منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صحبة المؤمنين وإكرامهم| شعب الإيمان | شعبة (3)

د. إبراهيم الهلالي

0

أخبرنا القرآن أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فالولاية قربة وتناصر وأخوة ووحدة الأمر الجامع بينهم. وحصر القرآن العلاقة بين المؤمنين في الأخوة، فلا ينبغي لهم إلا أن يكونوا إخوة يتصفون بالمودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى، ويسعى بعضهم في خدمة بعض، وكلما اختلت هذه الضوابط أو انتفت تأثر الإيمان من حيث الكمال والتمام، وقد حذر الشرع من الأقوال والأفعال التي تمس سلامة الإيمان وكماله من ذلك قوله (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع)[1]  وقوله:(والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا وما ذاك يا رسول الله قال جار لا يؤمن جاره بوائقه قالوا يا رسول الله وما بوائقه قال شره.)[2]….

والمؤمنون ليسوا في مرتبة واحدة، بل يفضل بعضهم بعضا في السابقة والغناء والحظ من الله فهناك الأخيار الأتقياء وأهل الفضل والشرف وأهل القرآن والعلم وهناك من يفضل لكبر سنه وشيبته.

صحبة الأخيار:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)[3] جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم دين الرجل ومرتبته نفس مرتبة من يصاحب ويلازم و  يجالس ويحب، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بحصول الرجل درجة ومرتبة من يصاحب ويحب: (أنت مع من أحببت)[4]. ويفلح الصاحب متى استجمع الاستعداد والقابلية لحب الله ولقائه وارتفعت همته وعزيمته وقويت إرادته.

ومهمة الأخيار مهمة نبيلة تربي الرجال وتزكيهم وتعلمهم صغار الأمور قبل كبارها ، والذي يصحب الأخيار لا بد أن يستجمع الصدق والملازمة والاقتداء، وفي كتب الطبقات والأعلام تجد كثيرا من العلماء الذي تلقت الأمة علمهم بالقبول يعبرون عن سعادتهم وحبورهم وهم يقدمون شهادتهم عن صحبتهم لرجال انتفعوا به ودلوهم على معالي الأمور ورافقوهم وهم ينشدون أعز وأغلى ما يطلب وهو وجه الله الكريم، والمصحوبون يلتمس الناس فضلهم وبركتهم وعلمهم ودعاءهم، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقد قال لعمر ابن الخطاب بعد أن استأذنه للعمرة : (لا تنسانا يا أخي من دعاءك )[5] كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن يسألوا أويس القرني الدعاء إن هم أدركوه وقد أخبرهم باسمه وقبيلته وبعض أوصافه.

المزيد من المشاركات
1 من 48

تزاور المؤمنين:

حرض الشرع المؤمنين على التزاور فيما بينهم ورغب فيه، فالتزاور في الله لا يكون لمجرد منفعة أو مصلحة، ولا يهدف التزاور في الله النسب والرحم فحسب، والتزاور في الله  امتداد لأوثق عرى الإيمان ألا وهو الحب في الله والبغض في الله ، ولقد أوجب الله تعالى محبته للمتزاورين فيه، ( حقت محبتي المتحابين فيَّ )[6] وهذا من أعظم العطاء فمحبة الله العبدَ توجب له محبة أهل السماء والأرض، وجعلت الجنة للمتزاورين في الله تعالى : ( من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا)[7].وضابط الزيارة في الله هو النية والإخلاص لرب العالمين.

حب آل البيت وإكرامهم:

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بأهل بيته في مناسبات متعددة، ومنها ما رواه زيد بن أرقم في حديث الثقلين أو ماء خم، حيث قرن بين الوصية بكتاب الله والوصية بأهل بيته فقال: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به.) فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال (وأهل بيتي أُذَكِّرُكم الله في أهل بيتي، أُذَكِّرُكم الله في أهل بيتي، أُذَكِّرُكم الله في أهل بيتي،)[8]

ومعلوم أن محبة أهل بيته صلى الله عليه وسلم من محبته، وإيذاؤهم من إيذائه، فقد قال: (يأيها الناس من آذى عمي فقد آذاني)[9] ويقصد العباس رضي الله عنه، وقال في حق سيدنا علي (من آذى عليا فقد آذاني)[10].

أهل بيت النبي نحبهم ونحترمهم ونوقرهم لحب النبي صلى الله عليه وسلم كما ندعو لهم، وإنا لنذكرهم كلما صلينا على رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد). قال الشافعي رحمه الله:

ياآل بيت رسول الله حبكم     فرض من الله في القرآن أنزله

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

يكفيكم من عظيم الفخر أنكم   من لم يصل عليكم لا صلاة له

وبقي بحمد الله من المسلمين من يحترم أهل البيت ويقدرهم، ومنهم من يسعى لمصاهرتهم ومجاورتهم ومجالستهم وخذمتهم وشعارهم في ذلك (أحبو الله لما يغذوكم من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي)[11].

توقير الكبير:

ومن مظاهر صحبة المؤمنين وإكرامهم: توقير الكبير، وهو من باب إنزال الناس منازلهم، ومما اشتهر على ألسنة الناس: ( ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)[12] وتوقير كبار السن من إجلال الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم )[13]، ثم إن الإخلال في توقير الكبير يخصم من كمال الانتساب لأمة الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم:  (ليس من أمتي من  لم يُجِلَّ كبيرنا)[14]. وقد صرح كثير من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يمسكون عن القول أو الفعل اعتبارا لمن هم أسن منهم.

وثبت في سيرة ابن الخطاب أنه أسقط الجزية عن بعض كبار السن من غير المسلمين، بل أمر أن يصرف لهم من بيت مال المسلمين. كما أن الذي شاب شيبة في سبيل الله تكون له نورا يوم القيامة.

إكرام أهل الفضل:

ومن صحبة المؤمنين وإكرامهم أن نُنْزِل الناس منازلهم فنعرف لأهل الفضل حقهم ونكرمهم بما هم أهله، ومن أهل الفضل أهل القرآن، فقد أعلى الله قدرهم بالقرآن وجعلهم من أهله وخاصته، فحق لهم أن يُقَدَّموا في الصلاة وغيرها، وعلى قدر شرفهم ومنزلتهم ومرتبتهم فهم في خطر عظيم إن لم يخلصوا لله رب العالمين ولم يقيموا حدوده كما يقيموا حروفه. ومن أهل الفضل أيضا أهل العلم فقد رفع الله درجتهم بقوله : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)[15]  ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فحق للأمة أن تكرمهم وتقدرهم وتقدمهم وتحسن إليهم، وينبغي للأمة أن تتخذ كلام ابن عباس رضي الله عنه شعارا للتعامل مع العلماء العاملين، فقد ثبت أن ابن عباس أخذ بركاب زيد ابن ثابت وهو راكب على دابته ،فقال له زيد : (لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد أرني يدك ، فأخرج يده فقبلها زيد فقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم)[16] .وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نراعي مكارم الأخلاق ” إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق”، وأن نرحم عزيز قوم ذل ، وأن لا ننس المعروف بيننا إذا دارت الدوائر.

مخالطة المؤمنين وصحبتهم والصبر على أذاهم، ومعاملتهم بالتي هي أحسن بالعفو والتغاضي عنهم، وإنزالهم ما يستحقون من منزلة، والتماس الخير والعلم والدعاء من أفاضلهم، وزيارتهم وإكرامهم والتعاون معهم على البر والتقوى من شعب الإيمان.


[1] . أخرجه البزار عن أنس بن مالك كما في مجمع الزوائد 8\170. [2] . أخرجه البخاري عن خويلد بن عمرو رقم الحديث6016 [3] .أخرجه أبوداود عن أبي هريرة كتاب الأدب باب من يأمر أن يجالس رقم 4833 .

[4] .أخرجه البخاري عن أنس رقم 6167 .

[5] .أخرجه أبوداود في كتاب الصلاة، باب الدعاء رقم 1498 .

[6] .أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة رقم 19438 .

[7] .أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ماجاء في زيارة الإخوان رقم 2008 .

[8] .أخرجه مسلم عن زيد بن أرقم، رقم 2408 .

[9] .أخرجه الترمذي كتاب المنافب، باب مناقب العباس بن عبد المطلب، رقم 3758 .

[10] .أخرجه الإمام أحمد ،مسند المكيين، حديث عمرو بن شاس الأسلمي رقم 15960 .

[11] .أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس رقم 3789 .

[12] .أخرجه البزار عن سعد بن أبي وقاص رقم 4\68.

[13] .أخرجه أبو داود كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم رقم 4843.

[14] .أخرجه أحمد من حديث عبادة بن الصامت رقم 22755.

[15] .سورة المجادلة، آية 11.

[16] .أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم 4746.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.