منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأسي برسول الله ﷺ في بيته شعب الإيمان | شعبة (5)

حميد نعيمي

0

إن الأسرة هي النواة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي وفي حضنها ينبت الفرد النبات الحسن، فهي للطفل مرعاه الأول، ومنطلق مسيرته لبناء شخصيته في جميع مراحل عمره، وفي رحابها يكتسب أخلاقه وعقيدته وتربيته، وفيها تُغذَّى مشاعر الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة، وفيها تُتَعلم خصال الخير، وهي أساس استقرار المجتمع، وقلعة من قلاع الإسلام، لهذه الأهمية القصوى فحَري بكل مسلم يريد الفلاح في بيته اقتفاء أثر النبي ﷺ الذي كان نموذجا ناجحا في إدارة البيت وحسن رعاية أهله.

إن التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته هو الاستهداء والاقتداء بتصرفاته وأقواله وأحواله داخل بيته مع أهله، فهو أسوتنا وقدوتنا التي ننشد تمثُّلها في كل مناحي الحياة، فلا صلاح لبيوتنا إلا بالسير على نهجه وتلمس طريقه، فقد جعل النبي ﷺ معيار الخيرية هو الإحسان إلى الأهل، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”.
لقد كان الرسول ﷺ حريصا على تعليم أهله العلم النافع حريصا على دعوتهم إلى العمل الصالح صارفا لهم عن كل ما يبعدهم عن الله، فقد قال الرسول ﷺ :” …..مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ ـ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ …”.

وكان لا يُقرُّ أهل بيته على معصية لله بل يغضب لله ويبادر إلى إنكاره بحكمة ورفق، فقد كان رسول الله ﷺ “إذا اطّلع على أحدٍ من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضاً عنه حتى يحدث توبةً” وهذا يوضح بجلاء أن الرسول ﷺ كان في أهل بيته داعيا رفيقا، منفذا لأمر الله بحماية الأهل من كل المعاصي “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” سورة التحريم،6
وكان في بيته يقوم بخدمة نفسه إراحة لأهله وتخفيفا عنهم ومشاركة لهم، فعَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» وفصلت عائشة في أعماله قائلة: ” كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ ” .
وما كان كذلك يعيب طعاما قط، فإن أعجبه أكل وإن لم يعجبه ترك وإن لم يجد ربما صام، وكان عظيم الحلم والصبر مع زوجاته رضي الله عنهن، حريصا على عدم إذايتهن وتكدير صفوهن.
و كان ﷺ رحيما ملاطفا لبناته ويُقّبل أحفاده ويلاعبهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول اللّه ﷺ»، وعن أنس رضي الله عنه قال “كان رسول الله ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: يا زينبُ، يا زوينبُ، مراراً” .

وكان سمحا لين الجانب مع خدمه حتى إن أنسا بن مالك رضي الله عنه خادمه لعشر سنين قدم شهادة فريدة في خصال الرسول ﷺ قائلا: “خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أفٍّ قَطُّ، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقًا، ولا مسست خزًّا قطُّ ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكًا قطُّ ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ “.

ومن مكارم الأخلاق مع أهله ﷺ سواء زوجاته أو بناته أو خدمه أنه كان محترما لهم عطوفا عليهم حنونا بهم معتنيا بشؤونهم منصتا لاهتماماتهم مع كثرة أشغاله وجسيم مسؤولياته التربوية والجهادية.

المزيد من المشاركات
1 من 48

ومن التأسي برسول الله الاجتهاد في الطاعات لما له من فوائد وعوائد عاجلة وآجلة، فالقرب من الله ينعكس إيجابا على المحيط الذي يعيش فيه الإنسان “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ”. الأنبياء، 90

وبفضل التأسي بالنبي ﷺ في بيته تُصبح بيوتنا بُروجا استراتيجية وحصونا حامية لأمن أمتنا من أي عدوان مادي أو معنوي، ومنطلق عودتنا الحضارية ومحضن بناء مجتمع العمران الأخوي المنشود، ومدرسة لتخريج أجيال صادقة ومتشبعة بقيم الإسلام.
إن صلاح الأمة يدور مع صلاح البيوت وجودا وعدما، وصلاح البيوت شرطه التأسي برسول الله ﷺ في بيته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.