منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحياء آلية فلسفية لتحقيق مقام الائتمان

0

مثل خلق الحياء محط اهتمام واشتغال الفلسفة والفقه، وغيرهما قديما وحديثا، غير أن الاشتغال الفلسفي الإسلامي -وخاصة فلسفة الأخلاق- به لم يرتق إلى المرتبة المطلوبة، باعتباره خلقا مركزيا، حسب ما تشهد له النصوص المؤسسة، والدليل على هذا النقص أن الباحث في اطلاعه على نماذج من المكتبة الفلسفية الأخلاقية القديمة لا يظفر إلا بنصوص معدودة في دراسة هذا الخلق، وغالبا ما تقتصر على تقريب المفهوم، مع بيان بعض آثاره في النفس، والحياة، كما فعل ابن مسكويه مثلا.[1]

غير أن الفلسفة الائتمانية خالفت هذا الموروث، والتقليد السائد، بحيث خصصت لهذه القيمة الخلقية مجالا واسعا من البحث والنظر، بل أقامت عليه نظرية كاملة في احياء الإنسان المعاصر، جاعلة منه آلية فلسفية لتجديد هذا، والارتقاء به إلى رتبة الإنسان الائتماني الجديد.

من أجل تقريب بعض من هذا، جاء هذا المبحث مستفهما عن: كيفية درء الآفات الخلقية عن الإنسان المعاصر عن طريق خلق الحياء؟ وذلك من خلال مدخلين:

المدخل الأول: في خصائص خلق الحياء

يقوم النظر الائتماني في بحث الأخلاق على مفهوم مركزي، وهو: الشاهدية، بدل الآمرية، التي بَنى عليها النظر الفلسفي الأخلاقي الإسلامي، والنظر الفقهي أبحاثَهما الأخلاقية، وبناء على هذا الأصل استخرج صاحب الائتمانية ثلاثة مفاهيم أساسية هي أسس فلسفة الأخلاق: “الحياء” “الأمانة” “الرحمة”[2] وهي مفاهيم بمثابة بدائل للمفاهيم المعروفة في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، والموروثة عن الفلسفة اليونانية.

المزيد من المشاركات
1 من 88

ويمثل الحياء في الثلاثية الأخلاقية السابقة الأصلَ الذي تتفرع عليه المفاهيم الأخرى، بل إنه الخلق الذي يتأسس عليه دين الإسلام الخاتم، استنادا للحديث الشريف (حديث تقرير الحياء): «إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء»[3]

وإذا كان الإسلام يختص بهذا الخلق فليس ذلك يبعد كونه الخلق المشترك بين جميع الأديان، ولعل هذا ما يقرره حديث “الخروج من الحياء” السالف الذكر بتعبير صاحب الائتمانية، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة»[4]

وبناء على ما سبق يمكن تصنيف النصوص النبوية التي يتحدد بها الحياء في الإسلام إلى التالي: حديث “المطابقة بين الحياء والإيمان” وحديث “جلب الخير” وحديث “تفصيل الخير” وحديث “جلب الهلاك” وحديث “تقرير الحياء” ثم حديث “الخروج من الحياء”.

بعد هذا التقريب النظري يمكن التعريج على خصائص هذا الخلق الشاهدي الأصلي، وليس المقام لتفصيل جميع الخصائص، وإنما للتذكير بها مجملة، مع التفصيل في اثنين منها.

لما كان الحياء يتأسس على مفهوم الشاهدية باعتبارها مقوما مركزيا من مقومات الفلسفة الائتمانية، كان لابد من الخلق الذي ينبني عليه أن يستوفي مجموعة من الشروط والخصائص، تنهض بأمرين أساسيين:

  • ابراز الخصوصية الأخلاقية التي توجبها خاتمية الدين الإسلامي[5]
  • أن تورّث القدرة على تجديد الإنسان، ودفع التحديات الأخلاقية الراهنة.

وبناء عليه فهذه الخصائص جملة هي:

  • أخذ الحياء بالبصرية
  • اتصافه بالائتمانية
  • الأصل الفطري له
  • تميز الإنسان به
  • اتصافه بالملكوتية
  • اشتقاقه من الأسماء الحسنى
  • تأسيس الأخلاق عليه

هذه الخصائص المجملة ترتقي بخلق الحياء إلى رتبة الخلق الشاهدي الأصلي، الذي “بقدر تخلق القلب به تكون حياته؛ فالقلب الحيي قلب حي” ومناسبة للمقام يمكن التفصيل في خاصيتين اثنتين:

  • تمييز الإنسان بالحياء

سبق تقرير الفلسفة الائتمانية لمسلمة اختصاص الإنسان بالأخلاق، وتمييزها بها عن غيره، وليس العقل، غير أن هذه الأخلاق جملة ليست متساوية في النهوض بهذا التمييز، وإنما تتفاوت من خلق لآخر، فهناك أخلاق موجودة في الحيوان وجودها في الإنسان! وإن كان الحيوان لا يدركها باعتبارها قيمة كما يدركها الإنسان، لذا اعتبر طه عبد الرحمن خلق الحياء الخلق الأكثر تمييزا لماهية الإنسان من غيره من القيم الخلقية الأخرى، “حتى إن الخلو منه يعد انسلاخا من الإنسانية”[6] مستندا في هذا على بعض النصوص من التراث الإسلامي الأخلاقي، وخاصة نصوص ابن مسكويه، (421-320) ھ والأصفهاني (284-356) والغزّالي (450-505) وابن قيم الجوزية (691-751)ھ (مع الإشارة إلى اختلافه معهم في المنطلق والتأسيس؛ لأن ما اعتبروه -رحمهم الله- مجرد خلق اعتبره طه أساس الأخلاق) وهذا نص -يحمل قيمة عالية- لابن القيم يقول فيه: “ثم تأمل هذا الخلق الذي خُص به الإنسان دون جميع الحيوان، وهو خلق الحياء، الذي هو من أفضل الأخلاق وأعظمها قدرا، وأكثرها نفعا، بل خاصية الإنسانية…”[7]

فبين كيف جعل ابن القيم الحياء الخلق الذي يحمل الخاصية  الإنسانية الذي اذا انسلخ منها ينسلخ من إنسانيته، غير أن طه عبد الرحمن يلاحِظ على علماء الإسلام في حديثهم عن الحياء، تقديمهم العقلَ عليه، بحيث يجعلون الحياء علامة على العقل، وليس ميزة الإنسان ابتداء، فيكون الحياء بهذا “مميزا للإنسان عن غيره بتوسط العقل، وبهذا يعود الأمر إلى تقديم العقل عليه”[8] مشيرا بذلك على وجه الخصوص إلى نص أبي حامد الغزّالي في الإحياء، الذي يقول فيه: “الحياء خلق كريم يحدث في أول الصبا، مهما أشرق عليه نور العقل “[9] فيجعل الحياء مرتبطا بالعقل، وعلامة له، وأن الإنسان يكون حييا متى تعقل.

والحاصل مما سبق سواء قُصد بالعقل هنا العقل المجرد، أو العقل المسدد بالأخلاق، أن المستفاد هو تميز الإنسان بخلق الحياء، واختصاص فطرته به، مع الاحتفاظ بملاحظة على هذا الطرح تتعلق بكيفية التوفيق بين القول باختصاص الإنسان بالأخلاق، والقول باشتراك غيره معه فيها؟

  • الخاصية الائتمانية للحياء

عُلم أن الأخلاق لا تنفصل عن الإيمان، إذ هو أصل لها، ولما كان الحياء أصلا للأخلاق كان أولى بهذه الصلة، كما تشهد به أحاديث كثيرة منها: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»[10] والائتمانية هي في الأصل مشتقة من الأمانة، والأمانة من الإيمان، وعليه فصلة الأمانة بالإيمان يقضي بصلة الحياء بالأمانة؛ إذ الحياء شعبة من شعب الإيمان.

وعلاقة الحياء بالأمانة -حسب الائتمانية- تكون من جهتين: من جهة العموم، ومن جهة الخصوص، تصطلح الائتمانية على الأولى بجهة “مبدإ الائتمان العام” ومعناه أن الأخلاق هي أمانة استودعها الله عند الإنسان، ووجب عليه حفظها، والحياء أمانة كغيره من الأخلاق، وتصطلح على الثانية بجهة “واقع أداء الأمانة” ومعناه أن بين الأمانة والحياء عموم وخصوص، فالأمانة أخص؛ لأن كل أمين هو بالضرورة حيي، والحياء أعم؛ لكونه شرطا في أداء الأمانة، أي: “لولا خلق الحياء لما نهض الإنسان بالأمانة”[11] ويوضح هذه العلاقة الحديث النبوي الشريف (حديث جلب الهلاك) السالف الذكر: «إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء…»[12]

وهكذا تظهر علاقة الحياء بالأمانة والائتمان، وارتباطه بهما، بحيث يكون خلقا ائتمانيا ملكوتيا، يعرج بالروح إلى حيث العالم الملكوتي، كما أنه خلق ملائكي إذ لا يخص الإنسان فقط، بل تشاركه فيه الملائكة، التي هي كائنات نورانية.

المدخل الثاني: في كيفية تحقيق مقام الائتمان عن طريق الحياء

بعد تقريب خصائص خلق الحياء -من وجهة نظر الائتمانية- باعتباره آلية فلسفية يقتدر بها الإنسان المعاصر على دفع التحديات الأخلاقية، والخروج من آفة الاختيان، يحاول المبحث من خلال هذا المطلب بيان الكيفية التي تُدرؤ بها الآفات الخلقية عن الإنسان المعاصر عبر آلية الحياء، وتحقيق مقام الائتمان، لك بالنظر في زاويتين:

  • نظرة على نموذج من النظريات الغربية في الحياء

ظهرت في الغرب مجموعة من النظريات في الأخلاق عامة، تقاسمتها تخصصات مختلفة، علمية، وفلسفية، وقد اختار صاحب الائتمانية نموذجين منها، اشتهرا مع دعوة نيتشيه (1844-1900) “بموت الإله” وهما:

  • نظرية عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939)
  • نظرية الألماني ماكس شيلر (1874- 1928)

وأكتفي بالوقوف مع النظرية الأولى لفرويد لكونها الأصل للثانية، مسجلا بعض النقاط المهمة، -باستحضار السؤال المركزي الذي سبق في بداية المبحث- مع الاستنتاجات التي استنتجها صاحب الائتمانية من خلال النظرية.

  • نظرية فرويد وخلق الحياء

اعتبر طه عبد الرحمن أن نظرية فرويد في التحليل النفسي أفضل مثال على موقف الحضارة المعاصرة من الحياء، ذلك أن نظريته بنيت على دعوى نيتشه السابقة، والتي هي كناية عن موت الإنسان في الحضارة المعاصرة، فتكون بذلك نظرية فرويد في التحليل النفسي هي عبارة عن “علم الإنسان الميت”!

ورغم فائدة التحليل النفسي لفرويد، في جوانب كثيرة من الحياة الإنسانية، إلا أن موقفها من الحياء لم يرسخ إلا موقف هذه الحضارة من الأخلاق عامة، وخاصة الأخلاق التي تحمل قوة تحول دون تحقيق كثير من الحاجات المادية.

هذا. من أهم القواعد التي بنى عليها فرويد تحليله النفسي قاعدة تقرر “رفع الحياء من القول” أي أن المريض عليه قول كل شيء يمر بخاطره، وهذا ما لا يتوافق ومجموعة من القوى التي تحول دون تحقيق هذا الغرض، ومن ثم صنف فرويد الحياء ضمن القوى المصارعة للغريزة الجنسية، وهي من المتسربات التاريخية التي تعرضت لها الغريزة الجنسية عبر مسيرتها التاريخية!  يقول: “… يتعين على الغريزة الجنسية أن تصارع بعض مقاومات من طبيعة نفسية، وأبرزها الحياء”[13] وهذا موقف لا يفهم إلا بمعرفة أصول المعرفة الغربية، وإدراك تعلقاتها المختلفة، وموقفها من الأخلاق عامة.

وفي تحليله لهذه النظرية يرى طه عبد الرحمن أن فرويد يقيم علاقة بين الحياء، والأخلاق، لا تقوم على نسبة الجزء للكل، أي ادراج الحياء ضمن الأخلاق عامة، وإنما تقوم على علاقة المقارنة بينهما، وفي هذا -حسب نظره- اشارة غير مباشرة إلى صواب قوله السابق بتأسيس الأخلاق على الحياء.

هذا. ولما كان الحياء يمثل عقبة دون تحقيق أغراض التحليل النفسي، اتُّخذ منه موقف الرفض، وهذا في ضمنه رفض للدين أيضا؛ إذ الحياء أصله الإيمان -حسب النظر الائتماني- وبناء على ما سبق يستنتج طه عبد الرحمن نتيجة مُفادها: “أن التحليل النفسي مع فرويد في موقفه الرافض للحياء، كان يسعى لا في «احياء الإنسان الميت» الذي نَظّر له في صورة «موت الإله» وإنما في ابقائه على حاله من الموت…”[14]

ومن ثم فنظرية فرويد في التحليل النفسي لم ترق للاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر، ودرء آفاته الخلقية عن طريق الحياء، بل رسخت أزمته الخلقية، أو «موته» لذا وجب اقتراح نظرية أحرى تقتدر بالقيام بواجب التجديد والإحياء، وتعيد الاعتبار لقيمة الحياء، ليس فقط لكونه خلقا يكسب الإنسان وازعا روحيا يحول دون الاستجابة لشهوات النفس الأمارة بالسوء، ولكن باعتباره دليلا خلقيا متى أخذ بأسبابه ارتقى في درجات الائتمان، ودرأ عن نفسه آفات الاختيان.

  • الائتمانية وخلق الحياء

في ثلاثية” دين الحياء” يجعل طه عبد الرحمن من خلق الحياء قيمة كبرى حري بالإنسان المعاصر متى أخذ بأسبابها أن يخرج من ضيق الاختيان إلى سَعة الائتمان، وذلك عبر طريق استلالي منطقي منسجم الحلقات، مستخلصا نتيجة مقتضاها أن سبيل خروج الإنسان المعاصر من حالة الموت التي دخلها بسبب خيانته لميثاقي الإشهاد والائتمان، هو الحياء، وبهذا ينقل صاحب الائتمانية خلق الحياء من مجرد خلق زاجر، إلى آلية فلسفية للتصدي للتحديات الخلقية، وإحياء الإنسان المعاصر، أو حفظه من هذا الموت الروحي!

وفي الجزء الثاني من الثلاثية الفلسفية المتميزة يظهر جليا سعيه الحثيث في كشف سوءات الإنسان المعاصر، والحضارة المعاصرة، من جهة، ومحاولة اعادة الحياة لهذا الإنسان، عبر هذا الخلق الأصلي، الحياء، ويكفي دلالة على هذا عناوين أبواب الكتاب، وعلى سبيل المثال، والتذكير: (آفة التفرج وحياء المُشاهِد، من آفة التجسس إلى حياء الشاهد، من آفة التكشف إلى حياء المشهود) ولا يسع المقام لبيان مقتضيات هذا التوظيف الفلسفي، وإنما الغرض تقريب بعض الأمثلة الموضّحة لهذا في نقطة مهمة تتعلق بسمات الإنسان المعاصر.

  •  سمات الإنسان المعاصر، ومطلب الحياء:

بين طه عبد الرحمن مجموعة من السمات المميزة للإنسان المعاصر، والتي تترتب على الخاصية الكبرى له وهي العقلانية المجردة، وهذه السمات مجملة هي:

(سمة الاستدلال، سمة الاستقلال، سمة الطغيان، سمة التجاوز، وسمة التملك) وهي كلها في نظره سببت الموت للإنسان المعاصر؛ إذ أدخلته حال الخيانة، مفصلة إياه عن مقصد الأمانة، ولا سبيل لإخراجه من هذه الخيانة إلى الأمانة إلا بتحصيل الحياء، والأخذ بأسبابه. فكيف ذلك؟

  • تحصيل خلق الحياء، ودفع آفات الاستقلال المطلق

من السمات المميزة للإنسان المعاصر سمة الاستقلال المطلق، ومعناه: الاستقلال الذي يشبه “التحرر الوجداني من كل سلطان خارجي”[15] وهذا الاستقلال سبب له الموت لفصله عن القيم الأخلاقية، والمعاني الروحية، وسبيل الخروج من هذا الموت -في نظر الدكتور- هو وقوفه على مجموعة من المعاني التي تصله بتلك القيم الأخلاقية، والمعاني الروحية، ومن ذلك تحصيله لمشاعر أربعة،[16] كلها توصله للحياء:

شعوره بضرورة وجود القيم الأخلاقية، والأصل فيها -كما سبق- هو الحياء، ثم شعوره بوجود الحدود، ولا سبيل للوعي بها إلا بطريق الحياء، وشعوره بضرورة ضبط الحرية؛ لأن ضبطها هو الذي يمنع صاحبها من الإيذاء، ولا شك أن المانع من الإيذاء إنما هو الحياء.

  • تحصيل خلق الحياء، ودرء آفات التملك

من السمات أيضا كما سلف الذكر، سمة التملك، والتملك هو حب استبد بالإنسان المعاصر، حتى أدخله عالم الحيازة، التي أخرجته من الحال الأصلية وهي الائتمان، وإذا كان التملك بهذا الوصف فقد وجب الخروج منه، ولا طريق لذلك -حسب الائتمانية- إلا بخلق الحياء،[17] وذلك بإدراكه لمجموعة من الحقائق والمعاني التي توصله بهذا الخلق، وأهمها:

إدراكه لضرورة وجود الحياة الباطنية، لكونها الحياة الحقيقية، التي بها سعادته، والحياء هو منشأ هذه الحياة، وإدراكه لحقيقة الحدث الأعظم الذي حفظته الذاكرة الأصلية -كما سبق- وهو حمل الأمانة، والائتمان هو اذن بالتصرف في الأشياء التي لا يملكها الإنسان إلا على وجه الملك المجازي، “والحياء إنما هو شهود هذا الإنعام النازل إليه من المالك الحق” وهو الخالق سبحانه، الذي يملك كل شيء على وجه الحقيقة.

فبين إذن كيف أن الائتمانية تجعل من هذا الخلق المميز سبيل إحياء الإنسان وتجديده، مقدمة بذلك نظرية في الحياء تضاهي نظريات أخرى معاصرة، بل وتتجاوزها؛ بحيث لم تجعل منه خلقا سلبيا، وإنما إجابيا يرتقي بالإنسان إلى الحياة الحقيقية، والسعادة المرجوة، ومقدمة بذلك تجديدا فلسفيا أخلاقيا جديرا بالنظر والمتابعة، والاستثمار الجدي في قضايا معاصرة ملازمة للإنسانية، ويمكن الاصطلاح على هذا المجهود المعتبر، “بفلسفة اسلامية في الحياء”، أو “فلسفة الحياء”

والحاصل: أن طريق الوصول إلى مقام التأييد، وتحصيل الائتمان، هو الأخذ بأسباب القيمة الخلقية الأصلية وهي: الحياء، باعتباره آلية فلسفية، ومدخلا للتزكية، والكوثرية. وليس مجرد خلق ذاتي تحفظه نصوص معينة، لا يتعداها إلى الواقع الإنساني.

 

[1] ابن مسكويه أحمد، تهذيب الأخلاق، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط 1-1985، (د.ت) ص 48.

[2] أخذا من الحديث النبوي (حديث جلب الهلاك) «إن الله إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت نه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة …» أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب ذهاب الأمانة، رقم 4086.

[3] أخرجه ابن ماجة في السنن، رقم 3390.

[4] طه عبد لرحمن، دين الحياء، مرجع سابق، ص 200- 01-02، بتصرف.

[5] تشير هذه الخصوصية إلى التأسيس الديني الذي يستند عليه طه عبد الرحمن في تشكيل نقده الأخلاقي، والمتمثل في الدين الإسلامي الخاتم، الدين الذي اختاره، وهذا لا ينفي حفظ الحق لغيره في بناء نقده على أخلاق دينه المختار الذي يرتضيه لنفسه، وقد سجل طه هذه الملاحظة في كتابه سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص 27.

[6] طه عبد الرحمن، دين الحياء، مرجع سابق، ج 1، ص 195.

[7]  ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة، تحقيق محمد القائد، دار الفوائد ، (د. م) ط 2013، ص 788.

[8] دين الحياء، نفسه، ص 196.

[9] الغزّالي أبو حامد، إحياء علوم الدين، دار المنهج، جدة-السعودية، ط 1- 2021، ص 255.

[10] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الايمان، باب أمور الإيمان، رقم 9.

[11]  طه عبد ارحمن، دين الحياء، مرجع سابق. ص 191.

[12] سبق تخريجه، ص 30.

[13] Sigmund Freud, Three Essays on the Theory of Sexuality

( ثلاثة مباحث في نظرية الجنس) ترجمة جورج طرابيش ، دار الطليعة للنشر، بيروت-لبنان، ط1- 1981، ، ص 38.

[14] طه عبد الرحمن، دين الحياء، مرجع سابق. ص 238.

[15] المرجع نفسه، ص 258.

[16] المرجع نفسه، ص 260.

[17] المرجع نفسه، ص 269.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.