منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفاتيح بيت المقدس (قصة قصيرة)

مفاتيح بيت المقدس (قصة قصيرة)/ مصطفى العادل

0

مفاتيح بيت المقدس (قصة قصيرة)

مصطفى العادل

باحث في اللسانيات العامة ولسانيات العربية

جامعة محمد الأول (وجدة)

 

كان شيخ عالم، ذو لحية كبيرة بيضاء، في قرية منعزلة بين جبال شامخة، يُعلّم طلّابَ القريةِ القرآن ويُدرِّسهم بعض علوم الوحي، يجتمع بهم في مدرسة القرية القرآنية بين العشاءين؛ حيث يبدأ الظلامُ الحالكُ يسود القرية فيغطي جمال طبيعتها، ولا يكاد يبقى من النهار إلى أشعةٌ تُلوِّحُ للشمس وهي تختفي وراء الجبل.

في أسفل الجبال نهر تجري مياهه العذبة، تختفي كلّ الأصوات في القرية فلا يُسمعُ إلا خرير المياه ونقيق الضفادع، تتحرك أغصانُ الأشجار الشامخة وهي تداعبُ الهواء النقي، وتتفتَّح الأزهارُ في كل مكان، فتفوحَ بعطرها الطيّب.

فجأةً يصمت كلّ شيء، تتوقّف كل الحركات، ترتفع أصوات الطلّاب وهم يقرأون القرآن جماعة، يُلَحِّنون متونَ الفقه واللغة، ثم يستريحون إلى الثُّلثِ الأخير من الليل، يستيقظ الجميع فيُراجِعون أورادهم، ثم يُصَلُّون الصبح. ومع بداية زقزقة العصافير التي تملأ المكان، تتسلَّل نظراتُ الشمس من بين الأشجار العالية مُعلِنةً عن صبح جديد، فقد انجلى ظلامُ الليلِ والطلَّاب في الاستعداد للعودة إلى بيوتهم، لكن ثَمةَ أمرٌ غير معتاد ذلك الصباح.

وقف الشيخُ هذه المرة على باب المدرسة، يضمُّ إليه طلَّابَه ثم يودِّعهم واحدا واحدا، طلب من عمر وصلاح الدين وأحمد الانتظار إلى النهاية، كان عمر طالبا قويّا شُجاعا، وكان صلاح الدين ذكيا فطِنا، محبًّا للاطِّلاع والمعرفة والبحث العلمي، أما أحمد فقد كان مؤمنا ذاكرا قويا، لا يرضى بالظلم والحيف، وكان عادلا بين أصدقائه منضبطا. كان هؤلاء الثلاثة قد حفظوا القرآن، وقطعوا مرحلة مهمة في حفظ المتون وضبط العربيةِ وعلومِ الدين.

انصرف الطلاب جميعَهم، وبقي الثلاثة أمام الشيخ، تسمَّرت أبصارهم، تسارعت دقاتُ قلب أحمد، بينما يحاول صلاح الدين أن يحبس صرخة تزلزل أعماقه، غطَّى الخجل ملامحهم، وهم لا يعرفون لماذا حبسهم الشيخ بوحدهم، بينما انصرف باقي الطلاب، خَطرت ببالهم عشراتُ الأسئلة، لكن لم يكن المجال لديهم للتفكير فيها.

فجأة قطع الشيخ توجُّسَهم قائلا:

  • اسمعوا يا أبنائي، أنتم الآن أصبحتم رجالا بحملِكم للقرآن في صدوركم، لا فائدة من بقائكم هنا وفي الأمة من ينتظركم هناك، اسمعوا جيدا، سوف أوزِّع عليكم بعض المفاتيح، وفي مسجد المدرسة بالداخل صناديق مغلقة بداخلها وصايا وألغاز، عليكم بفتح الصناديق وقراءة الوصايا، ثم شدوا الرحال لمهلةِ عامين، فإذا عُدتم بفكِّ الألغاز فستتولون تسيير شؤون المدرسة في الأعوام القادمة؛ حيث سيتوافد علينا الطلَّاب من كل القرى المجاورة طلبا للقرآن وعلومه.

استجمع الطلاب قِواهم وكلّهم حماسٌ وشجاعة لشدِّ الرِّحال لفكِّ الألغاز والعودة لممارسة التربية في المدرسة العريقة بقريتهم الجميلة.

دخل عمر أولا ففتح الصندوق وأخرج ورقة مكتوب فيه:

“”هناكَ ببيت المقدسِ بدأ الرباط، أكل من حبها وعاش بنسيمها، باع الدنيا وسمح في قدميه كي لا يغادر بيت المقدس التي ارتسمت في ذهنه وقلبه، على كرسيه المتحرك ربى أجيالا على الصبر ومقاومة الشر حماية لبيت المقدس. مكانك هناك بينهم، هناك تتعلم الصبر وتقتحم العقبة.””

ثم دخل صلاح الدين ففتح الصندوق الثاني وأخرج ورقة مكتوب فيها:

“”أشرقت عليه الشمس أول مرة في الخليل، ثم اختار أن يهب حياته لمعرفة أسرار بيت المقدس، هو اليوم في بلاد ما تزال تبكي الخلافة منذ السلطان عبد الحميد، في دوائر بركته تعرف معالم بيت المقدس، وبين مدرسته وكتبه تدرك قداسة المكان””

ثم دخل أحمد ففتح الصندوق الأخير، وقرأ وصيته وفيها:

“”في مدينته سبعة رجال، واليوم وراءه ملايين من الرجال، بيت المقدس عنده من الإيمان، وعلى المكان صراع أزلي وحتمي، مؤمن قوي مبشر بالخلافة ودولة القرآن، في مجالسه يسكنك بيت المقدس وأنت لا تسكنه””

عاد الطّلاب إلى باب المدرسة وهم يحملون معهم الألغاز، نظر صلاح الدين إلى شيخه نظرة تشيء برغبته في الحصول على معلوماتٍ عن لغزه. أدرك الشيخ في عيونِ طلابه حاجتَهم إلى المساعدة، فقطع أملهم في نيل المطلب بسهولة، وفتح لهم أبواب البحث والتنقيب لبلوغ الأسرار. ودَّعَهم الشيخُ قائلا:

  • ليست لديَّ معلوماتٌ عن سرِّ الألغاز، لكن لديكم مهلة عامين لتعرفوا كلَّ شيء، اسألوا أهل العلم وابحثوا في الكتب وصدور الرجال فمن هناك تبدأ الطريق.

تفرَّق الطلّاب واتخذ كلّ منهم وِجهة في البحث عن علاماتٍ وإشارات تقوده إلى بلوغِ الأسرار، فلا مجال لديهم للانتظار، ولا وقت أمامهم قبل فك الألغاز.

قصدوا العلماء في القرى والمدن، وزاروا مختلف المكتبات، وقرأوا في الكتب التي تتعلَّق ببيت المقدس.

انتهت أشهر قليلة فبلغ كلّ منهم غايته، التقى عمر بعالم جليلٍ في مسجد كبير في المدينة، طلب منه المساعدة فقرأ عليه نص الوصية، استمع العالم الجليل إلى النهاية فأدرك المقصود، فقال للطالب:

  • بيت المقدس يا بني هو المصطلح النبوي لفلسطين، وهناك يرابط المجاهدون دفاعا عن المسجد الأقصى ضد الصهاينة، أما الرّجل الذي فقد قدميه وربَّى أجيالا وهو على كرسي متحرك، فأعتقد أنه مؤسس المقاومة الفلسطينية أحمد ياسين.

بحث عمر كثيرا فأدرك أن العالم الجليل كان صادقا، فشدّ رحاله إلى غزة، والتقى برجال المقاومة وعرف جهادهم وصبرهم.

أما صلاح الدين فقد بدأ يسأل الناس كثيرا، يبحث في كل ما يصل إليه من الكتب؛ لم تظهر له أية علامة على المقصود من وصيته، فكر كثيرا، ثم اتجه إلى فضاء للأنترنت يبحث عن العلماء الذين ولدوا في الخليل فأصبحوا اليوم من علماء بيت المقدس، وبحث عن السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة وعن دوائر البركة، وكلما وضع قضية في محرّك البحثِ قادَه إلى العالم الفلسطيني الأصل عبد الفتاح العويسي؛ صاحب المشروع المعرفي لدراسات بيت المقدس؛ فهو الذي وُلد بالخليل وأصبح من علماء القضية الفلسطينية، وهو الذي يعيش في تركيا التي كان فيها السلطان عبد الحميد الثاني آخر جوهرة من عقد الخلافة الإسلامية، وهو صاحب نظرية دوائر البركة.

أراد صلاح الدين أن يشدّ رحاله إلى تركيا ليتعلّم عن الشيخ العويسي أسرارَ بيت المقدس، لكنه قرأ في النهاية أن المشروع المعرفي يَفتَح تكوينا عن بعد يستغرق عاما من الدراسة، فاختار أن يقضي العام المتبقي في طلب المعرفة المتعلقة ببيت المقدس، فتواصل معهم وانضمّ إلى الفريق.

أما أحمد فقد أخبره معلمُ القرية منذ البداية بأن مراكش هي مدينة سبعة رجال، لكن المعلمَ لا يعرف شيئا عن الأسرار الأخرى، فنصَحه بالرَّحيل إلى مراكش، والبحث عن العالم الذي خلَّف رجالا ومجالس يبشِّر فيها بالنصر الموعود وبناء دولة القرآن.

حطَّ أحمد رحاله بمراكش وبدأ يسأل عن الألغاز، وذات فجرٍ التقى بشيخٍ لا تفوته صلاة الفجر في الجماعة، فطلب منه المساعدة وقرأ عليه الوصية.

رد عليه الشيخ الوَقُور مبتسما:

  • سبحان الله الذي يختار من يشاء ومتى شاء. إن هذا الرجل يا بني هو الشيخ عبد السلام ياسين، مؤسس جماعة العدل والإحسان، ففيها ملايين من الرجال وراءه، وهو الذي يرى أن بيت المقدس من الإيمان، وأن صراعنا مع الصهاينة أزلي قديم ومستمر، وأنه حتمي حيث ينتصر أهل الحق في النهاية، ويتحرر بيت المقدس، مؤمنٌ قويٌ في معارضة الظلم والاستبداد، وهو الذي أقام مشروعه التجديدي على أحاديث التبشير بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة. إنني يا بني من الجماعة، ولنا مجالس وأنشطة في نصرة بيت المقدس، ومن الآن فأنت معنا حتى تعرف حقيقة بيت المقدس وانتسابه للإيمان وتدرك بشارة النصر وتباشير الصباح.

انتهت مهلة عامين، وعاد الطلّاب إلى شيخهم في القرية، وهم سعداء بما عرفوه وتعلموه، ينتظرون بشغف كبير تلك اللحظة التي يقدمون فيها أسرار الوصايا.

نظم الشيخ حفلا مهيبا حضره مئات الطلابِ من كل القرى، وحضره كثير من الآباء والأمهات. فاستقبلوا الطلاب واستمعوا لتجاربهم ورحلاتهم العلمية.

بدأ أحمد بالحديث عن الشيخ أحمد ياسين وحياته وجهاده في المقاومة الفلسطينية وردها للعدوان الصهيوني ودفاعها عن المسلمين وبيت المقدس.

ثم تحدث صلاح الدين عن المشروع المعرفي لدراسات بيت المقدس ومؤسسه عبد الفتاح العويسي، وأكّد على ضرورة تحرير العقول بالمعرفة والإدراك، إذ إن ذلك شرط لتحرير الأرض، وأن بيت المقدس أرض بارك فيها الله وبارك فيما حولها، وأن المسجد الأقصى هو مركز البركة، وشجع الطلاب على البحث عن بيت المقدس والتّهَمُّمِ بقضيته حتى ينالون من بركته.

أما أحمد فقد وصف مجالس الإيمان والإحسان، وعرَّف الناس بالشيخ ياسين عبد السلام وكتبه، والقضية الفلسطينية في فكره، وبأنشطة الجماعة وطلابها في قضية فلسطين، وركز أحمد على بث الأمل وتبشير الحاضرين بالتحرير القادم لبيت المقدس، وأن النصر وعد من الله ورسوله، قادم ما دُمنا نرى فلسطين من ديننا وإسلامنا.

شعر الجميع بسعادة عارمة بما عرفوه من الحقائق الجديدة في قضيّة بيت المقدس، فارتفعت أهازيج الشكر والصلاة على رسول الله.

تقدم الشيخ إلى الطلاب الثلاثة وهو يسلم لهم أدرُع النّجاح والتفوّق، ثم خاطب في الناس قائلا:

  • أيها الحاضرون إنّ تحريرَ بيت المقدس أمانة على أعناقنا جميعا، واليوم قد أدركتم مفاتيحَ بيت المقدس. فالتَّحرير يكون بمقاومة مجاهِدة صابرة تقفُ ضد كل عدوان، وبالبحث والمعرفة ورفع الجهل ببيت المقدس وجغرافيته وتاريخه ومحوريته في الصراع، ويكون التحرير بالإيمان وبث الأمل، والتبشير بالنصر الموعود. هذه مفاتيح التحرير، وهؤلاء الأبطال من اليوم فهم مدرسون بمدرستنا وعلى أيديهم تدركون حقيقة بيت المقدس وأسرارها.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.