منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم الخلافة “قراءة منهجية في التصور والآثار”

مفهوم الخلافة "قراءة منهجية في التصور والآثار"/ كيا محمد

0

 

مفهوم الخلافة

 قراءة منهجية في التصور والآثار

إعداد الطالب الباحث: كيا محمد

 

حين يتابع دارس حركة الأفكار الكبرى التي وجهت مسارات التاريخ الثقافي والحضاري للأمة الإسلامية، التي كانت العامل الأساس في نشوء كثير من الفرق والتيارات السياسية والكلامية، فإنه يجد أن تلك الأفكار هي أفكار محدودة في عددها ولكنها قوية في مضمونها وتأثيرها، وأول تلك الأفكار بروزا في البيئة الإسلامية كانت هي فكرة الخلافة والقيام مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وهي فكرة مركزية في الفكر السياسي الإسلامي صنفت المسلمين سياسيا وعقديا إلى تكتلات وفرق كبرى، هي تكتل أهل “السنة والجماعة” “والشيعة” ثم “الخوارج” وتنطلق كل هذه الفرق من رؤيتها الفكرية لموضوع الخلافة، هل هي من قبيل الأمر التوقيفي والتنصيص النبوي على خليفة هو الأحق بها، أم أن الأمر اجتهاد في توفر الشروط المتطلبة في الخليفة، ولهذا الداعي فقد تغذت المعرفة السياسية عبر التاريخ من بحوث ودراسات يتجه كل منها إلى تحديد معالم الخلافة وشروط المستحق لها ووظائفه وعزله أو إبقائه في منصبه.[1]

بوادر الخلاف إذن بدأت مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مجموعة من القضايا، ويحسن القول أن الخلاف في هذه الفترة الانتقالية أمر عادي، لأن الصحابة رضي الله عنهم وجدوا أنفسهم أمام قضايا جديدة عليهم، فكانوا يرجعون إلى الشورى والحوار بتحكيم أمور الشرع في احتواء هذه الخلافات، وقد وفقوا بشكل كبير، حيث كان مقصدهم الأساس الحفاظ على بيضة الإسلام، بالرجوع إلى نصوص الشريعة وتنزيلها على هذه الخلافات المستجدة.

لكن مع كامل الأسف بدأت هذه الخلافات تتسع أكثر فأكثر خصوصا بعد اغتيال عثمان ابن عفان رضي الله عنه، بظهور أفكار جديدة غريبة عن ثقافة الإسلام، أتى بها مندسون قصد بث البلبلة والتفرقة داخل صفوف المسلمين، مما كان له الأثر السلبي على أمة الإسلام، من هنا فإننا نحتاج إلى طرح هذه القضايا والأفكار محل النزاع ومناقشتها لعلنا نجد المخرج لهذا الانقسام الذي عرفته الأمة الإسلامية وما تزال.

أردت من خلال هذه المقدمة إبراز منبع الخلاف بين الفرق الإسلامية في هذا الموضوع إذ إن المنطلق في التصور والاختلاف يعود لهذه الحقبة البعيدة خصوصا بعد مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

إننا نرى أن البحث في هذا الموضوع له أهميته نظرا لآثاره السلبية في واقع المسلمين قديما وحديثا،فالاختلاف في التصورات والأفكار جعل المسافة بعيدة بين المسلمين، لهذا ينبغي طرق هذا الموضوع ومناقشته لتقليص هذه المسافة، من هذه الأفكار المطروحة والمتباينة – رفض النظام الديمقراطي الحديث والدعوة إلى الخلافة بمفهومها المعروف، مما سبب مجموعة من المشاكل – عدم احترام سيادة الدول، لأن إعلان مثل هذه الشعارات من بعض الجهات ترى فيه الدول الأخرى تهديدا لكيانها – تمرد بعض الجماعات على الأنظمة القائمة وأسئلة أخرى نجيب عليها إن شاء الله من خلال هذه الورقات.

إن السبب الرئيس الذي جعلني أكتب في هذا الموضوع هو الأحداث الكثيرة التي عرفتها الساحة العربية وتعرفها، بالإضافة إلى الحيطة والحذر أثناء البحث في هذا الموضوع باعتماد ما صح من الروايات الصحيحة، لكي لا نجعل هذا المنصب ركنا من أركان الدين ونغلق باب الاجتهاد فيما يقتضيه الواقع ومستجدات الحياة، فالغرض إذن طموحنا إلى أن تتحقق في دولنا العربية والإسلامية تلك النظرة الشاملة لمفهوم “الأمة” بعيدا عن القيود والخلافات الفكرية والسياسية، مع استحضار الهوية والعمل معا للنهوض بالمجتمعات المسلمة فكريا واقتصاديا واجتماعيا.

إن أحد إشكالاتنا أننا نوجه أنظارنا واهتماماتنا وجهودنا باستمرار صوب أهداف خارجية، نرجو عن طريق مغاضبة بعضها التزام بعضها الآخر لتحقيق حلمنا الكبير، ويبلغ من نزوعنا الخارجي هذا، أن تتجه فئة منا إلى تحميل بعض الدول الكبرى المتقدمة كل أسباب، التمزق والتشرذم، وتتجه فئة أخرى إلى الالتصاق ببعض الدول الكبرى المتقدمة، لعلها تقضي على أسباب هذا التمزق وتقودنا إلى حلمنا الكبير، ولم تلتفت إلا القلة القليلة إلى حقيقة هي: أن أي حلم كبير، أوهدف مصيري حاسم، لن يتحقق إلا بأن ننظر في الداخل أولا، في أعماق نفوسنا ونسيج عواطفنا وخطوط تفكيرنا، وخلايا اهتماماتنا، وأسس أخلاقيتنا.[2]

وقد أصبحت الإمامة هي المشكلة الرئيسة الكبرى التي دار عليها البحث السياسي في الإسلام خلال العصور المختلفة، وهذا يدل على ما لهذه المسألة من أهمية كبيرة، وما ترتب عليها من نتائج وخيمة، فكان إلى جانب عوامل أخرى من أهم الأسباب في إيجاد الفرق واستمرار التنازع بينها، وكان لهذا النضال أثره في توجيه الحوادث المكونة للتاريخ الإسلامي، وقد بقي هذا الأمر إلى اليوم.[3]

وقد اتسعت دائرة الخلاف في مسألة الإمامة ابتداء من مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه لأشياء نقموها منه، حتى أقدم لأجلها ظالموه على قتله، ثم اختلفوا بعد قتله في قاتليه وخاذليه اختلافا باقيا إلى يومنا هذا، ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن علي وأصحاب الجمل، وفي شأن معاوية وأهل صفين وفي حكم الحكمين أبي موسى الأشعري وعمروا بن العاص اختلافا باقيا إلى اليوم.[4]

حيث كان هذا الاختلاف بعد الرسول r، في الإمامة أمر عادي لم يبلغ مبلغه، ولم يحدث خلاف غيره في خلافة أبي بكر وأيام عمر إلى أن ولى عثمان بن عفان وأنكر عليه قوم في آخر أيامه أفعالا، كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروا عليه اختلافا إلى اليوم، ثم قتل رضي الله عنه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضي الله عنه مصيبا في أفعاله قاتلوه ظلما وعدوانا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم، ثم بويع علي رضي الله عنه فاختلف الناس في أمره بين منكر لإمامته وبين قاعد عنه وقائل بإمامته معتقد خلافته وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.[5]

إن عدم لجوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى تعيين خليفة له يحكم الأمة، ويدير شؤون دينها ودنياها، جعل الأمة تواجه أمرا سياسيا في غاية الخطورة، يهدد كيان الجماعة إلى يومنا هذا، في المقابل فلو اختار النبي صلى الله عليه وسلم، خليفة للمسلمين لظنوا أن هذا الاختيار هو إرادة الله، وبهذا لا يحق لأحد من الرعية معارضة الحاكم الذي يسوس أمر الأمة بإرادة الله ومشيئته، مما يترتب على هذا طاعة لا تعرف المحاسبة أو المراقبة، من هنا انقسم المسلمون واختلفوا في الإمامة مالم يختلفوا في غيرها من أمور الدين والدنيا، وما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية ماسل على الإمامة في كل زمان.

يقول الإمام الشهرستاني: وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ماسل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان، وقد سهل الله تعالى في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار، فيما قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، فاستدركه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت أحسن الكلام وأقومه وأنمقه في نفسي، يقصد أنه كان يهيئ كلمة لهذا المجلس، فقال أبو بكر: مه ياعمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ماكنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، يعني أنه ذكر ما كان يفكر فيه عمر رضي الله عنه، قال عمر: فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة، إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، يعني دون تدبر وتمهل وقى الله المسلمين شرها، وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ” الأئمة من قريش”، وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ولما عاد إلى المسجد أقبل عليه الناس، وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم، وأبي سفيان من بني أمية، وعلي رضي الله عنه كان مشغولا بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.[6]

ذكرت هذا الكلام للإمام الشهرستاني رحمه الله لحوار الصحابة رضي الله عنهم حول الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، لأقف معه قليلا انطلاقا من خبر يوم السقيفة برواياتها المختلفة. فمن المعروف أن المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم تنازعوا في الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ طلبها كل فريق لنفسه، وذكر أنه أولى بها من غيره، ولكنهم اتفقوا في آخر الأمر على أن الخلافة في قريش دون سائر العرب، وجاء في خبر يوم السقيفة برواياته المختلفة في المصادر التاريخية وفي بعض المصادر الأدبية، أن المهاجرين احتجوا لحقهم في الخلافة بثلاثة أسباب،

– الأول: أنهم أشرف العرب نسبا وحسبا،

– والثاني: أنهم أولياء الرسول صلى الله عليه وسلم وعشيرته،

– والثالث أنهم أقدم من آمن برسالته، وأول من أبلى في نصرته، فهم أولى الناس بوراثته، وقد أقر لهم الأنصار بذلك، وورد بدون إسناد في بعض المصادر الأدبية وفي كتب الفرق الإسلامية في غير خبر السقيفة بل في خبر الإمامة واختلاف الناس فيها، أن أبا بكر الصديق احتج لحق قريش في الخلافة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم”]الأئمة من قريش[.[7]إلا أن الإمام أحمد خرج الحديث بلفظه ولكنه لم يذكر أنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه استشهد به يوم السقيفة.

وقد جمع طرقه ابن حجر العسقلاني في كتاب أسماه “لذة العيش في طرق الأئمة من قريش” حيث بين فيه شرف قريش وأنها قد حازت هذه الشرف ببعثة هذا النبي صلى الله عليه وسلم منها، مصدرا الكتاب بقوله تعالى {لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسول منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.[8]وحديث ]إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم[.[9]

وذكر بعد هذا أن الله اختار أن يكون نبيه من خير قبيلة، وأفضل بيت منها، فهي ملح العرب وخلاصة أشرف نسب، وقد حوت فضائلهم كتب السنة المشرفة من دواوينها الشهيرة، ومصنفاتها الكبيرة، فلا تكاد تجد شيئا منها يخلو من ذكر فضائل قريش، إذإن أبوابا عقدت في كتب السنة في ذكر مناقب قريش، وقد كان السبب في تأليف هذا الكتاب جمع طرق حديث ]الأئمة من قريش[.[10]

حيث قال: وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيا لما بلغني أن بعض الفضلاء ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد جمع طرقه من الكتب المطولة من كتب الحديث الشهيرة من مسانيد، ومصنفات، ومختصرات، وجوامع متفرقات، وملح الأجزاء والفوائد والمشيخات، وساق أكثر ذلك بأسانيده العاليات فجاء كما قال عنه: جمعت طرقه في جزء ضخم، وقد مثل الحافظ ابن حجر هذا الحديث بالأحاديث التي وصفت بالتواتر.[11]

ولقد تتبعت كل الطرق التي أوردها ابن حجر في هذا الكتاب بخصوص أحاديث]الأئمة من قريش[ سواء كانت مطلقة أومقيدة، فوجدت منها المنقطع، والموقوف، والضعيف، ومنكر المتن، لكن وقفت على بعضها قال عنه الحافظ ابن حجر إن إسناده جيد، من هذه الأحاديث.]حديث الأئمة من قريش[ حيث ورد هذا الحديث من عدة طرق بعضها منكر، وقد خرجه ابن حجر أي حديث ]الأئمة من قريش[ من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم قال هكذا رواه الهيثم بن كليب في “مسنده” ورواه سعيد بن الأعرابي في “معجمه” عن الفضيل بن يوسف بن يعقوب بن حمزة الجعفري عن الفيض، ورواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي حاتم الرازي، والبيهقي في “السنن” من حديث العباس بن محمد الدوري، ورجال هذا الإسناد ثقات لامطعن فيهم.[12]

لكن الحديث المذكور يوم السقيفة من طريق أبي بكر الصديق رضي الله عنه والذي خرجه أيضا ابن حجر العسقلاني حيث قال: وأقبل أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ]لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار واديا، سلكت وادي الأنصار[ ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأنت قاعد ]قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تابع لبرهم، وفاجرهم تابع لفاجرهم[. هكذا رواه أحمد في “المسند” وإسناده قوي، إلا أن فيه انقطاعا بين حميد وأبي بكر اعتضدد بشواهد أخرى.[13]

ولم يذكر أن أبا بكر استشهد به يوم السقيفة، وسأعود لهذا الحديث إن شاء الله أثناء كلامي عن الاختلاف في الشروط. إلا أن الذي يهمنا في هذا الصدد، أن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد حوار السقيفة واجتمعوا على إمامته، واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته.[14]

ولقد حفت كتب التاريخ والسنة المعتمدة برواية ماكان في اجتماع السقيفة بشأن اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الكثير منها يحتاج إلى تحقيق ومراجعة، في الحقيقة لقد اضطربت روايات اجتماع السقيفة خصوصا في موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ولعبت الدسائس دورها ونسجت الافتراءات والأكاذيب حولها بقصد زعزعة الثقة بالإسلام بصورة عامة، وبالصحابة بصورة خاصة، وإظهارهم بمظهر الجشع والمتهالك على المناصب والأموال ولو بمخالفة الشريعة[15].

فحتى في أشد خلاف وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، وهو الخلاف الذي لم يحل والنزاع الذي لم ينته، وهو ذلك الاختلاف الذي شتت شمل الصحابة رضي الله عنهم وفرق جمعهم وجعلهم فريقين كبيرين، يرأس الأول منهم عليا، والثاني معاوية رضي لله عن صحابة رسول الله r أجمعين، لم يجر هذا الخلاف واحدا منهما إلى تكوين مذهب جديد واعتناق عقائد جديدة ولا إلى إنكار ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ابن تيمية اتفاق الفريقين مع الملة مستشهدا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم] تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينها مارقة، يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق[.[16]

يقول ابن تيمية رحمه الله: إن كلا الطائفتين المتفرقتين من أمته وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام.[17] ولا يخفى أن كلا من علي ومعاوية رضي الله عنهما كان يظن في الآخر الخطأ ومخالفة السنة، وإلا لما جاز له قتاله، فأولئك قوم اختلفوا في الرأي ولم يتبعوا الهوى، فالذي يخفف البلية أن الفريقين كانا يريدان الله بعملهما، لأن الجميع كانوا يريدون إنفاذ حكمه حسبما اجتهدوا ورأوا.[18]

فلابد إذن من الحيطة والحذر قدر الطاقة والإمكان أثناء البحث في هذا الموضوع، باعتماد ماصح من الروايات وعدم الاطمئنان إلى كل ماروي في كتب المؤرخين، فليس غرضي هنا البحث عن ماصح من هذه الروايات ليتخذ مرجعا في تحديد شروط الإمامة أوشيء من هذا القبيل، إنما المقصد في هذا المقام، هوبيان موقف كل فريق من هذه الفرق بناء على اجتماع السقيفة في اختيار الخليفة، وعرض آراء كل فريق بهذا الصدد لمعرفة الاختلاف والتباين بين الأفكار، التي كان لها وقع ولازال إلى يومنا هذا في افتراق الأمة الإسلامية.

– الاختلاف في الحكم وطرق الاختيار.

إن مما تقتضيه طبيعة وجود الإنسان بما هو مدني بطبعه ضرورة الاجتماع في جماعة، اجتماع ينتظم في سياق متحضر يناسب إنسانيته، حتى لا يؤول عيشه المشترك إلى فوضى عارمة تنشأ عن انجراره وراء نزعة التدافع والتغالب بسبب استحكام الأهواء والشهوات، وتغليبا على التراتيب المنظمات، ومن هنا احتاجت الجماعات إلى قواعد حاكمة تنظم شؤونها، بحيث تحقق بواسطتها حالة من استقرار أوضاع الناس على وفق المصالح الأساسية للأمة في أفق بلوغ أهدافها المرجوة، يقول ابن خلدون عما يستلزمه الاجتماع: ” ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر… وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم، فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض، ولا يكون ذلك من غيرهم، لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم، الغلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى الملك، وقد تبين لك بهذا أنه خاصة للإنسان طبيعية، ولا بد لهم منها.[19]

إن هذا المعنى هو الذي بنى الشارع اجتماع الناس على مراعاته، وذلك من خلال الانتقال بهم مما ألفوه في الجاهلية من عدم الانصياع لما يتصورونه ربقة نظام، أو الخضوع لما يرونه قيد حكم، إلى قبول متطلبات الاجتماع المتمثلة في تلقي الشرائع الناظمة للجماعة من خلال منصب الإمامة بكمال الانصياع، انصياع تحول إلى صورة من صور التعبد التي يتقرب بها المسلمون إلى ربهم، إذ إن الإمامة منصب خطير لا بد من إقامته في نظر الشرع، إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالحياة ويسود الأمن بينهم وتنتظم الأمور إلا بحاكم يكون المرجع في تطبيق الشرع وحماية الامة وإقامة العدل بين أفرادها، من هنا جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ]من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية[.[20]

بناء على ما تقدم ذكره، فقد اختلف في حكم تنصيب الإمام اختلافا شديدا بين الفرق الإسلامية، حيث شكل منصب الخلافة الدعامة الرئيسة في الفكر السياسي عامة والسني خاصة، وقطب الرحى في الانقسامات السياسية التي سرعان ما تحولت إلى انقسامات مذهبية، وقبل الحديث عن تباين الآراء بهذا الخصوص.

أقول بداية: إن الإمامة عند أهل السنة والجماعة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، واختلف في وجوبها هل وجبت بالعقل، أو الشرع، أو أن الأمر اجتهادي في توفر الشروط المطلوبة في الخليفة.[21]

فقالت طائفة: وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين، وقد قال الأفوه ألأودي وهوشاعر جاهلي:

لايصلح الناس فوضى لا سراة لهم ***ولا سراة إذا جهالهم سادوا.

وقالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل ألا يرد التعبد بها فلم يكن العقل موجبا لها وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع، ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل، فيتدبر بعقله لا بعقل غيره، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمر إلى وليه في الدين.[22]

يقول القاضي أبو يعلى: ووجوب الإمامة طريقه السمع لا العقل، خلافا للمعتزلة في قولهم يجب عقلا، والسمع قد ورد بإيجابه وتأكيد ما في العقل من ذلك والدلالة عليه مجموعة من النصوص ذكرها منها:حديث ]الخلافة في قريش[.]أو الأئمة من قريش”[….[23] ثم قال: والدلالة عليه أن العقول لا يعلم بها فرض شيء ولا تحريمه، ولا حسن شيء ولا قبحه، وأن هذه الأمور طريقها السمع، وإنما العقول يتوصل بها إلى حدث العالم وإثبات محدثه وأنه على صفاته التي عليها فعلم وجوبها من جهة السمع.[24]

وفي هذا الصدد كلام نفيس للإمام الغزالي رحمه الله يقول:… ولكننا نوجز القول فيه ونقول: النظر فيه يدور على ثلاثة أطراف:

1- وجوب نصب الإمام، ولا ينبغي أن نظن أن وجوب ذلك مأخوذ من العقل، فإنا بينا أن الوجوب يؤخذ من الشرع، إلا أن يفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة، وعند ذلك لا ينكر وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع المضار في الدنيا، ولكنا نقيم البرهان القطعي الشرعي على وجوبه ولسنا نكتفي بما في إجماع الأمة، بل ننبه على مستند الإجماع ونقول: نظام أمر الدين مقصود لصاحب الشرع عليه السلام قطعا وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها، ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لايحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع فيحصل من المقدمتين صحة الدعوى وهو وجوب نصب الإمام.[25]

وإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية، إذا قام بها من هو أهلها سقط الفرض على الكفاية.[26] ويرى رشيد رضا أن نصب الإمام واجب عقلا وشرعا لا عقلا فقط، كما قال بعض المعتزلة، حيث قال: أجمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام، أي توليه على الأمة واجب شرعا، لا عقلا، مستدلا بمجموعة من النصوص.[27] منها: قوله صلى الله عليه وسلم] من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية[.[28]وقد استدل بعض أهل العلم المثبتين للإمامة بآيات من كتاب الله U على وجوب نصب الإمام، وأن هذا الواجب هو واجب كفائي.[29]

فيما يرى الشيعة وهم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص، بأن الإمامة حق لعلي رضي الله عنه نصا ووصية، وأن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده، وقالوا: إن الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لايجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، فيجمعهم القول بالتعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر.[30]

من هنا فإن الشيعة يرون أن الإمامة هي أهم مطلب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين، وهي أحد أركان الإيمان، حيث قالت الإمامية: إن الإمامة طريقها النص الجلي والتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل القائم من بعده، وأن ذلك المنصوص عليه هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم تصير شورى في ولده.[31]

فهي في نظرهم ميراث للنبوة وامتداد لها، وأنه إذا كانت بعثة الأنبياء لطفا من الله لعباده، فإن لطفه لايختص بزمن دون غيره، حيث جاء في كتبهم بأن الله تعالى أردف الرسالة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة، فنصب أولياء معصومين ليأمن الناس من غلطهم وسهوهم وخطئهم، فينقادون إلى أوامرهم ليلا يخلي الله تعالى العالم من لطفه ورحمته، وأنه تعالى لما بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم قام بنقل الرسالة ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب ثم في ذريته، وأن النبي r لم يمت إلا عن وصية بالإمامة.[32]

لذلك تعتبر الإمامة عندهم امتداد للنبوة، وأن للإمام كل ما للنبي صلى الله عليه وسلم إلا الوحي، يعني أن للإمام من الصفات ما للنبي بما في ذلك العصمة، فهي في نظرهم من خصائص الإمامة وهي عندهم لا تكون بالاختيار بل أمر من الله الذي هو الحاكم.

لأن الشيعة يعتقدون أنهم أخذوا أحكامهم الفرعية عن الأئمة المعصومين الناقلين عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآخذ ذلك من الله تعالى بوحي جبريل عليه السلام إليه، يتناقلون ذلك عن الثقات خلفا عن سلف، إلى أن تتصل الرواية بأحد المعصومين، ولم يلتفتوا إلى القول بالرأي والاجتهاد وحرموا الأخذ بالقياس والاستحسان، أما باقي المسلمين في نظرهم فقد ذهبوا كل مذهب.[33]

ففي أحد مصادرهم يتحدثون عن زهد علي رضي الله عنه وذريته ثم يقولون: فهؤلاء الأئمة المعصومون الذين بلغوا الغاية في الكمال ولم يتخذوا ماا تخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي وشرب الخمور والفجور حتى بأقاربهم على ماهو المتواتر من الناس.[34]

وفي المقابل لا يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ويقولون فيهم رضي الله عنهم بهتانا عظيما، يقول أبو الحسن الأشعري: “وقد سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على استخلاف علي بن أبي طالب رضوان الله عليه باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام، وأبطلوا جميعا الاجتهاد، وزعموا أن عليا رضي الله عنه كان مصيبا في جميع أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين.[35]

يقولون عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال على المنبر:”إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعصم بالوحي فإن استقمت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني” وكيف تجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه مع أن الرعية تحتاج إليه، فلا بد من نصب إمام معصوم يصد الناس عن الظلم والتعدي، ويمنعهم عن التغلب والقهر، وينتصف للمظلوم من الظالم ويوصل الحق إلى مستحقه، لايجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية وإلا افتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المحوجة إلى الإمام هوجوازالخطأ على الأمة، فلوا جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام، فإن كان معصوما كان هو الإمام، لأن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لم يكونوا معصومين اتفاقا، وعلي عليه السلام معصوم فيكون هو الإمام، وقالوا: إن الإمامة منصوص عليها من الكتاب والسنة لعلي رضي الله عنه وذكروا عشرات الأدلة من الكتاب والسنة بهذا الخصوص.[36]

من هنا فإن الإمام عندهم ينبغي أن يكون منصوص عليه من الله تعالى معصوم من الزلل، وأن الأئمة الذين تولوا الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا معصومين وإنما اغتصبوا الخلافة، لأنها نص من الله للمعصوم من الزلل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد نص الله عليه في قوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة وهم راكعون}.[37]فأجمعوا أنها نزلت في علي رضي الله عنه.[38]

وهذا العلامة المحلي صاحب “منهاج الكرامة” وعلم الشيعة الكبير يستدل بعشرات الآيات والأحاديث بهذا الخصوص منها: أن النبي r دعا بني عبد المطلب في منزل عمه أبي طالب وقال لهم: ]يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة فقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين}.[39] وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم بها الأمم وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فلم يجبه أحد منهم، فقال أمير المومنين: أي علي رضي الله عنه أنا يارسول الله أؤازرك على هذا الأمر، فقال اجلس ثم أعاد صلى الله عليه وسلم في الثانية والثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقال اجلس فأنت أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي.[40] والجواب عن هذا الحديث أنه يجب المطالبة بصحة النقل، لأنه لم يرد في السنن، ولا المسانيد، ولا في المغازي، وإنما هو من الموضوعات.[41]يقول ابن تيمية: والجواب عليه المطالبة بصحة النقل، فإن هذا الحديث ليس بشيء في كتب المسلمين.[42]

ومن العجب أن يبدأ التشيع بعقيدة مؤداها أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنص الجلي أو الخفي، وأن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإن خرجت فبظلم أو تقية منه ومن أولاده، عجبا أن تبدأ هكذا ثم تنتهي إلى مذاهب فلسفية وسياسة معقدة تمام التعقيد مركبة من مختلف المذاهب، فالشيعة إذن هي الطائفة التي تقابل بالتضاد أهل السنة والجماعة، حيث اختلفت معهم في إجماعهم اختلافا بينا.[43]

ويخالفهم بعض الزيدية الذين قالوا بإمامة المفضول مع قيام الفاضل، أن يكون المفضول إماما، والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا، مما يعني عندهم أن عليا رضي الله عنه أفضل الصحابة، إلى أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين نائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المومنين عليا عن دماء المشركين لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هو، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، فكانت المصلحة أ ن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله .[44] صلى الله عليه وسلم.

فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها بتكفير علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين. حيث قالت الخوارج الحكمان كافران وكفر علي عليه السلام حين حكمهما واعتلوا بقول الله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.[45]

وقد ظهر تيار الخوارج عندما اتهموا عليا رضي الله عنه أنه حكم هواه في التحكيم فأعلنوا “ألا حكم إلا لله”، فجاءت أفكارهم مباينة لأفكار الشيعة، فيما قدس الشيعة عليا رضي الله عنه وأن الإمامة تجب فيه وفي ذريته، كفره الخوارج فأعلنوا أن الإمامة ليست مقتصرة على قريش أو العربفأعلنوا النظرية الجمهورية في الحكم لأول مرة في تاريخ الإسلام، وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى القول بأن التشيع هو رد فعل للآراء الخوارج، على أن عقائد الشيعة وإن صيغت على نحو معارض لآراء الخوارج، فإن هذه العقائد لم تظهر في صياغتها المتكاملة إلا في عصر متأخر عن نشأة الخوارج،انطلاقا من هذه المبادئتكلموا في الإمامة وشروطها وطرق إقامتها.[46]

إذ إن هذه الفرقة التي سبقت الشيعة في طرق موضوع الخلافة أو الإمامة ترى أن الإمامة تكون بالشورى، سواء كانت في قريش، أو في غيرهم من العرب أو العجم، يستحقها أي مسلم تجتمع فيه “الكفاءة” وهو الاضطلاع بأمور الإمامة، وبهذا انفرد الخوارج من بين الفرق الإسلامية بقولهم بعموم الاستحقاق لكافة المسلمين على اختلاف أجناسهم، شريطة استيفاء الشروط الواجب توفرها في الخليفة.[47]

فالخوارج كلها باستثناء النجدات يرون أن الإمامة يرشح لها أي أحد شريطة أن يكون قائما بالكتاب والسنة عالما بهما، فيما قالت النجدية من الخوارج أن الأمة غير محتاجة إلى إمام ولا إلى غيره وإنما علينا وعلى الناس أن نقيم كتاب الله عز وجل علينا فيما بيننا.[48]

 – الاختلاف في التعريف.

قبل الخوض في التعريف نقول: إن مصطلح “الإمامة” مرادف لمصطلح أمير “المومنين” أو “الخليفة” إذ إن الإمامة مشتقة من الفعل ” أم”، وهي نسبة إلى الإمام، لأن الإمامة تعني رياسة المسلمين ومنصب الإمام.[49] والإمام بالكسر كل “ما ائتم به” قوم من رئيس أو غيره سواء كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين.[50]

إذن، فهو لقب فيه ائتمام عموم الجماعة بولي أمرها فيما يدبر به شأنها، وقد ورد في السنة النبوية بمعنى الولاية العامة في مثل قوله r، ]الأئمة من قريش[.[51] وتمييزا له عن الإمامة الصغرى التي هي إمامة الصلاة يطلق عليها “الإمامة العظمى” أحيانا، وإلا فإنها عند ما تطلق في سياق مباحث الحكم تنصرف إليها دون غيرها، يقول ابن حزم: “إن اسم “الإمامة” قد يقع على الفقيه العالم، وعلى متولي الصلاة، ولا يقع عليهم إلا بالإضافة، ولا يجوز أن يطلق اسم الإمامة، أو أمير المومنين، إلا على المتولي لجميع أمر المسلمين كلهم.[52]

ويحمل لقب “أمير المومنين” المعنى نفسه، إذ إنها وسيلة شرعية لتدبير شأن الجماعة، يقول الإمام النووي: ” يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المومنين، قال الماوردي: ويقال أيضا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم،.[53]

ويمكننا القول، إن الخلافة في اللغة تطلق ويراد بها أيضا المنصب الذي يتولاه الخليفة أورئيس الدولة، حيث اصطلح على الفترة التي أعقبت زمن النبوة اسم الخلافة الراشدة، وعلى الصحابة الذين تولوا منصب الخلافة فيها باسم الخلفاء الراشدين، ولا يعني ذلك أنها لا تطلق إلا على الخلافة الراشدة، فمن الأدلة التي استدل بها أهل السنة على جواز إطلاق الخلافة على مادون الخلافة الراشدة، حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ]كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لانبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر[ قالوا: فما تأمرنا؟ قال، ]فو بيعة الأول فالأول، ثم اعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم[.[54]

فالتنصيص على أنها تكثر، إشارة إلى غير خلافة الراشدين التي لم تكن كثيرة، وإنما كانت بمثابة أنموذج الكمال الذي يتطلع إلى الاحتذاء به كما حصل مع مثل عمر بن عبد العزيز وغيره، وقد حاول الكثير من العلماء إعطاء تعريف للخلافة يتوافق مع الحكمة النبيلة التي تتكفل بها، ويحقق الغاية السامية المنوطة بها.

ومن أشمل ما عرفت به الإمامة عند علماء أهل السنة تعريف الماوردي لها بقوله: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدولة”.[55]وهذا التعريف هو المعتمد عند كثير من العلماء في بيانهم لمفهوم الخلافة، وأغلبهم متفق على المعنى المتضمن فيه ولا يحيد عنه، إذ إن سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنة لا يخرج عن هذا المعنى.[56]

ومن كلام العلماء المتفق مع هذا المعنى الذي ذكره الماوردي في تعريفه، نذكر قول إمام الحرمين حيث عرفها بقوله: ” رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة، وكف الحنف، أي الميل والانحراف، والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين.[57]

وعرفها التفتزاني بقوله: ” والإمامة رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم .[58]

وعرفها ابن خلدون ” بأنها حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الناس ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع وحماية، الامة وإقامة العدل بين أفرادها”.[59]

قال ابن الأزرق: ” قال البغوي: لا بأس أن يسمى القائم بأمر المسلمين أمير المومنين والخليفة، وإن كان مخالفا لسير أئمة العدل، لقيامه بأمر المومنين وتسمع المسلمين له وعلى هذا استقر أهل العلم.[60]

إن الملاحظة التي ينبغي إبداؤها إزاء هذه التعريفات وغيرها مما نصت عليه كتب أهل السنة ومصنفاتهم بخصوص تعريف الخلافة، هي أنها تصرح في عمومها، بأن الخليفة نائب عن رسول الله r في القيام بوظيفتي “حراسة الدين وسياسة الدنيا” وفي الوقت نفسه يذهب بعض العلماء إلى جعله نائبا عن الله سبحانه تعالى في القيام بذلك، ويتوهم من تعريف ابن خلدون أنه يعتبرها نيابة عن الله سبحانه وتعالى، لأن عبارة “صاحب الشرع” التي تضمنها تعريفه للخلافة توحي بذلك.

والراجح أن الخليفة يتصرف في منصبه باعتباره خليفة لرسول الله r، يشهد لذلك فهم الصحابة رضي الله عنهم، حيث لقبوا الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقبوه بخليفة الله، وقد ذكر ابن خلدون ما يؤيد صحة ذلك، وينفي كون الخليفة نائبا عن الله تعالى حيث قال: ” وإذ قد بينا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، به سمي “خلافة””وإمامة” والقائم به خليفة وإماما، وسماه المتأخرون سلطانا حين فشا التعدد فيه… فأما تسميته إماما فتشبيها بإمامة الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال “الإمامة الكبرى”، وأما تسميته “خليفة” فلكونه يخلف النبي صلوات الله عليه في أمته، فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله r، واختلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى {إني جاعل في الارض خليفة}.[61] وقوله تعالى {جعلكم خلائف الارض}.[62] ومنع الجمهور منه لأن معنى الآية ليس عليه.[63]

من هنا فإنه يغلب على تعريفات “الخلافة” “أو الإمامة” “أو إمارة المومنين” عند علماء السنة قديمهم وحديثهم، إعطاء الطابع التنظيمي والتنفيذي لرياسة الدولة الإسلامية في حفظ وتحقيق مصالح الناس على هدي مبادئ الشريعة، وهذا يشمل إقامة الحدود، وتنظيم الجيوش وسد الثغور، وردع الظالم وحماية المظلوم، وقيادة المسلمين وغيره، وبذلك لا يعترفون بفصل الدين عن الدولة.ورعيا لهذه العلاقة كان الخلفاء يرتقون المنبر بعد المبايعة فيلقون أولى خطبهم التي يحددون فيها سياستهم ومنهجهم في الحكم، ومن أجل ذلك كانت الخطبة إعلانا عن انضواء ضمن نظام سياسي.[64]

إذن،فالولاية للأمة إذ هي صاحبة الاختيار، ورضاها شرط استمرار لمن يقع عليه الاختيار، يقول عبد القاهر: قال الجمهور الأعظم من أصحابنا: المقصود أهل السنة، ومن المعتزلة والخوارج والنجارية أن طريق ثبوتها “الإمامة أو الرئاسة” الاختيار من الأمة.[65]

ويقول الترابي: اكتشف الفكر الأوربي قاعدة دستورية يعبر بها عن أساس نظري للديمقراطية، وأحسب أنهم إنما تلقوا تلك النظرية التأصيلية للديمقراطية بأثر الاتصال بالفقه السياسي، وكان ذلك الفقه قد عرف جوهر “الديمقراطية””أوحكم الشعب” يوم عرف المومنون الله سبحانه وتعالى وعرفوا علوية شرعه، ثم عرفوا أنهم يستوون بعبادة الله ويتولون الخلافة في الأرض، فما قرره سوادهم الأعظم صدورا عن الإيمان بالشريعة كان أعلى مما يقرره فرد أوفئة من دونهم، فكان الإجماع عند المسلمين هو أصل السلطة الأرضية وإن كان بإيمانهم يتبع الشريعة، وكان أصل العلاقات السياسية هو عهد الولاة بين جماعة المومنين، كما كان أصل إسناد السلطة لولاة الأمر هو عقد البيعة السياسية، هكذا سميت في القرآن، والسنة، والفقه، وكانت مختلف العقود في معاملات المجتمع إنما تقاس على عقد البيع أشهر العقود.[66]

لذا ينبغي تقرير أن علماء السنة استخدموا مصطلح الإمامة بدلالتين :

– الأولى: تفيد معنى السلطة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث هنا عن الإمام أو الخليفة كشخص يرأس السلطة التنفيذية في الدولة

– أما الدلالة الثانية: فتفيد معنى الدولة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث عن الإمامة أو الخلافة هوحديث عن الدولة بأركانها من شعب وسلطة وأرض، فالحديث هنا عن استخدامهم لذات المصطلح بدلالتين يتسق مع تطوير الفكر السياسي المعاصر، وهو أن مفهوم الدولة أشمل من مفهوم السلطة باعتبار أن أركان الدولة هي الشعب والارض والسلطة، لأن الإمامة أو الخلافة عند أهل السنة فرع من فروع الدين، وليست من أصوله، فهي قابلة للاجتهاد مراعاة للثابت والمتغير.[67]

حيث اتفق الجمهور منهم أن عليهم أن يبايعوا خليفة يخلف الرسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام بأمر دنياهم، واتفقوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على واحد بعينه نصا صريحا وإنما جتهدوا في الأمر بعقولهم.[68] بخلاف علماء الشيعة الذين يرونها أصلا من أصول الدين، إذ إنهم يعطون لمنصب الخلافة أو الإمامة دورا أكثر دينيا مما يعطيه أهل السنة، لأنها تعتبر عندهم الخلافة الإلهية في الارض، ومهمة الإمام استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فهي منصب إلهي واستمرار للنبوة في وظائفها باستثناء الوحي، وهي بهذا المفهوم أسمى من مجرد حراسة الدين وسياسة الدنيا، وأنه لا يتوصل إليها عن طريق الشورى أو الانتخاب، بل إن الخليفة عندهم لا بد أن يكون بتعيين من الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهي مما كان للشريعة الحكم القطعي فيها، أما الشورى حسب الآية في قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم}.[69]

لا تصح إلا في الأمور التي لم يرد فيها حكم من الله ورسوله، فهم يرون كما ذكرت أنها استمرار للنبوة، وأن الإمام يجب أن يكون معصوما ومتى كان كذلك كان الإمام هو علي رضي الله عنه، فلا بد من عصمة الإمام لدفع الظلم والتعدي وإحقاق الحق، لأن العلة المحوجة إلى نصب الإمام في نظرهم هو جواز الخطأ على الأمة، ولو جاز الخطأ عليه لا احتاج إلى إمام فإن كان معصوما كان هو الإمام.[70]

فهي عندهم منصب ديني بامتياز، لأن مهمة الإمام الأساسية هي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، في وظائفه من هداية الناس وإرشادهم، فالإمام هو الذي يفسر الدين للناس ويبين لهم المعارف والأحكام ويشرح لهم مقاصد الشريعة، إذ إنهم يعتبرونها أسمى من مجرد القيادة التي تتلخص في تحقيق المصالح الدينية والدنيوية التي عبر عنها علماء السنة بحراسة الدين وسياسة الدنيا.

 الاختلاف في الشروط.

إن المستقرئ المدقق في أهلية شروط الخلافة واستحقاقها عند علماء أهل السنة، يجد اتفاقهم على مجموعة من هذه الشروط التي لا يجوز التغافل والتنازل عنها، حيث اتفقوا على إسناد منصب الخلافة إلى من توفرت فيه الشروط، وهي شروط ليست على سبيل الحصر، وإنما تمثل الحد الأدنى فقط، بحيث يمكن إضافة شروط أخرى إذا دعت حاجات الأمة وضروراتها، فهي قابلة للتعديل والتغيير نحو الأعلى بحسب الأزمنة والأمكنة، وعلى أهل الحل والعقد في الدولة أن يضعوا من الشروط ما يلائم أزمنتهم وأمكنتهم دون المساس بالحد الأدنى المتفق عليه بين العلماء، والمتأمل في هذه الشروط التي حددها الفقهاء يدرك أن مصدر أغلبها الاجتهاد، وحتى الشروط التي وردت فيها نصوص شرعية لم تكن قطعية الدلالة على الحكم المستفاد منه، كما مر معنا في حديث الأئمة من قريش.[71]

فقد ذكر الماوردي سبعة شروط لمنصب الخلافة، وهي العدالة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الأعضاء، والحواس، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية، والشجاعة، والنسب القرشي.[72]وقد فصل إمام الحرمين القول في الإمام الذي يقود المسلمين ليصل في الأخير لتقرير، أن الصالح للإمامة هو الرجل الحر القرشي المجتهد الورع ذو النجدة والكفاية.[73]

ويعلق ابن خلدون على الشرط الأخير قائلا: “إن الأحكام الشرعية كلها لابد لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها، ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه، لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في المشهور، وإن كانت تلك الوصلة والتبرك بها حاصلا، لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية، فلا بد إذن من المصلحة في اشتراط “النسب” وهي المقصودة من مشروعيتها، وإذا نظرنا وبحثنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب، فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الألفة فيها، وذلك أن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم، وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم.[74]

فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبة القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة… فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل، ولا عصر، ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية.[75]

بينما تختلف الشيعة عن أهل السنة والجماعة في هذا الأمر جملة وتفصيلا، حيث ذهبت طوائف من الشيعة الإمامية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومنصب الإمام يقتضي العصمة كالنبوة، إذ لم يروا للإمامة مستندا غير نص الرسول صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن الإثني عشر إماما نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونص بعضهم على بعض، وعمر الدنيا منقرض بانقراضهم وآخرهم المهدي، وهو عندهم محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب على الأبصار…[76]

إن الذي يمكن تقريره في هذه المسألة، أن جملة الشروط المطلوبة في أهلية الخلافة عند أهل السنة والجماعة مردها إلى الاجتهاد، فقد استنبطها الفقهاء من ثنايا النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، ولا دليل قطعي يصرح بها مجموعة، سوى أن المكانة الجليلة التي يتبوؤها الخليفة في الأمة جعلهم يحرصون على وضع شروط تصد غير المؤهل عن منصب الخلافة، لذا يتعين في حق أهل الرأي والأمر إعادة تكييف هذه الشروط وفقا لمتطلبات الحياة في الدولة المعاصرة، وأعني إعادة التكييف الاجتهادي الواعي من قبل المؤهلين لذلك وفقا لمقاصد الشريعة، وقواعدها الكلية الرامية دوما إلى الحفاظ على المقاصد الخمسة، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”.[77]

أقول في ختام هذا المقال، إن الدولة الحديثة ضرورة استدعتها ظروف الواقع عقب سقوط الخلافة العثمانية، لذا يجب النظر في الأحكام السياسية للدول الإسلامية بما يتفق مع قواعد الشريعة ويحقق المقاصد العامة لها، لأن إعلان شعار الخلافة بالمفهوم المعروف باختيار قيادة تحكم المسلمين، سيعمق من الخلاف بين المسلمين ولا يحقق أي مصلحة، بل إن رفع هذا الشعار والدعوة إلى تطبيقه أمر مستحيل الوقوع على الأقل في الوقت الحالي، فالعمل على احترام سيادة الدول والتعاون بينها كأنظمة مستقلة عن بعضها البعض تحت مظلة الإسلام، سيحل في نظرنا مجموعة من المشاكل في مجتمعاتنا الإسلامية، فبسبب هذا الصراع الفكري الأيديولوجي، نتجت صراعات وأزمات انسانية واقتصادية في عالمنا العربي والإسلامي كان يمكن تفاديها بالفهم الصحيح لهذا الموضوع.

وقد قال بعض الفقهاء بجواز تعد الأئمة في دار الإسلام إذا دعت الضرورة والحاجة إلى ذلك، نكتفي في هذا المقام بقول أحد الأئمة في هذه القضية، يقول الإمام الشوكاني: وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار الأخرى كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.[78]

وقد أكد على وجهة النظر هذه مجموعة من العلماء من شتى المذاهب، إن البقاء على مفهوم الخلافة والدفاع عنها في نظر بعض التيارات بدافع أن ذلك يحقق وحدة المسلمين، حيث ارتبط مفهوم الخلافة في عقل البعض بشكل النظام العادل الذي يحقق العدالة الاجتماعية للجميع ويخلص المستضعفين، مما أدى ببعض الجماعات بفرض هذا المفهوم عن طريق القوة والإكراه والخروج على ولاة الأمر، باستقطاب الناس من هنا وهناك كما هو حال السلفية الجهادية، وداعش وغيرهما من الجماعات المختلفة.

لأن هذا الفهم الخاطئ كون مجموعة من الجماعات التي أعلنت انشقاقها عن الأنظمة، مما تسبب عنه كوارث إنسانية خصوصا في إفريقيا، إذ أصبحت إفريقيا بسبب هذه النزاعات المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي، تعاني من الأمن الغذائي بانتشار المجاعة في مجموعة من الدول، كما أن مجموعة من النزاعات الأخيرة بين بعض الدول قامت بسبب حمل البعض لشعار إقامة الخلافة، حيث رأت فيه تهديدا لسيادتها وأمنها، فطرق مثل هذه المواضيع خصوصا في الوقت الراهن في نظرنا، لن يحقق أي مصلحة للأمة، بل يفوت عليها الالتئام والاجتماع حول مصالحها المشتركة، وتحقيق العيش الكريم لشعوبها في ظل الأوضاع الإنسانية بالمنطقة.

يمكن أن نحقق العدالة الاجتماعية، ويمكن أن نحقق التقدم في كل مجال وبدون خلافة، لأن تطبيق الأحكام الشرعية وتحقيق العدالة الاجتماعية لا تنبني ولا تترتب على الأشكال والأسماء والمظاهر، وإنما تنبني على مراعاة حقائق الأشياء وصفاتها المؤثرة، ولذلك يقول أحد العلماء المعاصرين: “لو اختفى لفظ الخلافة والخليفة من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقال ذرة ولا أصغر منها، ولكن إذا اختفى العدل، واختفت الشورى، وشرعية الحكم ليوم واحد فتلك طامة كبرى، إن خلافة تأتينا بالسيف وتؤجج الأوضاع بين المسلمين بسبب تباين الأفكار، لن تكون فيما لو كانت إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة.[79]

فنظرا لأهمية رئيس الدولة وتعلقه أساسا بسياسة مصالح المسلمين، فإن أول ما يستدعي النظر في مفهوم الخلافة وشروطها التي صاغها الفقهاء ضمن بيئة وظروف تغيرت كثيرا في واقع المسلمين اليوم، فالدولة الواعدة صارت دويلات متعددة لكل منها نظام سياسي يحقق مصالح شعبها دون سواه، والانغلاق على هذه الشروط التي ذكرها العلماء في كتب علم الكلام ومصنفات الأحكام السلطانية يفوت على الأمة تحصيل المقاصد السامية التي جاءت بها الخلافة، وذلك لا استحالة قيامها على الأقل في الوقت الراهن، فليترك هذا الأمر للزمن، ولنعمل وفق ضرورات الحياة حفاظا على مصلحة الأمة في منصب الرئاسة، خاصة وأن موضوع الخلافة يدخل ضمن مجالات الاجتهاد السياسي الرامي إلى تحقيق الملائمة والمواءمة بين الأحكام السياسية والواقع المعاش، حيث لم ترد بشأنها نصوص قطعية توجب على الأمة الالتزام بها في إبرام عقد الخلافة.[80]


[1] – بحث للدكتور مصطفى بن حمزة بعنوان: منهج الأشعري في قراءة النص، ص 1

[2]– مقالات إسلامية، د عماد الدين خليل، بتصرف نشر دار ابن كثير ط/ 2005 ص 10

[3]– المرجع نفسه، ص 90

[4] – الفرق بين الفرق،عبد القاهر البغدادي، نشر دار الآفاق الجديدة ص 14

[5] – مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق هلموت ريتر، نشر دار فرانز شتايز ط/ 3 /ص 3

[6] – الملل والنحل، الشهرستاني، بتصرف تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر دار المعرفة، ط/ 2 ج / 1 ص 24

[7] – مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة ط 1/ 2001 ج/ 7 ص 389

[8] – سورة آل عمران الآية 164

[9] – صحيح مسلم، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم، نشر دار إحياء التراث العربي رقم الحديث 2276 ج/ 4

[10]- مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة ط 1/ 2001 ج/ 7 ص 389

[11] – لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد بن ناصر العجمي نشر دار البشائر الإسلامية، ط/ 1 ص 7

[12] – لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، ابن حجر، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، نشر دار البشائر الإسلامية، ط1 ص65

[13] – لذة العيش، في طرق حديث الأئمة من قريش، ابن حجر، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، نشر دار البشائر الإسلامية، ط/1 ص 48

[14]– مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق هلموت ريتر، ص 2

[15] – العواصم من القوا صم، لأبي بكر بن العربي، تحقيق محمد مهدي الاستانبولي، نشر مكتبة السنة ط/ 1 ص 55

[16] – أخرجه أحمد في المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، ط 1/2001 ج/ 18 رقم الحديث 11415

[17] – السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية، تحقيق علي بن محمد العمران، نشر دار عالم الفوائد، ص 162

[18] – إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، للشيخ محمد الخضري نشر دار الفكر ص 233

[19] – مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، نشر دار يعرب ط/ 1 ج/ 1 ص 138

[20] – أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1851

[21]- بحث للدكتور مصطفى بن حمزة بعنوان: منهج الأشعري في قراءة النص، ص 2

[22] – الأحكام السلطانية للما وردي، تحقيق أحمد جاد، نشر دار الحديث ص 15

[23] – مسند الإمام أحمد بن حنبل تحقيق شعيب الأرنؤوط نشر مؤسسة الرسالة ط 1/ 2001 ج/ 7 ص 389

[24] – المعتمد في أصول الدين، لأبي يعلى الحنبلي، تحقيق وديع زيدان حرار، نشر دار المشرق ص 222

[25] – الاقتصاد في الاعتقاد، لأبي حامد الغزالي، تحقيق موفق فوزي الجبر، نشر الحكمة ط 1/ 1994 ص 200

[26] – الأحكام السلطانية للماوردي، تحقيق أحمد جاد، نشر دار الحديث، ص 17

[27] – الخلافة رشيد رضا، نشر الزهراء للإعلام العربي، ص 18

[28] – أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1851

[29] – الخلافة رشيد رضا، نشر الزهراء للإعلام العربي، ص 18

[30] – الملل والنحل، الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر دار المعرفة، ط/ 2 ج / 1 بتصرف ص 146

[31] – المعتمد في أصول الدين، لأبي يعلى الحنبلي، تحقيق وديع زيدان حرار، نشر دار المشرق ص 223

[32] – منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، المحلي، تحقيق عبد الرحيم مبارك، نشر انتشارات تاسوعاء ط/ 1 ص 31

[33] – المرجع نفسه،ص 37

[34] – نفسه، ص 66

[35]– مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق هلموت ريتر، نشر دار فرانز شتايز ط/ 3 /ص 17

[36] – منهاج الكرامة، في معرفة الإمامة، المحلي، تحقيق عبد الرحيم مبارك، نشر انتشارات تاسوعاء ط/ 1 ص 114

[37] – سورة المائدة الآية 57

[38] – منهاج الكرامة، في معرفة الإمامة، المحلي، تحقيق عبد الرحيم مبارك، نشر انتشارات تاسوعاء ط/ 1 ص 115

[39] – سورة الشعراء الآية 213

[40] – منهاج الكرامة، في معرفة الإمامة، المحلي، تحقيق عبد الرحيم مبارك، نشر انتشارات تاسوعاء ط/ 1 ص 148

[41] – المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض، شمس الدين الذهبي، تحقيق محب الدين الخطيب، ج/ 1 ص 465

[42] – مع الإثني عشر في الأصول والفروع، علي السالوس، نشر دار الفضيلة، ط/ 7 ج/ 1 ص 184

[43]  – الفكر الفلسفي الإسلامي سامي النشار ص 21

[44] – الملل والنحل، للشهرستاني، تحقيق محمد سعيد كيلاني، نشر دار المعرفة، ط 3/ 1975 ص 155

[45] – فرق الشيعة اانوبختي ص 15

[46] – النظريات السياسية الإسلامية، د محمد ضياء الدين الريس، نشر دار التراث ط/ 7 ص 67

[47] – البيعة عند مفكري أهل السنة والعقد الاجتماعي في الفكر السياسي الحديث، بتصرف أحمد فؤاد نشر دار قباء ص 89

[48] – فرق الشيعة للنوبختي ص 10

[49]  – معجم اللغة العربية، المعجم الوسيط، نشر مكتبة الشروق الدولية، ط/2 ج/ 1 ص 27

[50] – تاج العروس من جواهر القاموس مرتضى الزبيدي تحقيق عبد العليم الطحاوي، نشر التراث العربي ط/ 1 ج/ 31 ص 243

[51] – مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، ط1 /1999 ج/ 33 رقم الحديث 19777

[52] – الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، نشر مكتبة السلام العالمية، ج/ 4 ص 75

[53] – روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي، نشر المكتب الإسلامي ط/ 3 /1991 ج/ 11 ص 49

[54] – أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب 50 فتح الباري ج/6 ومسلم في كتاب الإمارة رقم 1842

[55] – الأحكام السلطانية، تحقيق أحمد جاد، نشر دار الحديث القاهرة/ 2006 ص 15

[56] – الخلافة، رشيد رضا، نشر الزهراء للإعلام العربي ص 17

[57]- غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني أبو المعالي، تحقيق فؤاد عبد المنعم مصطفى حلمي، نشر دار الدعوة/ 1979/ ص 55

[58] – شرح المقاصد: سعد الدين التفتازاني، تحقيق عبد الرحمان عميرة، نشر دار عالم الكتب بيروت، ط 2/198 ج/ 5 ص 234

[59] – مقدمة عبد الرحمان بن خلدون، نشر دار الشعب ص 170

[60] – بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله بن الأزرق، تحقيق علي سامي النشار، منشورات وزارة الإعلام العراق، ج/1 ص92

[61] – سورة البقرة الآية 29

[62] – سورة البقرة الآية 167

[63] – المقدمة، عبد الرحمان بن خلدون، نشر دار الشعب، ص 171

 – بحث بعنوان” نحو خطبة بانية ” للدكتور مصطفى بن حمزة قدم في مؤتمر حول الخطبة بالدار البيضاء عام 2005 [64]

[65] – أصول الدين، عبد القاهر البغدادي، نشر مطبعة الدولةط 1 ج/1 ص 279

[66] – الشورى والديمقراطية: إشكالات المصطلح والمفهوم،د حسن الترابي ص 12

[67] – مقال بعنوان: مسألة الخلافة الإسلامية مقاربات فكرية وسياسية مختلفة، جلال خشيب.

[68]- نشأة الفكر الفلسفي الإسلامي د علي سامي النشار، نشر دار المعارف، ط/ 8 ج/ 2 ص 23

[69]- سورة الشورى الآية 35

[70] – منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، المحلي، تحقيق عبد الرحيم مبارك، نشر انتشارات تاسوعاء ط/ 1 ص 113

[71] – شروط رئيس الدولة في الفقه الإسلامي د رضا شعبان مجلة آفاق للعلوم العدد 10/ 2018 ص 64

[72] – الأحكام السلطانية الماوردي تحقيق أحمد جاد نشر دار الحديث القاهرة/ 2006 ص 19

[73] – غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني ص 97

[74] – المقدمة، عبد الرحمان بن خلدون، نشر دار الشعب ص 174

[75] – المقدمة، عبد الرحمان بن خلدون، نشر دار الشعب، ص 175

[76] – غياث الأمم في التياث الظلم ص 99

[77] – المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي نشر دار الكتب العلمية، ط 1 1993 ص74

[78] – السيل الجرار المترفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، نشر دار ابن حزم، ط1/ 2004 ج/ 1 ص 941

[79] – مقال بعنوان: الخلافة التي لا تأتي إلا بالسيف لن تكون إلا مصدر شر، د أحمد الريسوني، هسبريس بتاريخ 11/07/2014

[80]- شروط رئيس الدولة في الفقه الإسلامي، د رضا شعبان مجلة آفاق للعلوم العدد العاشر ص 60

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.