منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البعد الحضاري في الكلمة النبوية

جمال أيت بوجمعة

0

رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطاب للإنسانية جمعاء، كلمة رحمة للعالمين. نداؤها أساسا للمؤمنين ليتمثلوا قيمها ويدعو الناس إليها. ومما خوطبوا به قيمة الرحمة؛ بألفاظ وبنية معجمية مختلفة، وقد أبان القرءان العظيم عن الرحمة التي جاءت بها الرسالة المحمدية في سياقات مختلفة، وءايات عديدة، منها قوله تعالى:” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. (الأنبياء، الآية: 107).

وهذه الرحمة التي حملتها الرسالة المحمدية ونادت بها؛ تغطي مجالات متعددة وتلقي بظلالها عليها، سواء المجال الفكري أو العلمي أو العمراني أو الغذائي أو الأمني، أي كل ما له ارتباط بالواقع الاجتماعي وحياة الإنسان.

وإذا رجعنا إلى القواميس والمعاجم اللغوية التي اهتمت بتحديد معاني الكلمات نجد أن كلمة الرحمة تعني باختصار: الرقة والعطف والرأفة والإتقان وإيصال الخير إلى الغير، وتقديم ما يعود بالنفع والسرور والسعادة عليهم في الدنيا والآخرة. (معجم مقاييس اللغة لابن فارس، 2/498). وبهذا المعنى وردت نصوص نبوية كثيرة لا تحصى، منها حديث المرأة التي هلكت بسبب هرة، وحديث:” الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء. (رواه الترمذي، رقم 1924).  فهذه النصوص وغيرها كثير تحث على العطف على المحتاجين في مختلف المجالات وتقديم المساعدة لهم.

والخطاب القرآني رسالة موجهة للمكلفين؛ تارة بصيغة الإفراد، وأخرى بصيغة الجمع، تستوجب تلك الرسالة على الناس العمل بمقتضياتها في مختلف المجالات، سواء في علاقتهم مع الخالق أو النفس أو الغير، لأن الوحي الخاتم يهدف إلى الأخذ بأسباب الشهود الحضاري وعدم إغفال سنة التدافع لتحقيق الخيرية، بدل الاستسلام والتبعية المطلقة والخضوع، وترك الناس يئنون تحت وطأة المعاناة والتخلف والقهر.

وقد بدا لي أن أقف مع نص نبوي شريف لبيان بعض ما يدعو إليه، حديث يرشد إلى تحقيق قيمة الرحمة، وهي صفة من صفات الله تعالى وردت في أول سورة في كتابه المبين، وهدف تلك القيمة العمل بمقتضياتها للتخفيف من معاناة البشرية والعطف عليهم، وتحقيق الأمن النفسي والروحي وعدم تعريض حياتهم للخطر؛ سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وليس يخفى أن الأمن النفسي من مقتضيات الرحمة، وتوفير الغذاء للناس من الرحمة، والأمن على النفس والأهل والممتلكات من الرحمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” الراحمون يرحمهم الرحمن”.

المزيد من المشاركات
1 من 32

ورحمة الناس تكون بمساعدة المحتاجين منهم للحصول على مبتغاهم وتحقيق أهدافهم، وإيوائهم وتوفير الأمن لهم، وحمايتهم من المخاطر ولسعات البرد، ومداواة المرضى وعلاجهم في المستشفيات، لأن المرض يحرم الإنسان من الأمن النفسي، الشيء الذي يقحمه في موقف يحتاج فيه إلى من يعطف عليه ليرفع عنه الألم الحسي أو المعنوي. وليس توفير فرص الشغل على قدر المستطاع والحد من مظاهر البطالة وانتشار الفقر ببعيد عن الرحمة ومقتضى فلسفتها، لأن الرحمة ليست إنقاذ الناس من عذاب رب العالمين في الدنيا والآخرة بتمرير خطاب ترغيبي ترهيبي فحسب، بل هي أشمل من ذلك؛ لأنها قيمة حضارية لها انعكاس على السلوك والمجتمع، الشيء الذي يستوجب أن تتجلى آثارها في الواقع وعلى معيشة الأفراد وصحتهم، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم:” ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، ارحموا البطالي والخائف والمحتاج والجائع والمريض، أي كل شخص بحاجة إلى من يعطف عليه ويرأف به.

ومن الأحاديث النبوية التي سطرت معالم الرحمة والسعادة للبشرية؛ وبينت أهم ما ينبغي للمرء أن يحافظ عليه، وأن يسعى لتحقيقه وكسبه بطرق مشروعة؛ ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:” من أصبح منكم آمنا في سربه؛ معافى في جسده؛ عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا”. (رواه الترمذي، رقم: 2346).

وسأحاول من خلال التعامل مع هذا النص النبوي الشريف الإجابة عن أسئلة هي مفتاح لفهم محتوى هذا الخطاب الجزئي النبوي. وتلك الأسئلة هي كالآتي:

  • إذا كانت الرحمة مما أوجب الله تعالى على البشرية تمثلها في الواقع؛ فما هي تجلياتها في هذا الحديث الشريف؟.
  • وأين تتجلى الأبعاده الحضارية في الرحمة عموما وفي هذا الحديث على وجه الخصوص؟.

يرصد هذا الحديث النبوي الشريف أهم ما يسعى الإنسان صاحب الفطرة السوية لتحقيقه في حياته، وهو من الأمور الضرورية التي ترتكز عليها حياة الإنسان واستمراره. ومما أرشد إليه الأمن النفسي المتمثل في المسكن والمأوى، أو السير في الطريق دون خوف على حياته أو ممتلكاته. والغذاء الذي به قوام الذات وتحقيق النمو السليم، والسلامة من العلل التي تفقد الإنسان الراحة النفسية وتدخله في دوامة التعب والإرهاق، والحرمان من الراحة في فترات يأوي الناس فيها إلى مضاجعهم.

ولتحقيق ما تدعو إليه هذه الكلمة النبوية على الأمة والبشرية أن تأخذ بجملة أسباب لتجسيد ما نصت عليه، من ذلك على سبيل المثال والتقريب والإشارة السريعة:

قوله صلى الله عليه وسلم:” من أصبح منكم ءامنا في سِربه”، السرب بالكسر والفتح معا، والمراد به الطريق أو المسكن بناء على الحركة المستعملة في ضبط الكلمة؛ والأمن في المنزل أو الطريق يكون بالأخذ بأسبابه، وتحقيق ذلك يكون ببناء المؤسسات الأمنية، وتكوين العناصر التي ترعى الأمن الداخلي لضمان الاستقرار واحترام الآخرين وعدم السطو على ممتلكاتهم، لأن الأمن سبيل العمران والاستثمار، ومحفز حقيقي للناس لتأسيس مشاريع تنموية تعود بالنفع على الأفراد والمجتمع، فلا استثمار في غياب الأمن وانتشار الفوضى، لأن التسيب والانفلات ينتج الخراب والدمار والنهب والتخلف، ويفقد الناس الرغبة في بناء مشاريع تسهم في تقدم البلاد وازدهارها، فما تمت الإشارة إليه يعكس طبيعة الوحي الخاتم الذي يدعو إلى العمارة والاستثمار والمنافسة الحضارية لتحقيق الخيرية في مختلف المجالات، وذلك كله عين الرحمة التي دعت الشريعة الربانية إلى إظهارها وتجسيدها في الواقع.

قوله صلى الله عليه وسلم:” معافى في جسده”؛ سلامة البدن من الأمراض والأسقام التي تعتري الإنسان وتقعده أحيانا عن الحركة مما جرت به الحكمة الإلهية لأمور قد يقف عليها الإنسان بتأمل وإعمال العقل، لأن الصحة نعمة قد يغفل المرء عن إدراك حقيقتها، والمرض باب من أبواب تذكير الإنسان بقيمة الصحة ودورها في الكسب وتحقيق طموحاته، ومن الطرق التي تساعد على سلامة البدن وحماية النفس؛ بناء المستشفيات والمراكز الصحية، والحرص على مسايرتها للواقع من خلال توظيف الأجهزة الحديثة والسهر على علاج المرضى، وتوفير الأدوية وإنتاجها عن طريق تشجيع البحث العلمي، وتكوين الطواقم الطبية في المراكز المخصصة والمؤسسات والجامعات بصفة مستمرة؛ لأن ذلك كله من الرحمة التي جاءت بها الرسالة المحمدية، لأن المريض بحاجة إلى من يعطف ويشفق عليه، وطريق ذلك بناء المستشفيات لحماية الأفراد من استفحال الأمراض وعلاجهم، لأن سلامة الأبدان من الأضرار طريق الاستثمار في العنصر البشري لبناء حضارة مزدهرة ومجتمع متقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم:” عنده قوت يومه”؛ هذه الجملة التي هي مكون من مكونات الحديث طرقت أهم ما لا يمكن للإنسان أن يستغني عنه؛ لأن حياته واستمراره متوقف عليه. الغذاء هو أول شيء طلبه أصحاب الكهف بعد استيقاظهم من النوم، لأن ممارسة نشاطهم الدعوي وغيره متوقف عليه. فهذه العبارة ضمنيا تدعو إلى الأخذ بأسباب توفير الأمن الغذائي، والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، وليس الهدف منها حسب ما تقتضيه فلسفة هذه العبارة التذكير بأن الطعام الذي يملكه الإنسان من أهم حاجياته التي تعتبر جزءا من مكونات راحته النفسية واستقراره وسعادته، وأن من يملك وجبات يومه مندرج ضمن من شملتهم رحمة الله رب العالمين بتيسير سبل حصوله على الطعام، لأن الجوع سبب اليأس والإحباط والعجز والرغبة في العطف والرأفة، وطريق الفوضى ونهب خيرات الآخرين والاعتداء على ممتلكاتهم، وبالتالي يغيب الأمن وتتزعزع أركانه، ويفقد المجتمع قيمة الرحمة وينتشر الظلم والطغيان، فبدل أن يعطف الإنسان على غيره ويرحمه ويقدم له المساعدة يتسلط على ممتلكاته ويسلب حقه منه بطريقة معاكسة.

وتوفير الغذاء للأفراد يتحقق بتشجيع الفلاحة والإنتاج الزراعي، والحفاظ على الموارد الطبيعية وترشيدها بطريقة معقلنة لتحقيق التنمية المستدامة، ومساعدة الفلاحين ودعمهم ومدهم بوسائل تجويد إنتاجهم لتلبية حاجيات المستهلكين وتشجيعهم على الاستمرار لتحقيق الاكتفاء الذاتي وإثبات الخيرية وحقيقة الرسالة المحمدية التي تدعو إلى العمل والاعتماد على الذات في كل شيء.

هكذا يبدو لنا ذلك الترابط والانسجام بين مكونات هذا الحديث وعناصره التي ركز النبي صلى الله عليه وسلم على ذكرها، فمن جمعها أفرادا ومجتمعات ودولا فقد حيزت لهم الدنيا وملكوا أهم شيء فيها، لكن تحقيق العناصر السابقة يتم باستدعاء أهل التجربة والخبرة وأرباب التخصص في مختلف المجالات لتحقيق الخيرية والازدهار، وتشجيع الناس وانتقاء أصحاب المواهب واستثمارها فيما يعود بالنفع على البشرية للعطف عليها، وتمثل قيمة الرحمة من خلال مد يد المساعدة لها وإنقاذها من أزمات نفسية ومادية تغيب السعادة والرحمة من قاموسها المعنوي وتدخلها في نفق مظلم ينتهي بالمجتمع إلى تخلف ناتج عن تصرفات طائشة بدائية.

هكذا ينبغي أن تفهم بعض النصوص النبوية التي تركز حديثها عن الأمن النفسي والغذاء والمسكن والدعوة إلى مساعدة الناس والرأفة بهم، فالمساعدة والعطف يكون بما سبق، وليس بالتصدق على الناس فحسب، لأن اليد العليا خير من اليد السفلى كما قررت ذلك الشريعة الإسلامية. وتوفير فرص الشغل وتثبيت الأمن والحفاظ عليه وتشجيع الناس على العمل أمر دعت إليه الشريعة الإسلامية، ولم يكن من هديها دعوة الناس إلى الاتكالية والاعتماد على الآخرين، لأن ذلك يتناقض مع دعوتها إلى تحقيق الخيرية وبناء الإنسان وتحقيق الشهود الحضاري.

بهذه الطريقة البعيدة عن القراءة السطحية التي أسهمت في التقهقر الحضاري؛ وصناعة التخلف والاتكالية؛ أو بالأحرى لا تستحضر الجوانب التي تحقق ما تنص عليه الرسالة المحمدية ضمنيا؛ نحقق حقيقة الكلمة النبوية ومقصدا من مقاصدها وغايتها وهو خيرية الأمة والبعد الحضاري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.