منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) شعب الله المختار أم ـ شعب القتل والدمار ـ 

الدكتور مصطفى العلام

0

توطئة

تناولنا في مقالة سابقة موضوع أرض الميعاد التوراتية كأحد المداخل الأساسية التي اعتمدتها الحركة الصهيونية لاحتلال أرض فلسطين، وأوضحنا أن هذه الكذبة الصهيونية الكبرى بدأت تسير إلى نهايتها الحتمية، بفضل صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة وما حققته من إنجازات تاريخية في الحرب الأخيرة على غزة.

وفي هذه المقالة سنتناول موضوعا آخر يشكل الأساس الثاني التي اعتمدته الحركة الصهيونية لاحتلالها لأرض فلسطين، وتبرير عدوانها الغاشم على الشعب الفلسطيني الأعزل،إنه موضوع شعب الله المختار. فقد وظفت الحركة الصهيونية نصوصا دينية توراتية لتبرير تفوق العنصر اليهودي الُممَثَّل في شعب الله المختار،واستعلائه عن سائر الأجناس والأعراق الأخرى. كما وظفت الحركة الصهيونية أيضا ‘المحرقة’ لسن قوانين معاداة السامية، فأصبحت معاداة ‘إسرائيل’ وجرائمها في فلسطين في حد ذاتها معاداة للسامية ولشعب الله المختار.

فماهي النصوص الدينية التوراتية المؤسسة لفكرة شعب الله المختار؟ وعلاقة كل ذلك بالانتساب إلى إبراهيم الخليل عليه السلام؟ وكيف ينظر المعتقدون بفكرة شعب الله المختار إلى الآخر؟ وماهو رد الديانة المسيحية والإسلام على هذا الادعاء؟ وكيف تحول شعب الله المختار إلى شعب القتل والدمار؟

1ـ شعب الله المختار والانتساب إلى إبراهيم الخليل.

المزيد من المشاركات
1 من 31

ما من شك أن نظرية شعب الله المختار حاضرة بقوة في الأساطير والتفاسير اليهودية للكتاب المقدس في العهد القديم. وحسب زعمهم، يرجع أصل هذه النظرية الخاصة باصطفاء الشعب العبري دون غيره من الشعوب إلى سيدنا إبراهيم الخليل وانتسابهم له. إن هذا الشعور الذي ينتاب اليهودي ـ وتكرسه الأصولية اليهودية ـ لم يأت من فراغ ،بل وردت عدة تسميات في التوراة والتلمود وغيرهما من الكتب تعطي هذا الانطباع، ومن تم فإن اليهود أطلقوا عدة “تسميات لاهوتية”[1]منها:

  • ( عم عولام ) الشعب الأزلي .
  • ( عم نيتسح ) الشعب الأبدي .
  • ( عم قادوث ) الشعب المقدس.

إن الخصوصية المزعومة التي يضفونها على أنفسهم، باعتبارهم أبناء الله، وشعبه المختار نجد لها أصلا في توراتهم في نصوص دينية توراتية نذكر منها:

ـ  «أَنْتُمْ أَوْلاَدٌ لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ. لاَ تَخْمِشُوا أَجْسَامَكُمْ، وَلاَ تَجْعَلُوا قَرْعَةً بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ لأَجْلِ مَيْتٍ. لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ »  [2]

ـ وفي موضع آخر من سفر اللاويين »وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي.» [3]

إن هذا الإيمان بعقيدة شعب الله المختار، هي فكرة أساسية في الفكر الأصولي اليهودي ،نتج عنها صفة ” القداسة ” التي أصبح يحملها كهنتهم وأحبارهم ، وأصبحت حاضرة بشكل قوي في طقوسهم الدينية وكتبهم التوراتية. بل الأكثر من ذلك أن اليهود غير المتدينين أخذوا هم أيضا بهذا التصور، فأصبح يكتسي طابعا قوميا عميقا .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الاستعلاء والتمايز مع باقي الشعوب، بل إنهم ـ حسب هذا الاعتقاد ـ يعتبرون بقية الشعوب حيوانات ضالة خلقها الله في صورة بشرية لغاية واحدة فقط هي خدمة شعب الله المختار. وهذه النظرية العنصرية لا يعتبرونها تهمة تجعلهم غرباء عن الإنسانية، بل يعتبرونها صفة مميزة لهم يتفاخرون بها بين الأمم والشعوب، ونقلا عن تلمودهم بالحرف ، نقرأ  »وتتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله،كما أن الابن من والده.ومن ثم كانت أرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة إلى باقي الأرواح ، لان الأرواح غير يهودية هي أرواح حيوانات شيطانية »  [4]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

إن هذا التصور اليهودي الأصولي العنصري يتجاوز سائر القوانين المتعارف عليها، والتي تنظم العلاقات السائدة بين سائر الشعوب ، لذلك فإن الحاخام ” شلومو افنير ” الذي يعد من أبرز الشخصيات المنظرة لفكرة شعب الله المختار، يرى . »أن الوصايا الإلهية للشعب اليهودي تسمو على الأفكار الإنسانية … وحينما يطلب الله من سائر الأمم الخضوع للقوانين لا تنطبق على اليهود لأن الله يتكلم مع شعبه، أي شعب إسرائيل مباشرة . » [5]

لا غرابة إذن أن الإله الخاص باليهود قد حل في الشعب اليهودي فأصبح شعب الله المختار، وهذا الشعب المختار وبأمر إلههم حل في الأرض فأصبحت أرض الميعاد التوراتية المقدسة. وهكذا نرى هذه الصورة الأخيرة للعلاقة التي تربط الثلاثي المكون لأسطورة القداسة في الفكر الديني اليهودي. وقد نتج عن هذه الصورة ما يلي . »1-عقدة الاضطهاد الجماعي 2- عقدة التفوق الفردي . » [6]

أما الانتساب إلى إبراهيم الخليل فمرده ـ حسب زعمهم ـ إلى العهد المقدس الذي أعطاه الرب له ، بعد خروجه من مدينة ” أور ” العراقية واستقراره بأرض كنعان ” فلسطين “. هذا العهد يجعله الأصوليون اليهود أساسا للشرعية التاريخية لوجود ” شعب الله المختار” وبالتالي لا يمكن لأي قوة كيفما كانت الطعن فيه أو إلغاؤه.هذا العهد أيضا أورثه النبي إبراهيم لنسله من بعده خصوصا المنحدر من إسحاق وليس من إسماعيل عليهما السلام. » هذا العهد المقدس قد أورثه النبي إبراهيم إلى ابنه إسحاق، ومنه إلى ابنه “يعقوب  إسرائيل”، ثم انتقل منه إلى النبي يوسف، وبقي متوارثا في آل يعقوب حتى اختص به النبي موسى، ومنه انتقل إلى الشعب اليهودي . »  [7]

إن هذه النزعة المتطرفة في التمييز بين اليهود كشعب مختار أو كشعب مقدَّس وبين الشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة، تجسدت بشكل واضح حين اعتبرت غير اليهود أغيار أو غرباء.

كما أن هذا التصنيف العنصري يحوِّل ‘الأغيار’ إلى فكرة أكثر تجريداً من فكرة اليهودي في النظام النازي أو فكرة الزنجي في الأنظمة العنصرية البيضاء. فقد جاء في سفر أشعياء 61: 5 ـ 6 ” . »وَيَقِفُ الأَجَانِبُ وَيَرْعَوْنَ غَنَمَكُمْ، وَيَكُونُ بَنُو الْغَرِيبِ حَرَّاثِيكُمْ وَكَرَّامِيكُمْ. أَمَّا أَنْتُمْ فَتُدْعَوْنَ كَهَنَةَ الرَّبِّ، تُسَمَّوْنَ خُدَّامَ إِلهِنَا. تَأْكُلُونَ ثَرْوَةَ الأُمَمِ، وَعَلَى مَجْدِهِمْ تَتَأَمَّرُونَ. . ». كما جاء في سفر ميخا4: 13 ” «قُومِي وَدُوسِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لأَنِّي أَجْعَلُ قَرْنَكِ حَدِيدًا، وَأَظْلاَفَكِ أَجْعَلُهَا نُحَاسًا، فَتَسْحَقِينَ شُعُوبًا كَثِيرِينَ، وَأُحَرِّمُ غَنِيمَتَهُمْ لِلرَّبِّ، وَثَرْوَتَهُمْ لِسَيِّدِ كُلِّ الأَرْضِ».”. بل إن التلمود(في بعض نصوصه المتناقضة) يدعو دعوة صريحة  إلى قتل الغريب، حتى ولو كان من أحسن الناس أخلاقا.

2 ـ من شعب الله المختار إلى معاداة السامية

بعد أن كان ‘شعب الله المختار’ يقتل الأنبياء والمرسلين ـ وهذا ما أشارت إليه آيات القرآن الكريم ـ فإنه تمادى في جرائمه وفساده الثاني في الأرض، فبدأ يستهدف الأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة، والبنايات العمومية من مستشفيات ومدارس ومحطات للكهرباء وماء الشرب. وكل هذه الجرائم الغير مسبوقة في تاريخ البشرية جمعاء، لاتجد من يندد بها من الحكومات الغربية وبعض الحكومات العربية بدعوى أن مثل هذا التنديد ينطبق عليه وصف ‘معاداة السامية’ فشعب الله المختار المكون من الصهاينة المجرمين الغاصبين للأرض هم من الشعوب السامية التي تبقى فوق كل تنديد ومحاسبة.

إن معاداة السامية أو معاداة اليهود (بالإنجليزية: Anti-Semitism)‏ هو. » مصطلح يعطى لمعاداة اليهودية كمجموعة عرقية ودينية وإثنية. »  [8]

أما المعنى الحرفي أو اللغوي للعبارة فهو “ضـد السامية”، وتُترجَم أحياناً إلى “اللاسامية”. وقد . »تم استعمال المصطلح لأول مرة من قبل الباحث الألماني فيلهم مار لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر. » [9]

استطاعت الحركة الصهيونية توظيف مصطلح “معاداة السامية” ، لتحقيق مصالحها بعدما اتخذت من ظاهرة معاداة السامية ذريعة لفصل الجماعات اليهودية في أوروبا عن المجتمعات المسيحية التي كانت تعيش بينها، وطورت على أساسها الفكرة القومية الموجهة لإنشاء ما يسمى بالوطن القومي البديل  لليهود.ولازالت الحركة الصهيونية أيضا توظف مصطلح “معاداة السامية” للإفلات من العقاب أمام كل جرائمها المرتكبة في حق الفلسطينيين،ولمواجهة الانتقادات وحملات التضامن العالمية، التي أصبحت تتسع بشكل ملحوظ، وذلك عن طريق سن قوانين دولية تجرم “معاداة السامية” المرادف ل” معاداة الصهيونية”.

3 ـ الشعب الفلسطيني المقاوم يفضح ” شعب الله المختار”

استطاع الشعب الفلسطيني المقاوم أن يفضح “شعب الله المختار” المكون من جماعات صهيونية حاقدة على الإسلام وأهله، تتبنى القتل والدمار، وتنشر الأكاذيب عن طريق الإعلام العالمي المساند لرؤيتها الاستعلائية المتعصبة.واستطاع هذا الشعب المقاوم أيضا أن ينال تقدير أحرار العالم الذين ناصروه ضد هذه الغطرسة الإسرائيلية العنصرية. بل الأكثر من ذلك فرض نفسه بقوة على بعض الصهاينة أنفسهم من خلال شهاداتهم بأن هذا الشعب الفلسطيني المقاوم لامثيل له في العالم .

ها هو كاتب آخر يعترف، ليس بوجود الشعب الفلسطيني، بل وبتفوقه على “الإسرائيليين”، هو (جدعون ليفي) الصهيوني اليساري، إذ يقول :

»يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا على شبابهم الغانيات وبنات الهوى والمخدرات، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ 87 .. أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون .

وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000 ، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار ، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة..

وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلاً في الحرب الماضية ، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي “الإسرائيلي” (عاموس)؟ ويدخلون الرعب إلى كل بيت في “إسرائيل”، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية “الاسرائيلية” . خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال » . [10]


الهوامش

[1] رشا عبد الله الشامي,الشخصية اليهودية والإسرائيلية والروح العدوانية،الكويت1985م،ص29

[2] سفر التثنية:الإصحاح14 : 1-2

[3] سفر اللاويين :الإصحاح20 :26

[4] عبد الوهاب زيتون:الأصولية في اليهودية هل قرأت ؟  المنارة بيروت، الطبعة الأولى 1995م ص50

[5] ـ هيمان إيمانويل: الأصولية اليهودية، ترجمة سعد الطويل، مراجعة: أحمد الرفاعي ،مطابع الهيئة المصرية للكتاب 1998م.

ص13

[6] ـ البذري جمال:السيف الأحمر، دراسة في الأصولية اليهودية المعاصرة، الأوائل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003م. ص36

[7] أحمد شلبي:مقارنة الأديان-اليهودية-مكتبة النهضة المصرية،القاهرة1996م،ص45

[8]التعريف في معجم مريام وبستر نسخة محفوظة 24 ديسمبر 2017 على موقع واي باك مشين.

[9] مقالة معاداة السامية في الموسوعة البريطانية نسخة محفوظة 18 مايو 2015 على موقع واي باك مشين.

[10] ـ الكاتب : آري شبيت ، عنوان المقال : “اسرائيل” تلفظ أنفاسها الأخيرة، ، المصدر : صحيفة هآرتس العبرية، التاريخ 14/05/2021

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.