منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القواعد الفقهية وأثرها في الفتوى

القواعد الفقهية وأثرها في الفتوى/ ذ. عادل العزمي

0

القواعد الفقهية وأثرها في الفتوى

Doctrinal Principles and Their Effects on Fatwa

ذ. عادل العزمي

باحث في أصول التفسير – جامعة محمد الخامس

كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الرباط – المغرب

المزيد من المشاركات
1 من 108

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

إن من أهم الأصول التي خلفها العلماء الكرام، علم القواعد الفقهية هذا العلم الذي يجمع شتات الفقه ويضبط فروعه وجزئياته، وهي تعد من أهم المباحث المتعلقة بالفقه خاصة في علاقتها بالفتوى أثرا فيها وتأثرا بها، فالفتوى إذا كانت تختلف كما قرر الفقهاء باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فلا غرو أنها تختلف أيضا باختلاف أصولها التي تستند إليها، ومن هذه الأصول القواعد الفقهية، فالعلاقة بينهما تتجلى في اعتماد الفتوى على القاعدة الفقهية، فكما أن الفقيه محتاج إلى النص الشرعي، فإنه محتاج كذلك إلى معرفة المقاصد الشرعية المتعلِّقة بأحوال الناس، وإلى القواعد الفقهية الكلية التي تندرج تحتها أحكام جزئية شتَّى. والقواعد في ذلك كله قد سلكت مسلك التعليل والتأصيل. على أن الاختلاف الحاصل في الفتوى مرده إلى أصل تقعيد القاعدة الفقهية، التي تخضع لأصول شرعية وعقلية، هي بذاتها سبب للخلاف الفقهي في جزئياته.

كلمات مفتاحية: الفقه، القواعد الفقهية، الفتوى، التعليل، التأصيل.

 

Abstract:

Scholars have left through history foundational principles for doctrinal principles; a science that gathers jurisprudence’s remnants and takes hold on its innumerable details and branches. It is considered one of the most important research areas related to Fatwa (opinion based on jurisprudence) in particular. The latter changes over time, place and circumstances as it also differs depending on the foundational principles it is based on; amongst these principles are doctrinal principles on which Fatwa is relatively dependant. Therefore, a scholar needs proofs from Quran and Sunna besides to knowing the legitimate purposes relevant to people’s circumstances and macro doctrinal principle. On these bases, the principles have taken the course of reasoning. However, the difference in Fatwa is due to the origin of doctrinal principle that is subject to legitimate and mental origins, viz, a cause of doctrinal disagreement in its parts.

Keywords: doctrinal rules, Fatwa, legitimate purposes, reasoning, textual proofs.

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله الطيبين وصحابته المهتدين.

وبعد، فإن الفقه من أشرف العلوم وأعلاها مرتبة في دين الله وأهمها في حياة الأمة المسلمة، وحياة الفرد المسلم، إذ كان ألصقها بحياته اليومية، فصار العلم بالواجب منه والعمل به فرض على كل مسلم، إذ لا تستقيم حياته الدنيوية والأخروية إلا بمعرفة ما أحل الله وما حرمه. ولقد ترك لنا علماؤنا الأوائل ثروة هائلة من العلوم والأحكام والقواعد المؤصلة، ظلت منارا للعاملين من بعدهم. هذه الثروة العلمية هي صلتنا الغالية بهم رغم ما تحمله معها من خلافات وصراعات مذهبية فرضت على كل عصر شكلا معينا من التعامل معها.

وإن ضمان استمرار استيعاب الشريعة الإسلامية لقضايا الحياة وتطورها ومستجداتها الكبرى والمعقدة، رهين باستمرار الحركة الفقهية وبقائها حية نابضة، ولا يتأتى ذلك إلا إذا تعاملنا كما تعامل سلفنا الصالح وأئمتنا العظام مع الأصول الكبرى لدين الله وتجاوزنا ما عرفه تاريخ الفقه الإسلامي من صراعات وخلافات فقهية عبر الخوض في المسائل الخلافية، والشرح على الشرح وتأثيث المكتبة بالحواشي وحواشي الحواشي حتى ليكاد الباحث أن يغرق في لجتها.

وإن من أهم الأصول التي خلفها العلماء الكرام، علم القواعد الفقهية هذا العلم الذي يجمع شتات الفقه ويضبط فروعه وجزئياته، وتخريجها على أصولها، وإلحاقها بكلياتها فهي كالوعاء الحاوي لها إذ « يعتبر الرجوع إلى قواعد الفقه رجوعا إلى رأس الفقه ومقامه الأعلى، ويعتبر قواعد الفقه من ركائز الاجتهاد وأسسه، والاشتغال بها ضرورة فقهية لا غنى للفقيه عنها[1] وتعد القواعد الفقهية من أهم المباحث المتعلقة بالفقه خاصة في علاقتها بالفتوى أثرا فيها وتأثرا بها، فإذا كانت الفتوى تخضع كما قرر الفقهاء إلى عوامل الزمان والمكان واختلاف الأحوال، فلا غرو أنها تختلف كذلك باختلاف أصولها التي تمتح منها وتستند إليها، ومن هذه الأصول القواعد الفقهية.

فعلم القواعد الفقهية يعتبر من أهم العلوم لأنها توضح للمجتهد سبيل استنباط الأحكام الجزئية من كلياتها، لذلك اهتم به العلماء اهتماما كبيرا وأولاها الفقهاء عناية خاصة. قال الإمام شهاب الدين القرافي: «وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء…، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلف، وتزلزلت خواطره فيها… ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره»[2].

ويؤكد هذا أن القواعد الفقهية لعبت دورا هاما في تنظيم فروع الفقه الإسلامي بصفة عامة. وفي التفقه والتفقيه، واكتساب الملكة العلمية بصفة خاصة، بما تقوم به من تصوير بارع للمبادئ الفقهية وكشف آفاقها الواسعة وحصر مسالكها المتشعبة.

واليوم قد تعقدت الحياة الإنسانية وبلغت الحضارة مبلغا لا يدركه الخيال بسبب تقدم العلوم في شتى المجالات، ونتج عن ذلك تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته، وطرأت نوازل لم تكن معروفة، ومسائل جديدة لم تكن معلومة، والمسلم في ذلك كله يرغب في معرفة حكم كل كبيرة وصغيرة، من قضايا هذا العالم، ليكون على بينة من دينه ودنياه لأنه ما من شيء إلا ولله تعالى فيه حكم.

وهنا تأتي الحاجة الماسة إلى هذا العلم القيم، إذ بقدر التعمق فيه والإحاطة به، يفتح المجال أمام الفقهاء لاستنباط أحكام وفتاوى لكل طارئ وجديد.

المبحث الأول: القواعد الفقهية، تعريفها وأهميتها

المطلب الأول: القاعدة لغة واصطلاحا:

للقاعدة في اللغة عدة معان تؤول إلى معنى واحد يجمعها وقاسم مشترك يوحدها، وهو الأساس، فقواعد كل شيء أسسه وأصوله التي يقوم عليها[3].

أما من الناحية الاصطلاحية، فقد عرف العلماء القاعدة بتعريفات كثيرة نذكر منها:

«الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه»[4].

«وعرفتها مجلة الأحكام العدلية: «هي حكم كلي غالب ينطبق على جزئيات كلها أو أكثرها[5]

عرفها الدكتور محمد الروكي بعد نظر وتأمل في التعاريف السابقة حيث قال:»وانطلاقا من هذه الحقائق نستطيع الآن أن نعرف القاعدة الفقهية حكم كلي مستند إلى دليل شرعي مصوغ صياغة تجريدية محكمة منطبق على جزئياته على سبيل الاطراد أو الأغلبية». [6]

المطلب الثاني: الفقه لغة واصطلاحا:

أ- الفقه في اللغة عموما، يعني العلم بالشيء وإدراكه وفهمه يقول ابن فارس: «الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به»[7].

ب- اصطلاحا: الفقه في استعمال الصحابة والتابعين وسائر السلف يشمل الدين أصلا وفرعا نظرا وعملا اعتقادا وسلوكا.. وقد عرفه أبي حنيفة بأنه: «معرفة النفس ما لها وما عليها».

غير أن دلالة الفقه تقلصت وأصبحت لتشمل الجانب العملي من الأحكام الشرعية، ليستقر التعريف عند المتأخرين بكون الفقه هو: «العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية»[8].

المطلب الثاني: الفرق بين القاعدة والضابط، والقاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:

  • أولا: الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية:

يجدر بينا في هذا الموضع أن نوضح الفرق الأساسي بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، حتى تنكشف لنا معالم هذا الفن بكل وضوح علما بأن (الفقه) علم مستقل و(أصول الفقه) كذلك علم مستقل، ولكل منهما قواعده، على الرغم من وجود الارتباط الجذري الوثيق بينهما، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر.

ولعل الإمام شهاب الدين القرافي أول من ميز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية، فقد جاء في مقدمة الفروق للإمام القرافي ما يلي: «أما بعد فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا: اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:

 – أحدهما: المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو الأمر للوجوب، والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك…

 – والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه»[9].

ويمكن توضيح بعض هذه الفوارق بين القاعدتين في النقط التالية:

القاعدة الأصولية: موضوعها الدليل والحكم، أما القاعدة الفقهية فموضوعها فعل المكلف[10].

القواعد الأصولية: قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، أما القواعد الفقهية: فإنها أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات[11].

القواعد الأصولية: إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء فهي قواعد مطردة كقواعد العربية ـبلا خلاف. وأما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب. … ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة[12].

القواعد الفقهية: هي أحكام شرعية كلية مستنبطة من المصادر الشرعية النقلية أو العقلية، أما القواعد الأصولية: فإن علماء أصول الفقه قد توصلوا إليها عن طريق دراستهم للنصوص الشرعية واستقراء صيغها وأوجه دلالتها على الأحكام الشرعية[13].

القواعد الفقهية: تشبه أصول الفقه من ناحية وتخالفه من ناحية أحرى.

أما من جهة المشابهة: فهي أن كل منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات وأما جهة المخالفة، فهي أن قواعد الأصول عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلية، يمكن استنباط التشريع منها وأما قواعد الفقه فهي: عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسه ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في أصول الفقه، ثم إن الفقيه إن أوردها أحكاما جزئية فليست قواعد، وإن ذكرها في صور قضايا كلية تندرج تحتها الأحكام الجزئية فهي القواعد[14].

فقواعد الأصول: هي أداة المجتهدين التي يستعين بها على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وقواعد الفقه: هي مرجع الفقيه[15].

  • ثانيا: الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط:

من خلال تعريفنا السباق للقاعدة الفقهية نلاحظ أن دائرة شمولها متسعة في حين أن الضابط فدائرته أقل اتساعا وسيتضح هذا أكثر من خلال ذكر بعض الفروق التالية:

القاعدة تكون الفروع الداخلة تحتها من أبواب مختلفة فمثلا قاعدة «المشقة تجلب التيسير» تدخل فيها فروع: العبادات والمعاملات والجنايات.

وأما الضابط فإن الفروع الداخلة تحته تكون من باب واحد، جاء في مجلة الأحكام» والفرق بينها وبين الضابط أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى والضابط يجمعها من باب واحد»[16]

«إن مجال الضابط الفقهي أضيق من مجال القاعدة الفقهية إذ أن نطاقه لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض مسائله»[17].

«أن القواعد أكثر شذوذا من الضوابط لأن الضوابط تضبط موضوعا واحدا فلا يتسامح فيها بشذوذ»[18]. فالملاحظ من خلال هذه الفروق بين القاعدة الفقهية والضابط، أن معيار التفريق بينهما مبني على سعة القاعدة وضيق الضابط.

  • ثالثا: أهمية القواعد الفقهية

تكمن أهمية هذه القواعد في عظيم موقعها في الفقه وقوة أثرها في الكثير، فإن هذه القواعد تصوير بارع وتنوير رائعا للمبادئ الفقهية العامة، وكشف لآفاقها ومسالكها النظرية، وضبط لفروع الأحكام العلمية بضوابط تبين في كل زمرة من هذه الفروع وحدة المناط ووجهة الارتباط برابطة تجمعها وإن اختلفت أبوابها وموضوعاتها.

وأهميتها تبرز من اسمها فهي « قواعد والقاعد ثمرة ونتيجة لا يتوصل إليها إلا بمجهود علمي كبير، وبعد تجربة وزمان طويل… وهي كلية وفي هذه الكلمة ما فيها من معنى الشمولية وقوة الانطباق والسريان، ولا يغض من ذلك كونه أغلبيا وغير مطرد. وهي أيضا تسمى الفروق وفي هذه الكلمة ما فيها من معاني الضبط والموازنة بين المسائل الفقهية التي تبدو في ظاهرها أنها متشابهة…وهي أيضا تسمى الأشباه والنظائر وفي هتين الكلمتين ما فيهما من المعاني الدالة على المنهاج القياسي الذي ينطق برحابة مضامين هذه القواعد»[19].

ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعا متشتتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها وتنظمها في مسلك واحد، وتبرز فيها العلل الجامعة، وتعين اتجاهاتها التشريعية وتمهد بين طريق المقايسة والمجانسة.

يقول الإمام القرافي رحمه الله: « وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب.

وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان فبين المقامين شأو بعيد وبين المنزلتين تفاوت شديد»[20].

كما أنها أي القواعد « تمثل –من جانب آخر – فلسفة الفقه الإسلامي وقمة عصارته، وهي تبلور العقلية الفقهية القادرة على التجميع والتأصيل، كما تكشف عن الملكة العلمية…التي استطاع… بها الفقهاء المسلمون أن يصوغوا مسائل الفقه وفروعه المتكاثرة في أقوال وأطر جامعة حافظة … وكل ذلك حفاظا على الشريعة الإسلامية وحرصا أن يخضع لها كل ما تعج به الدنيا من الأحداث والنوازل الصغيرة والكبيرة، الفردية والجماعية»[21]

المطلب الرابع: تاريخ القواعد الفقهية

لعل الكثير ممن كتب في القواعد لم يأل جهدا في أن يرد هذه القواعد إلى الأصلين الأولين وهما القرآن والسنة ويلتمس لها شواهد منهما، وهذا يعني بوضوح أن الملامح الأولى للقواعد الكلية مرسومة في القرآن والسنة، ففي القرآن الكريم والسنة النبوية نصوص بعضها يمثل بذاته وألفاظه قواعد تشريعية جاهزة، وبعضها يقدم للفقيه مادة خصبة يستطيع أن يصوغ منها قدرا وافرا من هذه القواعد.

ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

قوله تعالى: « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» أخذ الفقهاء منها قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».

وقوله تعالى: «وما جعل عليكم في الدين من حرج»، اقتبس منها الفقهاء قاعدة: «الحرج مرفوع».

وقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات « أخذها الفقهاء من قوله تعالى: «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه»...

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تجمع الكليات التشريعية الكبرى سواء ما هو مصوغ جاهز أو ما يكون مادة خصبة لاستنباط الفقهاء.

أما السنة النبوية فقد كانت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام تعتبر قواعد عامة تنطوي تحتها فروع فقهية كثيرة فمن ذلك:

قوله صلى الله عليه وسلم: « إنما العمال بالنيات» اعتمد عليه الفقهاء في صياغة قواعد النية وأهمها «الأمور بمقاصدها و« العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، و» لا ثواب إلا بنية «.

« لا ضرر ولا ضرار» صيغة منها قاعدة «الضرر يزال».

« على اليد ما أخذت حتى تؤديه «اقتبس منها الفقهاء قاعدة « المفرط ضامن « وكثير من قواعد الضمان[22].

«ما أسكر كثيره فقليله حرام» قال الإمام ابن تيمية رجمه الله بعد ذكر هذا الحديث : (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ولم يفرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولاً ولا مشروباً)[23].

وقد استمر الأمر مع الصحابة رضي الله عنهم ولعل أهم مثال يمكن أن نعتمده لاستجلاء مدى اعتناء الصحابة بالكليات رسالة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء التي كتبها إلى أبي موسى الأشعري فإنها قد حبلت بكثير من الكليات والأصول الفقهية وقد جاء فيها : «أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له … البينة على المدعي واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا … ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والإيمان. ثم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك وأعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق … والسلام عليك ورحمة الله»[24]،

وقد اعتبرها الإمام السيوطي أصلا ومصدرا لفن الأشباه والنظائر قال: «وهي صريحة في الأمر بتتبع النظائر، وحفظها ليقاس عليها ما ليس بمنقول، وفي قوله: فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظائره في الحكم لمدرك خاص به، وهي الفن المسمى بالفروق)[25].

وكذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن علي كرم الله وجهه قوله: « من قاسم الربح فلا ضمان عليه». يعد قاعدة رائعة في مجال الفقه المالي من المضاربة والشركة[26].

واستمر الأمر مع التابعين حيث اتسع نطاق الإفتاء وظهور المدارس الفقهية بسبب ما ظهر وجد من القضايا الحياتية التي اضطر الفقهاء معها إلى إيجاد حلول وأحكام شرعية لها « لكن الكثير منها ظل مطبوعا بالطابع العمومي الإجمالي، بحيث تحتاج إلى مزيد من الصياغة والحبك لتصير على شكل قواعد تقنينية ضبطية بالمعنى العلمي السابق للقاعدة»[27]، وقد وردت علينا مجموعة من تلك القواعد التي سطروها من مثل قول الإمام القاضي شريح بن الحارث الكندي: «من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه».

فهو قاعدة تسوغ الشروط الجعلية… ويدخل تحت هذه القاعدة ما يسمى اليوم قانونا بالشرط الجزائي… ومنها ما روى الليث بن سعد (175هــ) عن خير بن نعيم (137هــ) أنه قال كان يقول: « من أقر عندنا بشيء ألزمناه إياه»[28] والأمر نفسه ظل في عصر التدوين إذ لم تعد مصنفاته أن تكون أوعية تحتاج إلى من يستخرج ما حوت من قواعد وأصول ومن «أبرز هذه المصنفات كتاب الموطأ للإمام مالك والرسالة والأم للشافعي (ت204ه) وكتاب الخراج للإمام أبي يوسف(ت182ه) وغيرها من بواكير كتب السلف الأصولية والفقهية»[29].

وقد جرد الأستاذ علي أحمد ندوي في كتابه القواعد الفقهية مجموعة من القواعد التي صدرت عن الأئمة جاءت منثورة في تواليفهم وكتبهم فليرجع إليه.

أما بداية القواعد الفقهية باعتبارها فناً مستقلاً فقد كانت في القرن الرابع الهجري وما بعده من القرون، وذلك أنه حينما كثرت الوقائع والنوازل توسع الفقهاء في وضع القواعد وضبطها حتى تحفظ من الضياع والتشتت كما فعل الكرخي في رسالته تحت عنوان الأصول، والدبوسي (430ه) في تأسيس النظر، وقد كان فقهاء المذهب الحنفي أسبق من غيرهم في هذا الباب، وذلك نتيجة التوسع عندهم في الفروع، وقد قرر الدكتور محمد الروكي أن «أقدم ما وصلنا من كتب القواعد الفقهية – فيما نعلم- هو كراسة صغيرة للفقيه الحنفي: أبي الحسن الكرخي (ت 340ه)ـ وهي تضم مجموعة من القواعد الفقهية العامة على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله»[30].

المبحث الثاني: الفتوى تعريفها وأهميتها

المطلب الأول: الفتوى لغة واصطلاحا:

أولا: الفتوى لغة: بالرجوع إلى معاجم اللغة نجد معاني هذه الكلمة بكافة مشقاتها تدور بين الفتوة والقوة والطراوة وبين البيان والتبيين والوضوح.[31]

وعلى كل حال فمعنى الإفتاء لغة الإبانة وإن كان لفظ الفتيا يطلق على فعل المفتي فإن لفظتي الفتوى والفتيا تطلقان على ذلك أيضا وعلى وظيفة المفتي، فيقال إنه يمارس وظيفة الفتوى أو الفتيا. وكذلك على الحكم الذي يعطيه، والفتوى في اللغة أعم منها في الاصطلاح.

ثانيا: الفتوى اصطلاحا: يكاد التعريف الاصطلاحي للفتوى يكون هو نفسه التعريف اللغوي لها، وذلك بحكم أن لفظ الفتوى وإن كان «يصدق في الأصل في كل علم، فكل من بين مسألة فقد أفتاه ولكن اشتهر في العرف إطلاقه في الشرعية فقط، فللفتوى إذن حقيقة عرفية وهي إطلاقها على ما يتعلق بالشرع دون غيره من المجالات»([32]

كما أن مصطلح الفتوى تحول عن أصله الذي هو السؤال للدلالة عن الجواب وهو ما أشار إليه العلامة ابن حجر (ت 852هـ) بقوله: «فتيا أصله السؤال ثم سمي الجواب به»[33]، وعلى العموم فقد عرف الفقهاء الفتوى بأنها إخبار بحكم شرعي من غير إلزام، أي أن المفتي يخبر المستفتي عن حكم الله في النازلة من غير أن يحمله على الأخذ به لزوما، وهناك من الفقهاء من رأى عدم الحاجة إلى تقييد التعريف بقول من غير إلزام كما الإمام القرافي (ت 684هـ) «الذي يرى أن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة»([34])، والإخبار بطبيعته لا يحمل الإلزام إلا أن هذا لا يعني خلو الفتوى من كل إلزام، فهي تحمل معنى الإلزام الديني الذي يحتم على المستفتي الأخذ بها متى تبين له صوابها ومطابقتها لحكم الله، غير أن الإلزام هنا لا يكون على حمل المكلف بالقوة والجبر على الأخذ بها، وإنما يكون إلزام وجداني، إن شاء أخذ به وإن شاء لم يأخذ به.

والفتوى من حيث الاصطلاح تتطابق وتترادف مع مجموعة من الاصطلاحات، حيث «استعمل الفقهاء ألفاظ النوازل والأجوبة والمسائل مرادفة للفظ الفتوى، فقالوا: مسائل ابن رشد وفتاوي ابن تيمية، ونوازل الزياني وأجوبة عبد القادر الفاسي»[35].

المطلب الثاني: أهمية الفتوى:

رحم الله ابن القيم (ت 751ه) الذي سمى المفتين «موقعين عن رب العالمين» ليعلم كل من تصدى لهذه المهمة الجليلة على أي خطر هو قائم، ولنعلم لماذا كان السلف الصالح يتحاشون الفتوى ويود كل واحد منهم لو أن أخاه كفاه إياها، يقول رحمه الله في كتابه الماتع «إعلام الموقعين»: «وإن كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو أعلى مراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب العالمين»([36]).

وبذلك يكون «المفتي مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ([37])»([38] والمتأمل في التعريف يدرك بلا ارتياب شرف الفتوى والقائمين عليها فهل هناك شرف أعظم وأجل من أن يخبر الإنسان عن الله ويوقع على أفعال المكلفين عن الله وينفذ أمره وتقرن طاعته بطاعة الله([39]).

وإن مما يبن أهمية وعظمة الفتوى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء»([40])، فأثبت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة وتتمثل هذه الخصيصة في وراثة الأنبياء مهمة التبليغ عن رب العالمين([41]). التي بينها قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس)([42]).

المبحث الثاني: القاعدة الفقهية وأثرها في الفتوى

المطلب الأول: علاقة الفتوى بالقاعدة الفقهية

إن مما أصبح مقررا في عصرنا الحالي الأثر البالغ الذي أحدثه التطور العلمي والتقني في حياتنا اليومية، مما أفرز قضايا ونوازل جديدة ومتعددة ليس لها نظير في حياة سلفنا يقاس عليه، أو لها نظير ولكن تغيرت علل الأحكام بسبب تغير الظروف فاستلزم معه تغير الحكم، مما جعل الفقيه في تعاطيه معها – أي النوازل- لاستجلاء حكم الله تعالى فيها، أن يكون على قدر تام من التصور والإحاطة الشاملة بالمسألة قبل الحكم فيها حتى يكون الاجتهاد صوابا أو قريبا من الصواب إذ «لا بد للناظر من أهل الاجتهاد أن يكون بالغاً عاقلاً، قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مآخذها»[43]، فلذلك فبقدر استمرار «خطة الإفتاء راشدة مهدية موكولة إلى الأكفاء من العلماء الراسخين الأقوياء والأمناء، تستمر الحياة ربانية شرعية موصولة بخالقها ناهلة من معين شريعته وينبوع حكمته، لكن ذلك مشروط بمحافظتها على منهجها الإسلامي وضوابطها الشرعية ومستواها العلمي الذي لا يمكن مباشرتها إلا به ويدخل في ذلك علاقتها الوثيقة بالقواعد الفقهية التي تعتبر عنصرا من عناصر قوتها»[44] «فالمتتبع للفروع الفقهية يلاحظ أنه ما من فرع فقهي إلا ويكون مندرجًا تحت قاعدة.

قال الزنجاني في تخريج الفروع على الأصول: «ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها …، لا يتسع له المجال ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها، وبُعد غاياتها – لها أصول معلومة، وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علمًا»[45].

فالعلاقة بينهما تتجلى في اعتماد الفتوى على القاعدة الفقهية، فكما أن الفقيه يحتاج إلى النصوص الجزئية المعصومة، من القرآن والسنة، يحتاج كذلك إلى معرفة المقاصد الشرعية المتعلِّقة بأحوال الناس وإلى القواعد الفقهية الكلية التي تندرج تحتها أحكام جزئية شتَّى، تنتظم أبواب الفقه، ويرجع إليها العلماء المجتهدون، فيما يستنبطونه من أحكام، أو فيما يرجِّحونه من الفقه الموروث، الذي يتميَّز بكثرة الأقوال والخلاف، وتعدُّد المذاهب والاتجاهات. مما يلزم معه الموازنة والترجيح.

وقد خلف لنا علماؤنا الأجلاء ثروة مهمة من القواعد ينبغي للذين يتعرَّضون للفتوى، أن يضعوها نُصب أعينهم، لتعينهم على تبيُّن الحكم الشرعي الصحيح، الذي يقوم على حسن الاستنباط من النصِّ، وحسن تنزيله على الواقع المعيش، وقد لا يوجد نصٌّ جزئي، فيلجأ الفقيه إلى القواعد، فيأخذ منها الحكم، وهو مسلك أصولي معروف عند فقهاء الأمة. بل هو محتاج إلى القاعدة الكلية مع وجود النصِّ الجزئي. كما هو في حاجة إلى الرجوع للمقاصد.

فلا يستغني ذو اجتهاد، كلي أو جزئي، ترجيحي أو إبداعي من الرجوع إلى منارات ثلاث: أولها النص الثابت من القرآن أو السنة، وثانيها المقاصد المرعية من وراء النصِّ وآخرها القواعد الكلية المستخرجة من استقراء الأحكام ورعاية المقاصد [46] والقواعد الفقهية في ذلك كله قد سلكت مسلك التعليل للمسائل والفروع التي تجمعت لدى الفقهاء، فتذكر القاعدة في ثنايا تعليل المسائل بحيث أن القاعدة ترد معللة للمسألة، كما سلكت مسلك التأصيل لما صدر عن الفقهاء حيث يكون البدء بالقاعدة ثم ذكر الفروع التابعة والمندرجة تحتها.

ثم إن العلاقة التي تجمع القاعدة الفقهية مع الفتوى لا تنحصر في اعتبار القاعدة وعاء جامعا لمضمون فتاوى عديدة تنتظم في سلك واحد أو وسيلة للمفتي في تخريج الفروع على الأصول، بل إن القاعدة الفقهية تلعب دورا مهما في تكوين الملكة الفقهية للمفتي التي تحقق الفهم لمقاصد الكلام، مما يسهم في إعطاء الحكم الشرعي للقضية المطروحة واستنباط الحلول للوقائع المتجددة وتكشف الطاقة الذكائية والحفظية التي استطاع بها الفقهاء المسلمون أن يصوغوا مسائل الفقه وفروعه المتكاثرة في قوالب وأطر جامعة حافظة[47].

يقول الإمام السيوطي:» اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا : الفقه معرفة النظائر»[48]، إضافة إلى ذلك كله ما يكسبه التعاطي مع القواعد المفتي من تصور عام عن الفقه وموضوعاته بل إن حتى «غير المختصين في الفقه كعلماء القانون الوضعي وعلماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع وغيرهم تساعدهم القواعد الفقهية على الاستقلال بأنفسهم في فهم النصوص الفقهية، والبحث عن الأحكام الشرعية من مظانها، فالقانوني يحتاج إلى القواعد الفقهية لتفسير المواد القانونية المستمدة من الفقه الإسلامي، كالقانون المدني وأما عالم الاقتصاد فيحتاج إليها لتفسير المواد التجارية المستمدة من الفقه الإسلامي»[49] .

ومن المعلوم أن القواعد الفقهية تنقسم إلى قواعد متفق عليها من مثل القواعد الكلية الخمس، وأخرى مختلف فيها سواء بين المذاهب، أو داخل المذهب الواحد، فنوعية التعاطي مع القاعدة وتطبيقها على الفتوى ينتج عنه الاختلاف في الفتوى إذ أن «تعلق الفتوى بالقواعد الفقهية له جهتان: جهة اعتماد الفتوى على القواعد الفقهية، وجهة اشتمال القواعد الفقهية على موضوع الفتوى، أما الجهة الأولى فنعني بها أن إصدار الفتوى لا يتم إلا إذا أخذت حقها من تصور النازلة وإعمال النظر الفقهي فيها، ومن مشمولات هذا النظر الفقهي الاستعانة بالقواعد الفقهية في الوصول إلى الحكم الشرعي الذي يقرر في الفتوى وأما الجهة الثانية فنعني بها أن من موضوعات القواعد الفقهية الفتوى»[50] وبالتالي ما يلزم من ذلك من تأثر وتأثير بين العمليتين.

ثم إن الفتوى التي يروم صاحبها ضبط صياغتها وحسن تنزيلها وملاءمتها للواقع وتحقيقها لمقاصد الشارع، يلزمها في استنادها إلى القواعد الفقهية أن تستند إلى قواعد جمعت مميزات معينة أجملها الدكتور محمد الروكي فيما يلي:

أولا: أن تكون القاعدة معروفة منقولة كثر إعمالها وتناقلتها اجيال العلماء.

ثانيا: أن تكون القاعدة ذات حجية: القواعد الفقهية تتفاوت فيما بينها في أمور كثيرة منها التفاوت في الحجية والدليل، فهناك قواعد تعتمد في أحكامها على النصوص الشرعية المعتبرة، وهناك قواعد لا ترقى إلى ذلك وإنما هي عبارات وصيغ فقهية وردت عند بعض الفقهاء في سياق الجمع بين الأشباه والنظائر تعين المفتي على الوصول إلى المطلوب.

ثالثا: اعتماد قواعد المذهب وعدم الخروج عنها لأن الخروج عنه يفضي إلى التلفيق وهو محظور باتفاق الفقهاء.

رابعا وخامسا: تقديم المتفق عليه من القواعد وتقديم المشهور من القواعد الخلافية.

سادسا: تحقيق معنى القاعدة المراد الاستعانة بها

سابعا: التأكد من انطباق القاعدة على فروعها والتأكد من اندراج الفروع في قاعدتها:

ثامنا: مراعاة قيود القاعدة فقاعدة الضرر يزال مثلا قيدها الفقهاء بقاعدة أخرى هي الضرر لا يزال بمثله، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات قيدوها بقاعدة أخرى الضرورة تقدر بقدرها.

تاسعا مراعاة الاستثناء من القاعدة: فالمفتي عند اعتماده على القاعدة الفقهية في تقريره الفتوى يجب أن يعتمد على ما استثناه الفقهاء منها ويقتصر في التخريج على ما هو من مشمولاتها وفروعها المندرجة فيها، فقد ذكر الفقهاء جملة من قواعد المذهب واستثنوا منها فروعا صح النقل في استثنائها.

وقد ساعد المنهج الذي سار عليه الذين اهتموا بالتأليف في مجال القواعد الفقهية في وصول المفتي إلى مبتغاه دون الغرق في كتب النوازل فقد انقسم ترتيبهم للقواعد الفقهية إلى خمسة أقسام نجملها فيما يلي:

أولا: الترتيب الهجائي وهو منهج يعنى بترتيب القواعد على حروف المعجم وأول من ابتكره الإمام الزركشي الشافعي (794ه) في كتابه «المنثور في القواعد» ثم تبعه أبو سعيد الخادمي الحنفي (1176ه) في كتابه «مجامع الحقائق»

ثانيا: الترتيب الموضوعي وهو منهج يعتمد على مراعاة شمولية القاعدة واتساعها، ومقدار ما يندرج تحتها من المسائل والفروع فقسم القواعد إلى قواعد كلية ثم قواعد كلية أقل اتساعا ثم القواعد المختلف فيها وأهم من سلك هذا المسلك تاج الدين السبكي وجلال الدين السيوطي وابن نجيم الحنفي وإن كان هذا الأخير قد أسقط القسم الثالث.

ثالثا: الترتيب الفقهي أي من حيث تعلق القواعد بأبواب الفقه المختلفة، حيث يذكر الباب الفقهي وتحته القاعدة ثم يذكر المسائل وما يندرج تحتها من الفروع وقد سارع على هذا النهج أمثال ابن تيمية في كتابه « القواعد النورانية» والمقري المالكي (758ه) في كتابه « القواعد» وابن خطيب الدهشة (834) في كتابه «مختصر قواعد العلاءي».

رابعا: الجمع المطلق أي دون مراعاة أي ترتيب معين من الترتيبات السابقة حيث تجمع القواعد مطلقا دوت ترتيب معين والغالب عليهم ترقيم القواعد ترقيما تسلسليا كالكرخي الحنفي (340) في رسالته «أصول الكرخي» والدبوسي الحنفي(430) في كتابه «تأسيس النظر» والقرافي المالكي (684) في كتابه «الفروق».

كما أنه في العصر الحديث ظهرت مؤلفات ودراسات اعتنت بالقواعد سار فيها أصحابها على نهج من سبقوا «كمعلمة القواعد « الصادرة عن مجمع الفقه الإسلامي حيث سارت في الترتيب على حسب الموضوع أي الباب الفقهي، أو أفردوا القواعد أو الضوابط ذات الموضوع الواحد بالتأليف كالدكتور أحمد الندوي في كتابه «موسوعة القواعد والضوابط الفقهية الحاكمة للمعاملات المالية في الفقه الإسلامي» أو ممن اعتنى بقاعدة معينة أفردها بالدراسة والتأليف كما فعل الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه « نظرية الضمان»[51]

المطلب الثاني: تأثير القاعدة في اختلاف الفتوى

إن تأهيل الفقه الإسلامي للإجابة عن قضايا المسلمين، وإقامة واقعهم على هدي من الشريعة الإسلامية، يتطلبان إيجاد منهج أصولي وإفتائي يملك قدرا كبيرا من السعة والمرونة والقدرة على مجابهة التحديات المعاصرة والوفاء بحاجات النهضة.

وإن من لوازم التجديد في مختلف حلقات الثقافة الإسلامية أن يأخذ الاجتهاد والإفتاء وجهات جديدة تفي بحاجات الواقع وتستوعب التطور الحاصل في الحياة المعاصرة.

وهذا الاجتهاد لا يحصل إلا بالاعتماد على وسائل أقدر على فهم حقائق الكون وقوانين الاجتماع البشري والنفس الإنسانية وتوظيفها في فهم النصوص في إطار تحقيق المقاصد والغايات الشرعية وإيجاد صور وأشكال لتحقيق القيم والأحكام الإسلامية[52].

ولعل من أهم ما ميز الفقه الإسلامي طيلة حياته الممتدة على مدى أربعة عشر قرنا الثروة العلمية التي أثلها علماؤنا الأفاضل، هذه الثروة العظيمة احتل فيها الخلاف بين المدارس الفقهية نصيبا وافرا وحيزا كبيرا حتى ألفت فيه المؤلفات وصار علما مستقلا، والإحاطة به ضرورية لكل من يروم الاجتهاد.

وتعد الفتوى أكبر مظهر يتجلى فيه الخلاف الفقهي، إذ تعددت الأسباب التي أدت إلى ذلك وقد فصلها الأئمة واعتنوا ببيانها في مؤلفات خاصة، وتبقى القواعد الفقهية من أبرز العناصر التي يستند إليها هذا الخلاف الفقهي.

  • تعريف الخلاف الفقهي:

استعمل العرب مدة (خلف) ومشتقاتها لإفادة عدة معان متداخلة، لكنها تنحصر في أصلين: الأصل الأول يعني التعاقب والتتالي، والأصل الثاني في معنى المضادة والمغايرة[53].

وهو عند الفقهاء « أن تكون اجتهاداتهم وآراؤهم وأقوالهم في مسألة ما متغيرة. كأن يقول بعضهم هذه المسألة حكمها الوجوب، ويقول البعض حكمها الندب ويقول البعض حكمها الإباحة، وهكذا[54]. قال ابن خلدون (ت808ه): « وأما الخلافيات فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، … ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة … أجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه … ولابد لصاحبه (يقصد علم الخلاف) من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته»[55].

  • بين الخلاف والاختلاف؟

يقول الدكتور محمد الروكي: «والملحوظ في استعمال الفقهاء: أنهم لم يفرقوا بين الخلاف والاختلاف، لأن معناهما العام واحد. وإنما وضعت كل واحدة من الكلمتين للدلالة على هذا المعنى من جهة اعتبار معين… إذا استعملنا كلمة « خالف» كان ذلك دالا على أن طرفا من الفقهاء – شخصا أو أكثر- جاء باجتهاد مغاير لاجتهاد الآخرين،… لكن إذا نظرنا إلى طرفين من أطراف الخلاف أو غلى أطرافه كافة، فإننا نسمي ما ينشأ عنهم ممن آراء متغايرة: اختلافا… ويؤكد هذا التفريق اللفظي الدقيق استعمال القرآن الكريم لمادة الخلاف والاختلاف، فقد قال الله تعالى على لسان نوح عليه الصلاة والسلام: ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) فلما كان السياق هنا مرتبطا بطرف واحد من أطراف الخلاف، عبر عنه بكلمة « أخالف» لكن حينما يكون السياق هنا مرتبطا بكافة أطراف الخلاف يعبر حينئذ بكلمة «اختلف» كقوله تعالى: ( فاختلف الأحزاب من بينهم)»[56]، وبذلك يتحدد الفرق بين الخلاف والاختلاف بالأساس في الإسناد، إذ يسند الفعل في الأولى إلى طرف واحد، فيقال: خالف فلان فلانا، وفي الثانية إلى طرفين يرتبطان بأداة العطف أو المعية فيقال: اختلف فلان وفلان، أو اختلف فلان مع فلان»[57].

إلا أن بعض المتأخرين ذهبوا إلى التفرقة بين المصطلحين من هؤلاء العلماء: أبو البقاء الكفوي، والتهانوي، والشيخ محمد عطية سالم كما أشارت موسوعة الفقه الإسلامي إلى أن هذا رأي هذا البعض، وهذا التفريق غير صحيح كما سبقت الإشارة إلى ذلك فيكفي ما قاله الأستاذ أحمد البوشيخي: « أن الخلاف لو كان على الوجه الذي ذكروا لم يصح مراعاته من أحد، بينما المعلوم لدى كافة العلماء أن مراعات الخلاف أحد أصول المالكية، ولا يتصور أن يراعى عندهم وهو قائم على غير دليل أو واقع فيما لا يصح الاجتهاد فيه كالمنصوصات»[58]

المطلب الثالث: تأثير القواعد الفقهية في الفتوى

لقد بينا فيما سبق أن القواعد الفقهية لها علاقة وطيدة بالفتوى، وأنها إضافة إلى أسس أخرى مستندهم في الحجاج والدفاع عن ما يعتقدونه، ووسيلة لإلزام المخالف لهم، «إذ أن التقعيد الفقهي يعتبر من أهم أسباب الخلاف الفقهي، كما أن الخلاف الفقهي بدوره يعتبر سببا من أسباب تقعيد القواعد الفقهية، فبينهما علاقة وشيجة ومحكمة»[59] وتظهر هذه الرابطة في وجهين أولها حين وضع القاعدة الفقهية التي لم تؤخذ من نص شرعي، فإن القاعد حينها تكون مستمدة من الأشباه والنظائر وهنا يحصل الاختلاف في استنباط القواعد وإعمالها. أما الوجه الثاني فحين توضع القاعدة ففي هذه الحالة تكون الأشباه والنظائر مجالا لتطبيق القاعدة فيحصل الاختلاف في الفتوى المستنبطة منها، وقد أورد الدكتور محمد العلمي أمثلة على استعمال العلماء لقواعد أصولية وفقهية فيما وصفناه فيقول:»واعتمد – القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف – القواعد الفقهية والأصولية، لإلزام المخالف تارة وللاحتجاج عليه تارة أخرى، وهي غزيرة في الرد على الحنفية والشافعية والظاهرية على وجه الخصوص، ولذلك ساق ما احتج به من القواعد الأصولية والفقهية والضوابط والنظائر مساق التعليل، ومسبوقة بأداته «لأن» والاستدلال عنده من هذا الضرب كثير جدا حتى إنه يكثر منها في المسالة الواحدة»[60] ثم يضيف في حديثه عن ابن عبد البر وكتابه الاستذكار و» استدل ابن عبد البر كذلك بالقواعد الفقهية والأصولية في بعض الأحيان…. أما استدلاله بالقواعد الفقهية فمن أهم مواضعه قوله: «الصلاة لا تجب أن تؤدى إلا بطهارة متيقنة»[61] إلا أن كيفية تأثر الفتوى بالقاعدة الفقهية إنما هي راجعة للأصول التي اعتمدت في صياغة وتقعيد القاعدة، وقبل البحث في هذه الأصول يجمل بنا أن نتعرض إلى أمر مهم يمكن أن يعتبر سببا مباشرا في تأثر الفتوى بالقاعدة الفقهية وهو هل يمكن اعتبار القاعدة الفقهية حكما؟ وهل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهية دليلا يستنبط منه الحكم؟

اختلف الفقهاء في اعتبار القاعدة الفقهية دليلا شرعيا يصلح أن نستند إليه في الاستنباط، ونعتمد عليه في الترجيح، وانقسموا في ذلك إلى طائفتين:

الرأي الأول: عدم جواز الاستدلال بالقواعد الفقهية ما لم يوجد عليها نص صريح من الكتاب أو السنة، وممن قال بهذا الرأي الإمام الجويني في كتابه غياث الأمم حيث قال « وأنا الآن أضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفطن العجب منها، وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح… ولست أقصد الاستدلال بهما…فإن الزمان إذا فرض خاليا من التفاريع والتفاصيل لم يستند أهل الزمان إلا إلى المقطوع به…».

وكذلك ابن نجيم فيما نقله عنه الحموي أنه قال:» أنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية…»[62]، وما جاء في التقرير المصدر لمجلة الأحكام العدلية حيث ورد: « ليس لحكام الشرع الشريف أن يحكموا بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد ما لم يقفوا على نص صريح»[63]. وكذلك الدكتور علي أحمد الندوي فبعد نقله لأقوال المانعين قال: « فانطلاقا من هذه الأقوال يتسنى لنا القول بأنه لا يصح الرجوع إلى هذه القواعد كأدلة قضائية وحيدة. وليس من المعقول أن يجعل ما هو جامع ورابط للفروع دليلا م أدلة الشرع… فإنما هي شواهد يستأنس بها في تخريج أحكام القضايا الجديدة على المسائل الفقهية»[64] ونفس الرأي ذهب إليه الدكتور محمد الروكي فيما أراه حين أورد مقالة الإمام السيوطي: «اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم….ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة،…والحوادث…التي لا تنقضي على ممر الزمان» حيث قال: « لكن السيوطي هنا يشير إلى مزية أخرى هي القدرة على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام ما لا نص فيه من المسائل، فإن كان مراده بهذه القدرة مجرد تمهيد الطرق وتذليل السبل والمسالك…فنعم، وإن كان يريد بذلك أن القواعد الفقهية بذاتها توصل إلى مرتبة استنباط أحكام ما لا نص فيه، فلا نوافقه على ذلك … إلا أن يكون مقصوده بهذه القواعد كافتها أي بما فيها القواعد الفقهية الأصولية، فنعم حينئذ»[65].

الرأي الثاني: يجوز الاستدلال بالقواعد والضوابط الفقهية، حيث أنهم ذكروا أن ما أتى به المانعون غير مسلم به لأن الفروع التي توقفت عليها القواعد غير الفروع التي تفرعت عن القاعدة فافترقا، وكل قواعد العلوم إنما بنيت على فروع هذه العلوم وكانت ثمرة لها، وأقرب مثال لذلك قواعد الأصول وخاصة عند الحنفية حيث استنبطت من خلال أحكام المسائل الفرعية المنقولة عن الأئمة القدمين، ولم يقل أحد: إنه لا يجوز لنا أن نستند إلى تلك القواعد لتقرير الأحكام واستنباطها.

وممن ذهب للقول بهذا الرأي: القرافي، والسيوطي، وابن النجار الفتوحي الحنبلي ومن المعاصرين الدكتور البورنو حيث يقول: « إن القواعد الفقهية الاجتهادية استنبطها العلماء المجتهدون من معقول النصوص والقواعد العامة للشريعة، أو بناء على مصلحة رأوها أو عرف اعتبروه، أو استقراء استقرأوه، فعلى من تعرض لمثل هذه المسائل أن يكون على جانب كبير من الوعي والإدراك والإحاطة بالقواعد الفقهية وما بنيت عليه كل قاعدة أو استنبطت منه وما يمكن أن يستثنى من كل قاعدة حتى لا يندرج تحت القاعدة مسألة يقطع أو يظن خروجها عنها».

وكذلك الدكتور يعقوب باحسين في كتابه القواعد الفقهية حيث أفرد للمسألة فصلا كاملا أورد فيه رأي العلماء في المسألة ثم رد عليها بتعقيبات خرج معها بترجيح جواز اعتبار القاعد الفقهية دليلا شرعيا حيث قال: «إن كتب الفقه شاهد، غير مدفوع على قيام الفقهاء بالاعتماد عليها في جال الاستنباط أو التخريج أو الترجيح، فهذا إمام الحرمين الذي نقلنا عنه ما يمنع ذلك، بنى عشرات الأحكام في مختلف الأبواب على الأصول والقواعد، عند تعذر النص في كتابه « غياث الأمم في التياث الظلم». وما قيل من المنع من البناء على القواعد الفقهية من قبل بعض العلماء، لا يعني حسم الموضوع فإن مثل هذه الأقوال وردت على ألسنة طائفة من العلماء حتى في القواعد الأصولية لكن الراجح عند العلماء جواز ذلك بشرط عدم وجود النص والقدرة العلمية لمن يتولى هذا العمل وهذا الأمر نفسه نفرضه في القواعد الفقهية وقد بنى العلماء على القواعد والضوابط الفقهية ما لا يحصى من الفروع»[66].

وكذلك الدكتور محمود إسماعيل محمد مشعل في كتابه «أثر الخلاف الفقهي في القواعد المختلف فيها» حيث مال إلى جانب المجيزين إذ ختم بحثه بقوله: « إن الاستدلال بالقواعد الفقهية يخضع لقواعد الترجيح عند التعارض مع غيره من الأدلة فكما يقدم النص على القياس والعرف إذا خالفها، كذلك القاعدة الفقهية تطرح إذا عارضت النص، أو إذا عارضت ما هو أقوى منها من الأدلة»[67].

هذا من جهة دليلية القاعدة ومدى اعتباره عند الفقهاء، أما حين نأتي إلى القواعد نفسها فنحن نعلم أن منها ما هو متفق بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد جمعت هذه الأخيرة تحت باب القواعد المختلف فيها، وهذا الاختلاف إنما مرجعه إلى أن عملية تقعيد القاعدة هي قبل كل شيء عملية بشرية يتحتم معها حصول الاختلاف، وكلامنا هنا ينسحب على القواعد الفقهية المرجوع في تقعيدها إلى آحاد النصوص، وليس إلى القواعد الكلية كما اصطلح على تسميتها جمع من العلماء، وسماها الدكتور الروكي بالقواعد الشرعية، حيث تعقب المصطلح في كتابه « نظرية التقعيد» مفصلا حججه التي استند إليها لتقرير مذهبه، وهي أن يتوصل إليها عن طريق استقراء نصوص الشرع وتتبع مقاصده، وهذه القواعد لا مجال فيها للاختلاف من جهة أصل تقعيدها[68].

وفي الجملة فإن الاختلاف الحاصل مرده إلى أصل تقعيد القاعدة الفقهية، إذ هي تخضع لأصول شرعية، ومعلوم أن هذه الأصول سواء النصية منها أو العقلية هي بذاتها السبب الذي يستند إليه الخلاف الفقهي في جزئياته، فبعضه يرجع إلى النص من جهة روايته وبعضها يرجع إليه من حيث دلالته، كما يرجع بعضها إلى طرق الاجتهاد والأدلة العقلية التي يجتهد بها الفقهاء، فقد يختلفون في الجزئية الواحدة فيقرر فيها بعضهم حكما، ويقرر البعض الآخر حكما مخالفا، ومثاله اختلافهم في عدة المطلقة فقد ذهب الجمهور إلى أنها تعتد بثلاثة أطهار بينما ذهب الحنفية إلى أنها تعتد بثلاث حيضات. وسبب هذا الاختلاف راجع إلى دلالة النص، ذلك أن كلمة «قرء» في قوله تعالى « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء»[69] هو في اللغة من قبيل المشترك فهو يطلق على الحيض والطهر معا. وهكذا في سائر أسباب الاختلاف التي ينتج عنها الاختلاف في الفروع المتعلقة بها[70].

فإذا علمنا هذا في الجزئيات فهو كذلك في الكليات إذ أن أسباب الخلاف الواقعة بين الفقهاء في الجزئيات هي نفسها التي تقع بينهم في الكليات، ومعناه « أن الفقهاء حينما يريدون تقعيد القاعدة واستنباط حكمها الكلي من مصادره الشرعية، قد يختلفون في ذلك بأحد أسباب الخلاف. والفقهاء في الاستنباط هم عرضة للاختلاف سواء كان استنباطهم لأحكام جزئية أو كلية، وإذا اختلف الفقهاء في أصل القاعدة وحكمها الكلي، فطبيعي أن يختلفوا فيما يندرج فيها من فروع.

ومن هنا كان التقعيد الفقهي سببا من أسباب اختلاف الفقهاء لأن الاختلاف في تقعيد القاعدة يفضي إلى الاختلاف في فروعها»[71]. خاصة وأن هذه القواعد يستنبطها الفقهاء كما سبقت الإشارة من قبل من آحاد النصوص، مما يجعلها تدخل في نطاق الظني الذي هو ساحة فسيحة للخلاف، حتى وإن كانت القاعدة بنيتها نص شرعي فهو يبقى خاضع لأسباب الخلاف التي تتطرف إليه سواء من جهة ثبوته أو من جهة دلالته، أو من جهة ملابساته الخارجية[72].

وكذلك هي القواعد الاجتهادية التي استنبطها العلماء المجتهدون من معقول النصوص، ومصادر التشريع التبعية، كالاستحسان والعرف، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والقياس فهي أكثر عرضة للخلاف من اعتماد القاعدة على النص الشرعي فالقياس مثلا كأصل من أصول التقعيد فإنه يكون سببا للخلاف من جهة إجراء القياس واعتماده أساسا، أو من جهة طرق إجرائه، كإجرائه مع ثبوت النص، أو إجرائه على الفرع المقيس، أو على ثابت بالإجماع، أو غير ذلك من طرق القياس، والأمر ينطبق على باقي الأصول كذلك.

المطلب الرابع: تطبيقات توضيحية

في هذا المطلب سنحاول أن نمثل لما قلناه بأمثلة تطبيقية تجلي لنا كيف تختلف الفتوى تأثرا بالقاعدة الفقهية سواء فيما بين المذاهب أو داخل المذهب الواحد، وأيضا سواء تعلق الأمر بالقواعد التي بنيتها النص الشرعي أو المستنبطة منه، أو بالقواعد الفقهية التي استندت إلى الأصول العقلية.

1 – قاعدة الخراج بالضمان[73]

هذه القاعدة هي نص حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله عنها، أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استعمل غلامي . فقال: الخراج بالضمان»[74]. ومعنى هذه القاعدة أن من يضمن شيئا لو تلف ينتفع به في مقابلة الضمان. مثلا لو رد المشتري حيوانا بخيار العيب وكان قد استعمله مدة لا تلزمه أجرته لأنه لو كان قد تلف في يده قبل الرد لكان من ماله أي أن خسارته كانت راجعة عليه كذلك[75]. وخلاصته أن الشيء الذي مؤونته على إنسان، إذا تلف يكون تلفه عائدا عليه، يقال لذلك الشيء أنه في ضمانه. وبمقابله هذا تكون منافعه خاصة به سواء انتفع بها لنفسه أو تناول غلتها[76].

والخراج هو الغلة التي تحصل منه، كمنافع الشيء وأجرة الدابة. وهو الإتاوة[77].

والضمان يراد به عند الفقهاء أحد معنيين[78]:

أنه بمعنى الكفالة، وتسمى أيضا الحمالة والزعامة. وهي أن يلتزم الشخص بتحمل ما في ذمة غيره من حقوق الناس…فبمقتضى التزامه يكون مسؤولا عما في ذمة مضمونه…

أنه بمعنى الغرم كضمان المتلفات مثلا. وهذا هو المعنى الذي يهمنا

هذه القاعدة رغم أنها منتزعة من النص الشرعي إلا أن الفقهاء اختلفوا فيها « من جهة أن النص الحديثي الذي هو بنيتها ورد بصيغة العموم، وقد يمكن أن يلتمس له ما يخصه، فيكون ذلك مثار اختلاف الفقهاء هل يحمل ذلك العموم على الخصوص أم لا؟ ومن الفروع التي اختلف فيها الفقهاء بسبب ذلك:

  • ضمان منافع الأعيان المغصوبة:

اختلف الفقهاء في منافع العين المغصوبة هل يضمنها الغاصب أم لا؟

فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يضمنها قال الدبوسي: «إنه لا ضمانَ على قاطع الطريق فيما أتْلَفَ عندنا.

وعند أبي عبد الله: يضمن»[79]. وكذا ابن حنبل أنه يضمن، ونقل عن الإمام مالك الروايتان معا، وقد قرر الإمام القرافي أن أسباب ضمان المتلفات عند المالكية ثلاثة: التفويت المباشر كقتل الحيوان، أو إحراق الثوب، والتسبب للإتلاف كإيقاد النار قريبا من زرع الغير، ووضع اليد سواء بالاعتداء، كالسرقة أو الغصب أو بغير اعتداء، كقبض العين المبيعة، والمرهونة والمقترضة[80].

وقد اختلف فقهاء المذهب في ذلك اختلافا كثيرا، ونقل عنهم فيه خمسة أقوال على جهة الإجمال.

وقد تمسك أبو حنيفة ومن تبعه ممن قال بعدم الضمان، بعموم قوله صلى الله عليه وسلم «الخراج بالضمان» أما الذين قالوا بالضمان فقد خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق حق». فسبب الخلاف إذا كما هو واضح هو العموم والخصوص.

  • ضمان المبيع قبل القبض هل هو على البائع أم على المشتري؟

اختلف الفقهاء في المبيع إذا كان متعينا وهلك قبل أن يقبضه المشتري، هل يكون ضمانه على البائع أم على المشتري؟

فذهب بعض الفقهاء كالمالكية إلى أن الضمان على المشتري عملا بقاعدة: الخراج بالضمان، وذهب بعضهم كالأحناف والشافعي إلى أن الضمان على البائع باعتبار أن المبيع هلك بيده قال القاضي عبد الوهاب:» سائر المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها كالعبيد والعروض، وغيرهما مما يكال أو يوزن إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق التوفية، فضماها على المشتري قبل القبض.

وقال أبو حنيفة والشافعي: ضمانها على البائع حتى يقبضها، فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: « الخراج بالضمان» فجعل الخراج لمن يكون منه، وقد ثبت أن خراج المبيع قبل القبض يكون للمشتري، فيجب أن يكون ضمانه منه، لأنه مبيع متعين لا يتعين به حق توفية، خراجه للمشتري، فكان تلفه منه، أصله إذا قبض»[81]

وسبب الخلاف أن الذين قالوا إن الضمان على المشتري تمسكوا بعموم الحديث الذي هو أصل القاعدة وبنيتها، والذين قالوا: إن الضمان على البائع اعتبروا أن هذه المسالة ليست من مشمولات الحديث وإن « الخراج بالضمان» يرتبط بحالات ما بعد القبض[82]

2 – قاعدة: العصيان ينافي الترخص أم لا؟

هذه القاعد أوردها الونشريسي بصيغة استفهامية مشعرا بالاختلاف حولها إذ قال: «العصيان هل ينافي الترخيص، أم لا؟ وعليه تيمم العاصي بسفره وقصره وفطره وتناوله الميتة، ومسح المحرم العاصي بلبسه»[83] وهذه القاعدة عبر عنها الشافعية وغيرهم بصيغة الجزم، فقالوا: الرخص لا تناط بالمعاصي.

«والمراد بالترخيص منح المكلف رخص الشرع وتخفيفاته وذلك بالنقصان من التكليف أو بإسقاطه، أو بإبداله…لأسباب يعتبرها الشرع ويعتد بها كالسفر والمرض…والمفروض أن يكون انتفاع المكلف برخص الشرع في حالة طاعته أما إذا كان عاصيا…فإن ذلك يتنافى مع ترخيص الشرع…وهذا معنى قاعدة « العصيان ينافي الترخص» وهي مستنبطة من قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وهذه الآية فيها إجمال واشتراك جملي لأنها تحتمل معنيين:

الأول: غير باغ ولا عاد: أي غير قاطع سبيل ولا مفارق جماعة ولا خارج في معصية…

الثاني: غير باغ ولا عاد: أي غير متجاوز حدود الضرورة ولا متعد الذي أبيح له…»[84].

ثم إن المالكية قد اختلفوا في الرخصة «أهي معونة فلا تتناول المعاصي، أم هي تخفيف فتتناوله، فإن كانت معونة من الله تعالى لمن وجد في حقه سبب الترخيص، فلا يجوز لمن كان عاصياً أن يترخص بها، لأن العاصي لا يعان، بل يجب أن يعاقب على المعصية بمنعه من الرخصة، إذ لا يستعان بنعم الله على معاصيه، وإنما يستعان بنعمه على شكره. فإن قيل: إن المنع من الرخصة، كالتيمم مثلاً، فيه تكثير بترك الصلاة. فإن العاصي متمكن من التوبة، فعليه أن يتوب ويترخص، فهي معصية يمكنه رفعها لو أراد فلا أثر لها، وقال بهذا القول ابن العربي رحمه اللّه تعالى وتشدد فيه. وإن كانت الرخص تخفيفاً، فإنها تتناول كل مسلم: العاصي وغيره، لأن التخفيف ورفع الحرج عام في الشريعة. وقال بهذا القرطبي، ورد على ابن العربي فقال: «قلت: الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشر معصية مما هو فيه، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حالٍ، فتمحو التوبة عنه ما كان «[85].

فالاشتراك اللغوي سبب من أسباب اختلاف الفقهاء كما هو معروف وقد انبنى عليه اختلاف الفقهاء في الآية المتقدمة مما جعلهم يختلفون في القاعدة المستنبطة منها حيث أقرها الحنابلة بناء على أن المراد بالبغي والعدوان في الآية: هو العصيان في السفر، ولم يقرها البعض كالأحناف انطلاقا من المعنى الآخر. نقل عن الشافعية المذهبان معا»[86]. أما المالكية فقد قدمنا اختلافهم في المسألة.

3 – قاعدة: القياس جار في الشرعيات[87]

هذه القاعدة مدراها حول جواز التعبد بالقياس في الأمور الشرعية، وقد اختلفوا في ذلك ومعناها أن الفروع يمكن الحكم عليها بنفس الأحكام المنصوصة في مثيلاتها، وهذا هو مذهب الجمهور قال صاحبا الإبهاج: «قال (يقصدا الإمام البيضاوي) الرابع: القياس يجري في الشرعيات حتى الحدود والكفارات) هذه المسألة معقودة لبيان ما يجري فيه القياس وما لا يجري وفيها أبحاث: الأول أنه يجري في الشرعيات بمعنى أنه موجود فيها ويصح ذلك بوجوده في بعضها وتكون الألف واللام في قول المصنف الشرعيات للجنس دون العموم. قال الغزالي فكل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه، وليس المراد أنه يجوز إثبات جميع الشرعيات به، فإن ذلك ممتنع خلافا لبعض الشاذين. لنا أن القياس لا يتحقق إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، فحكم الأصل إن كان بغير القياس صح المدعى، وهو أنها لم تثبت كلها بالقياس، وإن كان بالقياس فالكلام فيه كالأول، ويلزم إما الدور أو التسلسل، وإن ثبت من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة، والقياس فرع تعقل المعنى. قالوا الأحكام متماثلة لدخولها تحت الحكم الشرعي فيجب تساويها فيما جاز على بعضها من القياس قلنا قد يمتنع أو يجوز في بعض أفراد النوع أمر لأجل أمر اختص بذلك البعض ويكون المشترك بين جميع الأفراد بخلاف ذلك البعض في امتناع ذلك الأمر وجوازه»[88]. أما الظاهرية ومن تابعهم في نفي القياس فصياغة القاعدة عندهم أنه « لا قياس في الشرع «، قال الجبائي والكرخي… لا يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس[89].

وقد انبنى على اختلافهم هذا اختلاف في عدد لا يحصى من الفروع والجزئيات الفقهية، ومما اختلفوا فيه السعوط وهو إيصال اللبن إلى الجوف عن طريق صبه في الأنف، وكذلك في الوجور وهو إيصال اللبن إلى الجوف عن طريق صبه في الحلق من غير ثدي، فجمهور الفقهاء يقيسونه على الرضاع بالطريقة المعروفة أي من الثدي مباشرة ويثبتون به التحريم، أما الظاهرية فلا يقيسونه على الرضاع، ومن ثم فلا يثبتون به التحريم.

وسبب الاختلاف هو أن الجمهور قاسوا الوجور والسعوط على الرضاع من جهة إنبات اللحم وإنشاز العظم وحجتهم في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم»[90] فرأوا أن كلا الفعلين اشتركا في علة واحدة.

وأما الظاهرية فقد بسط حجتها ابن حزم (ت 456ه) في قوله: « أما صفة الرضاع المحرم، فإنما هو: ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط. فأما من سقي لبن امرأة فشربه من إناء، أو حلب في فيه فبلعه؛ أو أطعمه بخبز، أو في طعام، أو صب في فمه، أو في أنفه، أو في أذنه، أو حقن به: فكل ذلك لا يحرم شيئا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله. برهان ذلك: قول الله عز وجل: «وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب}. فلم يحرم الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى نكاحا، إلا بالإرضاع والرضاعة والرضاع فقط – ولا يسمى إرضاعا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع – يقال أرضعته ترضعه إرضاعا.

ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعا إلا أخذ المرضع، أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه – تقول: رضع يرضع رضاعا ورضاعة. وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شيء منه إرضاعا، ولا رضاعة ولا رضاعا، إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله عز وجل بهذا شيئا.

فإن قالوا: قسنا ذلك على الرضاع والإرضاع؟

قلنا: القياس كله باطل، ولو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة أشبه بالرضاع من امرأة، لأنهما جميعا رضاع من الحقنة بالرضاع، ومن السعوط بالرضاع، وهم لا يحرمون بغير النساء – فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله عز وجل. قال أبو محمد: وقد اختلف الناس في هذا- : فقال الليث بن سعد: لا يحرم السعوط بلبن المرأة ولا يحرم أن يسقى الصبي لبن المرأة في الدواء، لأنه ليس برضاع، إنما الرضاع ما مص من الثدي، هذا نص قول الليث، وهذا قولنا، وهو قول أبي سليمان، وأصحابنا»[91].

هذا فيما يخص الاتفاق حول أصل القياس أما الذين اجتمع رأيهم على اعتبار القياس أصلا من أصول الشريعة فقد اختلفوا في سبب العلة الموجبة للقياس كمثل قاعدة «الحدود تثبت بالقياس» فالشافعية والحنابلة وعامة المالكية يعملونها باعتبار أن الحدود علتها معقولة المعنى، أما الأحناف فقد خالفوهم في جريان القياس في الحدود باعتبار أنها غير معقولة المعنى، ويبدو لي أن حقيقة الخلاف الحاصل إنما مرده إلى أن الأحناف نظروا إلى المسالة من جهة المقادير التي اشتملت عليها الحدود فمنعوا إجراء القياس عليها لأنها غير معقولة المعنى فمقدار ما يحصل به الردع والزجر لا يعلمه إلا الله، بينما الجمهور نظرهم إلى حقيقة العلة التي يتضمنها الفعل الموجب للحد.

أو هم اختلفوا في تحديد ماهية العلة الموجبة للقياس كاختلافهم حول قاعدة « ما قارب الشيء يعطى حكمه» فقد صاغها الونشريسي (ت914 ه) بأسلوب الاستفهام منبئا عن الخلاف فيها:» ما قرب من الشيء هل يعطى حكمه؟»[92] وسبب الاختلاف راجع إلى أن من أخذ بالقاعدة رأى القياس جاريا عليها انطلاقا من أن الشيئين إذا تقاربا في المعنى والقصد كانت علتها واحدة، وبالتالي فحكمهما واحد بحكم القياس، أما من لم يقل بحجيتها فقد رأى أن العلة ليست واحد فما قارب الشيء هو على أصله لا يعطى حكم مقاربه. قال الونشريسي: «وعليه العفو عما قرب من محلل الاستجمار، وتقدم العقد على الإذن بالزمن اليسير، ولزوم طلاق المراهق وحده وقتله،…وتقديم الزكاة قبل الحلول بيسير، والنية قبل محلها في الوضوء، والصلاة بيسير، وإفادته المبيع بالثنيا والعهدة والخيار بعد زمنهما بيسير…»[93].

4 – قاعدة: العزم على الشيء هل هو كمباشرة ذلك الشيء؟

هذه القاعدة أوردها الدبوسي (ت 430ه) بقوله: «الأصل عند الإِمام مالك بن أنس رضي الله عنه: أن العزم على الشيء بمنزلة المباشرةِ لذلك الشيء، وليس العزمُ على الشيء بمنزلة المباشرةِ لذلك الشيء عندنا، وعلى هذا مسائل منها ما قال أصحابنا: إن الرجل إذا عزم أن يطلِّقَ امرأته، لا يقع عليها شيءٌ ما لم يُوقِع الطلاقَ. وعند الإِمام مالك رضي الله عنه: يقع بنفس العزم. وعلى هذا قال أصحابنا: لو حلَف ليفعلَنَّ كذا في المستقبل، لم يَحنَثْ ما دام يُرجى منه ذلك الفعلُ. وعند الإِمام مالك رضي الله عنه: إذا عزم بقلبه أن لا يفعلَ ذلك الفعلَ، أو على أن يفعلَ ذلك الفعلَ، يَحنَثُ في يمينه. وقال سعيد بن المسيِّب: إذا مضى شهرٌ ولم يفعل، حَنِثَ في يمينه»[94].

قال الجلاب (ت378ه): « ومن اعتقد الطلاق بقلبه، ولم يلفظ بلسانه، ففيه عن مالك روايتان، إحداهما: أنه يلزمه الطلاق باعتقاده، كما يكون كافرا أو مؤمنا باعتقاده، والرواية الأخرى: أنه لا يكون مطلقا إلا بلفظه»[95].

وحجة قول من قال بسريان العزم حديث: « إنما الأعمال بالنيات» فالحديث واضح في الدلالة على أنه إذا عزم المكلف على الطلاق بقلبه ونواه، فإنه يقع عليه بهذه النية فالحديث في عمومه يرتب الآثار على النية. ويستدل أيضا بالقياس كما أورد ابن الجلاب على من اعتقد الكفر بقلبه كفر وإن لم يتلفظ به قال تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم).

أما من قال بعدم وقوع الطلاق بمجرد النية من غير تلفظ اللسان به وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة والشافعي، وأحمد، والثوري، وإسحاق، وابن حزم وحجتهم:

حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:» إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». قال قتادة: «إذا طلق في نفسه فليس بشيء»[96] .

أن الطلاق تصرف يزيل الملك، فلم يحصل بالنية كالبيع والهبة.

أن إيقاع الطلاق بالنية لا يثبت إلا بأصل، أو بالقياس على ما تبث بأصل، وليس ههنا أصل، ولا قياس على ما ثبت بأصل، فلم يثبت.[97]

خاتمة:

لقد حاولنا ملامسة موضوع مهم أصبح يطرح نفسه بإلحاح في عصرنا الحالي، خاصة ما تعرفه الساحة الإسلامية من انفجار مهول للفتاوى بعد انتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة واتساع رقعة الأنترنت وظهور شبكات التواصل الاجتماعي. فالتعامل الصحيح مع القواعد الفقهية واستثمارها في الفتوى هو من أنجح الوسائل في توجيه الخلاف الفقهي الذي ما فتئ يزداد بازدياد الحوادث والنوازل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والفكرية في عصرنا الموار، واستيعاب مستجدات العصر بفضل تطور التفكير التقعيدي كما عبر عن ذلك أحد كبار القانونيين وهو السنهوري حين طالب بصياغة نظريات ومبادئ من خلال تراثنا الفقهي قد تفوق في شموليتها ومسايرتها للتطور أعظم النظريات الفقهية التي يفخر بها اليوم الغرب الحديث.

وقد سلك الفقهاء في القواعد الفقهية مسلكين اثنين أولها مسلك استنباط الأحكام الكلية من أصولها الشرعية وبذلك تكون القاعدة الفقهية حكم كلي مستند إلى دليل شرعي انطبق على جزئياته إما على سبيل الأغلبية أو الاطراد.

أما المسلك الثاني فهو مسلك التقنين كما سماه الدكتور الروكي وهو العمد إلى جملة من الفروع تجمعها وحدة الموضوع ونظمها في كلام موجز جامع.

القواعد الفقهية تظل سببا من أسباب الاختلاف الفقهي من جهة أن القاعدة إذا وقع الخلاف في تقعيدها أو في طريقة صياغتها، انبنى على ذلك اختلاف في فروعها، لذلك وجب النظر إلى النفس المقاصدي الذي تحمله هذه القواعد في طياتها – خاصة منها القواعد الكبرى – والعمل على ربطها بمقاصد الشريعة عبر معرفة الرابط بين الفروع الفقهية وتحقيق العلل المشتركة فيما بينها حتى يبرز المقصد العام لهذا القاعدة وأختم بكلام للدكتور الندوي في كتابه القواعد الفقهية إذ يقول: «إذا تأملنا في كثير من القواعد الفقهية، وجدناها مبنية على رفع الحرج، وهي تلمح إلى أن الأحكام الشرعية العملية بوجه عام قد روعي فيها جانب السعة والتخفيف عن العباد».

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 


لائحة المراجع والمصادر:

ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق علي بن محمد العمران، ط1، دار عالم الفوائد.

ابن الجلاب أبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن البصري، التفريع في فقه الإمام مالك، دراسة وتحقيق حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1987م.

ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي بن علي، هدي الساري مقدمة فتح الباري، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز، المكتبة السلفية.

ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، المحلى بالآثار، تحقيق عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2003م.

ابن فارس بن زكريا أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979م.

ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق وتعليق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، ط3، 1997م.

ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت.

الباحسين يعقوب بن عبد الوهاب، القواعد الفقهية، الناشر مكتبة الرشد الرياض، ط1، 1998م.

البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله، الجامع الصحيح، الناشر دار ابن كثير – دمشق / بيروت، ط1، 2002م.

البورنو محمد صدقي بن أحمد، موسوعة القواعد الفقهية جمع وترتيب، مؤسسة الرسالة، ط1، 1997.

الدبوسي أبي زيد عبيد الله عمر ابن عيسى الحنفي، تأسيس النظر، تحقيق مصطفى محمد القباني الدمشقي، دار ابن زيدون للطباعة والنشر بيروت، بدون طبعة وسنة الطبع.

الدعاس عزت عبيد، القواعد الفقهية مع الشرح الموجز، دار الترمذي، ط3، 1989م.

الرازي محمد بن أبي بكر عبد القادر، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، 1987م.

الروكي محمد، قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي، دار القلم، ط1، 1998.

الروكي محمد، نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، دار الصفاء ودار ابن حزم، ط1/ 2000م.

رياض محمد، أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي، الطبعة الأولى، 1996.

الزبيدي محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، طبعة الكويت، ط 2.

الزحيلي محمد مصطفى، القواعد وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، دار الفكر دمشق، ط1، 2006م.

الزمخشري جار الله أبي القاسم محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة بيروت، 1979م، بدون رقم الطبعة.

زنجاني محمود بن أحمد، تخريج الفروع على الأصول، الناشر جامعة مشق كلية الشريعة، سنة1962.

السبكي تقي الدين علي بن عبد الكافي والسبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، دراسة وتحقيق أحمد جمال الزمزمي ونور الدين عبد الجبار صغيري، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط1، 2004م.

السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة1، 1991م.

السيوطي جلال الدين عبد الرحمن، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار الكتب العلمية، ط1، 1983م.

رسالة القضاء لسيدنا عمر ابن الخطاب، توثيق وتحقيق ودراسة أحمد سحنون، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، 1992م.

الشاطبي أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، الموافقات في أصول الشريعة، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2004م.

الشوكاني محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق وتعليق أبو حفص سامي بن العربي الأثري، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، ط1، 2000م.

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط1، 2006،

العلمي محمد، المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، ط1.

علي جمعة محمد، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، دار السلام، ط4، 2012.

الفيروزابادي، القاموس المحيط، دار الفكر، بيروت.

القرافي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المصري المالكي، أنوار البروق في أنواء الفروق، دارسة وتحقيق مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية، دار السلام، ط 1، 2001.

القرضاوي يوسف، القواعد الحاكمة لفقه المعاملات، بحث مقدم للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة سنة2008م، نشر دار الشروق، القاهرة.

اللقاني إبراهيم، منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى، تقديم وتحقيق عبد الله الهلالي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية بدون رقم الطبعة 1423هـ/2002م.

مجلة الأحكام العدلية، شرح سليم رستم، بيروت المطبعة الأدبية، ط3، 1923 م.

مشعل محمود إسماعيل محمد، أثر الخلاف الفقهي في القواعد المختلف فيها ومدى تطبيقها في الفروع المعاصرة، دار السلام، ط2، 2009.

الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية مفهومها، نشأتها، دراسة مؤلفاتها، أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها. دار القلم.

الونشريسي أبي العباس أحمد بن يحيى التلمساني، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك مطبوع مع عدة الفروق في جمع ما في المذهب من اجموع والفروق، تحقيق أحمد فريدي المزيدي، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2005م.

اليوبي لحسن، الفتوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية دراسة وتحليل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، ط1، 1989.


[1] الروكي محمد، نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، دار الصفاء ودار ابن حزم، ط1/ 2000م، ص 16.

[2]– القرافي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المصري المالكي، أنوار البروق في أنواء الفروق، دارسة وتحقيق مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية، دار السلام ط1،2001، ج1، ص71.

[3] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت ج. 3، ص: 361، مادة قعد حرف الدال

[4] السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة1، 1991م، 1ج، ص11

[5] مجلة الأحكام العدلية شرح سليم رستم، بيروت المطبعة الأدبية، ط3، 1923 م ص17

[6] نظرية التقعيد الفقهي، م.س، ص 53. ويقصد بالحقائق الأمور التي بنى عليها تصوره لتعريف القاعدة. وقد رد د. الروكي مجموعة من التعاريف وردت عن مجموعة من العلماء منهم الزرقا والندوي ومحمد أنيس عبادة وغيرهم.

[7]– ابن فارس بن زكريا أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979م، ج4، ص 442، باب الفاء والقاف وما يثلثهما.

[8]– أبو زهرة محمد، أصول الفقه، دار الفكر العربي، بدون طبعة أو سنة نشر، ص: 6.

[9]– الفروق، م س، ج. 1، ص: 2 و3.

[10]– الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط1، 2006، ص: 12.

[11]– علي جمعة محمد، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، دار السلام، ط4، 2012، ص411و412

[12]– البورنو محمد صدقي بن أحمد، موسوعة القواعد الفقهية جمع وترتيب، مؤسسة الرسالة، ط1، 1997، ج1، ص27.

[13]– نظرية التقعيد الفقهي، م س، ص: 57.

[14]– الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية مفهومها، نشأتها، دراسة مؤلفاتها، أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها. دار القلم، ط8، 2009م، ص: 69.

[15]– تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، م س ، ص: 11.

[16] مجلة الأحكام العدلية، م س، ص 2

[17]– القواعد الفقهية ، م س، ص46.

[18]– م ن، ص: 51.

[19] الروكي محمد، قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي، دار القلم، ط1، 1998، ص 121

[20] الفروق، م س، ج1، ص3

[21] قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف، م س، ص124 .

[22] انظر قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف، م س، ص128-130 بتصرف.

[23] ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق علي بن محمد العمران، ط1، دار عالم الفوائد، ص 143.

[24] رسالة القضاء لسيدنا عمر ابن الخطاب، توثيق وتحقيق ودراسة أحمد سحنون، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب،1992م، ص315-316-317-318-319-320.

[25] السيوطي جلال الدين عبد الرحمن، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار الكتب العلمية، ط1، 1983م، ص7

[26] القواعد الفقهية، م س، ص 92

[27] قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف، م س، ص134

[28] القواعد الفقهية، م س، ص 92

[29] قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف، م س، ص135

[30] نفسه، ص 140

[31] انظر: ابن منظور، لسان العرب، م 15، ص: 145، دار صادر، بيروت. وابن فارس أبي الحسن أحمد، معجم مقايس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، م/5، ص: 473، دار الجيل، بيروت. والفيروزابادي، القاموس المحيط، م/4، ص: 373، دار الفكر، بيروت.

[32]– رياض محمد، أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي، الطبعة الأولى، 1996، ص: 175-176.

[33]– ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي بن علي، هدي الساري مقدمة فتح الباري، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز، المكتبة السلفية، ج1 ص: 165

[34]– الفروق، م س، 4/53،

[35]– اليوبي لحسن، الفتوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية دراسة وتحليل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، ط1، 1989، ص: 94.

[36]– ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق وتعليق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، ط3،1997م ج 1، ص19.

[37]– سورة النساء، الآية: 58.

[38]– الشاطبي أبو إسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، الموافقات في أصول الشريعة، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2004م، ص 868

[39]– اللقاني إبراهيم، منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى، تقديم وتحقيق عبد الله الهلالي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، بدون رقم الطبعة 1423هـ/2002م.

[40]– أخرجه أبو داود في كتاب العلم.

[41]– منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى، م س، ص: 12.

[42]– سورة المائدة، الآية: 69.

[43] الشوكاني محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق وتعليق أبو حفص سامي بن العربي الأثري، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، ط1، 2000م، ج2، ص 1027.

[44]  الروكي محمد، مداخلة في الندوة العلمية الوطنية حول موضوع: «الفتوى بين الضوابط الشرعية والتحديات المعاصرة» عن جريدة التجديد http://www.attajdid.info/def.asp?codelangue=6&infoun=63207&date_ar=2010/12/23

[45] زنجاني محمود بن أحمد تخريج الفروع على الأصول، الناشر جامعة مشق كلية الشريعة، سنة1962،

[46]– القرضاوي يوسف، القواعد الحاكمة لفقه المعاملات، بحث مقدم للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة سنة2008م، نشر ار الشروق بالقاهرة، ص4

[47] ينظر كتاب قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف، ص 124

[48] الأشباه والنظائر، م س، ص6

[49] مشعل محمود إسماعيل محمد، أثر الخلاف الفقهى فى القواعد المختلف فيها ومدى تطبيقها فى الفروع المعاصرة، دار السلام، ط2،2009م، ص 235

[50] الفتوى بين الضوابط الشرعية والتحديات المعاصرة، م س.

[51] ينظر كتاب أثر الخلاف الفقهي في القواعد الفقهية، م س، ص 225-226-227-228

[52] الصحبي بن مسعود مقال على موقع: http://fiqh.islammessage.com

[53] انظر: الزمخشري جار الله أبي القاسم محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة بيروت، 1979م بدون رقم الطبعة، والرازي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، مادة خلف.

[54] ينظر نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في الخلاف الفقهي، م س، ص 209 وأثر الخلاف الفقهي في القواعد الفقهية، م س، ص45.

[55] ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1993م، ص362

[56] نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في الخلاف الفقهي، م س، ص210

[57] العلمي محمد، المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، ط1، ج 1،24

[58] المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، م س، 1/25

[59] نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، م س، ص22

[60] كتاب المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، م س، ج2، ص811

[61] نفسه ج 2، ص921

[62] ينظر كتاب أثر الخلاف الفقهي في القواعد المختلف فيها ص ،243 وكتاب القواعد الفقهية ص 329

[63] مجلة الأحكام العدلية م س.

[64] القواعد الفقهية، م س، ص 330

[65] قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف، م س، ص 123

[66]  الباحسين يعقوب بن عبد الوهاب، القواعد الفقهية، الناشر مكتبة الرشد الرياض، ط1، 1998م، ص 281

[67] أثر الخلاف الفقهي في القواعد المختلف فيها، م س، ص 247

[68] نظرية التقعيد، م س، ص 369

[69] سورة البقرة الآية 228

[70] يراجع ما بسطه الدكتور محمد الروكي في القسم الثاني من كتابه «نظرية التقعيد» وما أورده ابن تيمية في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».

[71] نظرية التقعيد» ص 275

[72] من مثل أسباب النزول وسبب ورود الحديث والاختلاف في الحكم أهو خاص بالنبي عليه السلام أم هو عام في المسلمين…

[73] ينظر كتاب «نظرية التقعيد في اختلاف الفقهاء» ص371

[74]  سنن أبي داود، كتاب البيوع.

[75] مجلة الأحكام العدلية، المادة 85

[76] الأتاسي شرح المجلة، نقلا عن القواعد الفقهية وأثرها في الفقه، م س، ص 383

[77] أنظر: الدعاس عزت عبيد، القواعد الفقهية مع الشرح الموجز، د?? ???????? ?3 ? 1989?? ?95 ?????? ?????? ???? ???.ار الترمذي، ط3 ، 1989م، ص95 ومختار الصحاح مادة خرج.

[78] قواعد الفقه الاسلامي من خلال كتاب الإشراف، م س، ص 226

[79] الدبوسي أبي زيد عبيد الله عمر ابن عيسى الحنفي، تأسيس النظر، تحقيق مصطفى محمد القباني الدمشقي، دار ابن زيدون للطباعة والنشر بيروت، بدون طبعة أو سنة الطبع، ص 116

[80] ينظر قواعد الفقه الاسلامي من خلال كتاب الإشراف، ص 229

[81] نفسه، ص 227

[82] انظر: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، م س، ص 373

[83] الونشريسي أبي العباس أحمد بن يحيى التلمساني، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك مطبوع مع عدة الفروق في جمع ما في المذهب من اجموع والفروق، تحقيق أحمد فريدي المزيدي، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2005م، ص328

[84] نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، ص385

[85] الزحيلي محمد مصطفى، القواعد وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، دار الفكر دمشق، ط1، 2006م، ج2، ص 886

[86]  انظر كتاب نظرية التقعيد الفقهي، م س، ص386

[87]  انظر تفصيل ذلك في المرجع السابق الفصل الثاني.

[88]  السبكي تقي الدين علي بن عبد الكافي والسبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، دراسة وتحقيق أحمد جمال الزمزمي ونور الدين عبد الجبار صغيري، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط1، 2004م، ج6، ص 2247-2248-2249

[89] نفسه، ص2249

[90] رواه أبو داود في كتاب النكاح.

[91] ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، المحلى بالآثار، تحقيق عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 2003م، ج10، ص 185-186

[92] إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، م س، ص 330

[93] نفسه، ص331

[94] تأسيس النظر، م س، ص 102و103

[95] ابن الجلاب أبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن البصري، التفريع في فقه الإمام مالك، دراسة وتحقيق حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1987م، ج2، ص78

[96] صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره.

[97] انظر كتاب «أثر الخلاف الفقهي في القواعد المختلف فيها» ص 373- 374- 375 -376.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.