضيه المصلحة. ومصلحة لم يشهد النص لا باعتبارها ولا ببطلانها.[58]

ثانيا: منهم من اعتبر الخصوص والعموم في التقسيم، فجعلها ثلاثة أنواع:

  • مصلحة عامة تتعلق بحقوق الخلق كافة، ويدخل تحتها ما فيه حماية للحقوق المرتبطة بالإنسانية كافة.
  • مصلحة أغلبية تتعلق بمصلحة الغالبية العظمى من المكلفين، إذ ينجم عن ترك الأخذ بها ضرر غالبية فئة من الناس، ومثلوا لذلك بمسألة تضمين الصناع لأن تركه فيه ضرر لأموال الجمع الغفير من الناس (أرباب السلع مثلا)، في مقابل مصلحة الصناع.
  • مصلحة خاصة أو شخصية: وهي التي تتعلق بشخص بذاته في واقعة معينة.[59]

ثالثا: ومنهم من راعى التغيُّر وعدمه في تقسيم المصالح، فجعلها قسمين: مصلحة ثابتة لا يطرأ عليها تغيير، وتبقى على صفة الدوام والاستمرار. ومصلحة متغيرة بتغير الأزمان والأحوال والأشخاص.[60]

رابعا: منهم من اعتمد على قوتها في ذاتها، فتتقسم المصلحة بحسب هذا المعيار إلى ثلاثة أقسام كبرى هي[61] الضرورية (وقد أدرجناها في هذه القاعدة أما القسم الثاني والثالث فندرجهما في القاعدتين اللاحقتين):

  1. المصالح الضرورية: الضروريات هي التي لا تقوم مصالح الدين والدنيا إلا بها. وبفقدانها، يختل نظامها. وقد دل الاستقراء أن الشرع قصد الحفاظ على ضروريات خمسة وجودا وعدما:

الدين: وذلك بفرض أصول العبادات، و تزكية الأنفس، وفرض الجهاد بمعنييه العام والخاص.

النفس: سواء بما يوجدها كالمأكل والمشرب، والمسكن والملبس، وما يتبع ذلك. أو بدرء ما يعدمها بشرع القصاص والجنايات.

العقل: بفرض طلب العلم، بشتى صنوفه و أنواعه، وتحريم كل ما يخل بوظائفه كالخمر وسائر المسكرات.

المال: بتشريع سبل الحفاظ عليه وحسن استثماره كأصول المعاملات من بيع وشراء وما يرتبط بهما. وتحريم ما يهدده من سرقة ونهب وسلب وغيرها.

النسل: إيجادا له وحفاظا عليه، بسن التزاوج والتوالد والتكاثر، وذلك أصالة. أما بالتبع، فسَن السكن اللائق، والتعاون على الحياة الكريمة، والاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، والمحافظة على الاستقرار الأسري، وغير ذلك قال الشاطبي: “إن النكاح مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن.”[62]

وقد اعتبر صاحب بدائع السلك في طبائع الملك أن من الأصول التي يبنى عليه الملك كليات ما تحفظ به الشريعة قال: “الأصل الثالث: في كليات ما تحفظ به الشريعة، تشييداًَ لركن الملك به، وهي الضروريات الخمس المتفق على رعايتها في جميع الشرائع، الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، بحيث لو انحرفت، لم يبق للدنيا وجود، من حيث الإنسان المكلف، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها، فلو عدم الدين وعدم ترتب الجزاء المرتجى ولو عدم الإنسان، لعدم من يتدين، ولو عدم العقل لارتفع التدبير، ولو عدم النسل لم يمكن البقاء عادة، ولو عدم المال لم يبق عيش. ويحقق هذا النوع من المصالح وظيفتين:

  • الوظيفة الأولى:

حفظها من جانب الوجود، وذلك بإقامة أركانها، ورعاية مكملاتها، فالدين بإظهار شعائره، وبث الدعوة إليه بالترغيب والترهيب. والنفس، بحفظ بقائها بالمآكل والمشارب من داخل، والملابس، والمساكن من خارج. والعقل يتناول ما لا يعود عليه بسكر أو فساد، والنسل، بإقامة أصله المشروع واجتناب وضعه في الحرام. والمال برعاية دخوله في الملك أولاً، وتثميره بعد ثانياً.

  • الوظيفة الثانية:

حفظها من جانب العدم، وذلك بدرك الخلل الواقع والمتوقع فيها. فالدين بجهاد الكافر، وقتل المرتد والزنديق، وقمع الضال المبتدع، والنفس بالقصاص والدية، والعقل بالحد من المسكر، والأدب في المفسد، والنسل بالحد وتضمين قيم الأولاد في الزنا، والمال بالقطع والتضمين.

تنبيه: من الأصوليين من ألحق بهذه الخمسة سادساً، وهو العرض، وعليه بحفظه من جانب الوجود، باعتقاد سلامته عن المطاعن والقوادح، وجانب القدح بالحد في القذف واللعان.”[63]

هذا وإن للعلماء -خاصة في العصر الحديث- آراء واجتهادات في مسألة عدد المقاصد الضرورية، هل يمكن الزيادة عليه أو النقص منه، ومعيار ترتيبها حسب سلم الأولويات.

      • القاعدة الثانية: المصالح الحاجية: الحاجيات هي المفتقر إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح.[64]

أو هي “ما افتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع، دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة”[65]، فإذا غابت أو افتقد بعضها وقع المكلف فردا كان، أو مجتمعا في حرج شديد. وهي تمثل حصنا واقيا، وسياجا منيعا، يقي المصالح الضرورية من النقص أو الضياع، وعدم مراعاتها -على الدوام- يهدد المصالح بالضياع رأسا، أو تحققها على غير الوجه المطلوب. وضربوا لذلك أمثلة كالحرية الشخصية والحرية الدينية.[66]

      • القاعدة الثالثة: المصالح التحسينية: التحسينيات هي الأخذ بمحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات.[67]

ويطلق عليها “الكماليات” أو “التكميليات”، أي الأمور التي لا تحقق أصول المصالح كما في الضروريات، ولا يلزم عن عدمها حرج للمكلفين، ولكنها تتمثل في الأخذ بمحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات. ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق”[68]. ومعنى ذلك أن الناس يمكنهم الاستغناء عنها في حياتهم المعيشية دون حرج، لكنه قد تقتضي الاعتبارات الخلقية والأدبية الإلزام به كستر العورة، ومنها ما هو مطلوب على وجه الندب و الأفضلية كآداب الطعام، وتمثل معراج الرقي في الفضائل الدينية والدنيوية التي بها القرب من الله تعالى إسلاما وإيمانا وإحسانا.

      • القاعدة الرابعة: الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتحسيني واختلاله يلزم عنه اختلالهما لا العكس.

هذه من القواعد البيانية للعلاقة بين الأنواع الثلاثة من المقاصد، فالضروريات أساس لبناء المقاصد الشرعية، والاجتهاد في السياسة الشرعية الذي يتحرى الصواب لا يمكنه أن يقفز عن الضروريات لتحقيق الحاجيات أو التحسينيات، بل ينبغي أن تكون كل مؤسسات الاجتهاد في الفقه السياسي حصنا منيعا للضروري من التلف والضياع. وهنا يكون فقهُ الترتيب، وإدراك الأولويات فيصلا في تسديد الاجتهاد السياسي.

      • القاعدة الخامسة: قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق، أو الحاجي بإطلاق، اختلال الضروري بوجه ما.

إذا كان من أهم قواعد الاجتهاد في السياسة الشرعية الحفاظ على الضروريات، فلا يعني هذا البتة إهمال التحسينيات أو الحاجيات إهمالا كليا، فَرُبَّ ترك لبعض التحسينيات أو الضروريات بشكل مطلق أثر واضح في تهديد الضروريات نفسها، فالحفاظ على النفس من حيث هي ذات حرمة وكرامة وحرية، لا يعني الحفاظ على مجرد حياتها، حياة استعباد أو تظالم، وهتك لحرمة الآدمي، لأن إهمال كل ذلك على وجه مطلق يهدد بالتبع الأصل الضروري وهو حياة الناس التي بدونها لا معنى للتكلف أصلا، لذلك ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري[69]، وهذه مساحة اجتهادية فسيحة تتغير بحسب الزمن والمكان والحال.

      • القاعدة السادسة: لم يقع النسخ في القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وإنما وقع في الجزئيات.[70]

النسخ هو إزالة حكم شرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه في الزمن، وهذا لا يمكنه أن يلحق القواعد الكلية التي يتخذها المجتهد في السياسة الشرعية منارا لعمله في تحقيق عزة الأمة وكرامتها. والنسخ الذي يقع في الجزئيات، إنما ينسجم مع قاعدة أخرى من قواعد الشرع الحكيم، فتحريم الخمر إذا كان قد لحقه النسخ مرات، فإنما ذلك مندرج تحت قاعدة كلية غير قابلة للنسخ كقاعدة رفع الحرج عن المكلفين، والتدرج بهم في الاستعداد لتطبيق الأحكام الشرعية حتى تحتل المكان الملائم لها في المنظومة التشريعية للفقه السياسي.

فالاجتهاد في السياسة الشرعية يستهدي بالقواعد الكلية في مواطن التغيير السياسي من حال إلى آخر، ومن وضع إلى ثان حسب ما تقتضيه الظروف والملابسات، ولا يعد الاجتهاد اللاحق ناسخا للسابق، لأن خيط السداد فيه إنما يتصل بالقواعد الكلية لا بالوقائع الجزئية التي لا حد لتغيرها.

إخراج الناس عن عوائدهم والانتقال بهم انتقالا تدرجيا من حال إلى حال أصلح منه في ميزان الشرع، بما يستشرف للأمة مستقبلا موعودا بالنصر والتمكين أمر كلي لابد من الاسترشاد به في كل اجتهاد سليم. ولقد كان من مقررات العلماء السابقين أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، فكل إجراء عملي يمس الأمة في شؤونها العامة ينبغي أن يتوخى المصلحة بحسب ما تم تفصيله من قواعد سابقة.


[1] لسان العرب مادة صلح.

[2] المستصفى للغزالي ج1ص174.

[3] نفسه ج1ص310-311.

[4] نقلا عن رسالة المصلحة في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى أبو زيد ص 211.

[5] يقول الطوفي: “اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة وملغاة و مرسلة، ضرورية وغير ضرورية تعسفوا وتكلفوا، إذ الطريق إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا و أقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشارع للمصلحة والمفسدة إجماعا ، وحينئذ نقول: إن الفعل إن تضمن مصلحة مجردة حصلناه ، وإن نضمن مفسدة مجردة نفيناه، فإذا استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة توقفنا على المرجح أو خيرنا بينهما نقلا عن ” رسالة المصلحة في التشريع الإسلامي ص 138.

[6] ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول ص 403.

[7] ضوابط المصلحة ص 23 للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وهو من المعاصرين الذين اهتموا بموضوع المصلحة.

[8] المصلحة لمحمد خروبات ص 25- 26

[9]  سورة النحل الآية 20.

[10] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 10 ص 165.

[11] سورة الأنبياء الآية 107.

[12]  سورة الجاثية الآية 20.

[13] أخرجه الحاكم بهذا اللفظ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على ذلك ج 2 ص57.

[14] الموافقات ج 3 ص 9 ـ 10

[15] النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 81

[16] إحكام الأحكام ج 3 ص 285.

[17] قواعد الأحكام ج 2 ص6.

[18] الفروق للقرافي ج 2 ص 132.

[19] إعلام الموقعين ج3 ص7.

[20] الموافقات ج2 ص 168.

[21] سورة الذاريات الآية.

[22] أخرجه الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم …في التوكل على الله.

[23] رواه الترمذي‏ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏. وابن ماجة والبخاري في الأدب عن عبد الله بن محصن رضي الله عنه.

[24] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإسلام.

[25] آل عمران133

[26] سورة الحديد الآية21.

[27] الموافقات ج2ص238.

[28] الموافقات ج 3ص153.

[29] قواعد الأحكام ج 1ص 19.

[30]  سورة العنكبوت الآية 20.

[31]  سورة النساء الآية 58.

[32] ج2 ص103.

 [33]الموافقات ج 2ص 25 ـ26 ـ 27.

[34] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ج1 ص12.

[35] سورة التغابن الآية16.

[36] قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج1 ص83.

[37] مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 129.

[38] إرشاد الفحول للشوكاني 370.

[39] الموافقات ج 2 ص 472.

[40] الموافقات ج1ص35.

 [41] سورة المؤمنون الآية71.

[42] الركن الأول: الوزارة. والثالث إعداد الجند والرابع: حفظ المال. والخامس: تكثير العمارة. والسادس: إقامة العدل. والسابع: تولية الخطط الدينية. والثامن: ترتيب المراتب السلطانية. والتاسع:مراعاة رعاية السياسة. والعاشر: مشورة ذوي الرأي والتجربة. والحادي عشر: بذل النصيحة. والثاني عشر: التدبير. والثالث عشر: تقديم الولاة والعمال. والرابع عشر: اتخاذ البطانة وأهل البساط. والخامس عشر: تنظيم المجلس وعوائده. والسادس عشر: تقرير الظهور والاحتجاب. والسابع عشر: ذكر الخاصة والبطانة. والثامن عشر: ظهور العناية بمن له حق أو فيه منفعة. والركن الأخير: رعاية مكانة ذوي السوابق.

مقتطف من كتاب:

“الاجتهاد في السياسة الشرعية قواعد وضوابط”
للدكتور عبد الصمد الرضى
رابط تحميل الكتاب:
https://www.islamanar.com/ijtihad-in-legitimate-politics/


[43] سورة المؤمنون الآية115.

[44] سورة ص الآية27.

[45] سورة الذاريات الآية 56 .

[46] المستصفى للغزالي ج2 ص176.

[47] المستصفى ج1ص173،174.

[48] المستصفى ج1 ص 176.

[49] نفسه.

[50] الموافقات ج 1ص 99.

[51] الجويني في البرهان ج2 ص 114.

[52] المستصفى ج 1 ص 176 وما بعدها.

[53] الموافقات ج2 ص 13.

[54] الموافقات ج3 ص 147.

[55] الموافقات ج2 ص 300.

[56] الموافقات ج3 ص 154.

[57] الموافقات ج2 ص 49 ـ50 ـ 51.

[58] نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي حسين حامد حسان ص16

[59] شفاء العليل للإمام الغزالي 184.

[60] تعليل الأحكام للدكتور محمد مصطفى شلبي 321.

[61] المستصفى ج1 ص 174

[62] الموافقات ج2ص396.

[63]  بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق ص 30.

[64] الموافقات ج 2 ص11.

[65] الموافقات ج2ص396.

[66] أصول الفقه للشيخ محمد أبو زهرة 349.

[67] الموافقات ج2 ص 11.

[68]  نفسه.

[69] الموافقات ج2 ص 17.

[70] الموافقات ج3 ص 105 ـ 117.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.