منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سمات الإنسان الجديد في فلسفة طه عبدالرحمن -في تصور وائل حلاق ضمن كتابه إصلاح الحداثة-

1

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد.

 مقدمة

اهتم المفكر والبروفيسور الفلسطيني الأصل وائل حلاق(أستاذ العلوم الإنسانية والدراسات الإسلامية بجامعة كولومبيا الأمريكية) ـ ضمن اهتماماته الفكرية والعلمية المختلفة ـ بفلسفة طه عبد الرحمن الأخلاقية، وبمشروعه الفكري عامة، باعتباره مشروعا فلسفيا إسلاميا وعربيا أصيلا، يعبر عن طموح عربي إسلامي في بناء فلسفة أخلاقية جديدة ، تضاهي في عمقها وأدواتها الفلسفات الغربية الحديثة، وينطلق اهتمامه هذا من زاويتين: الأولى شخصية وتتعلق بتقاسم حلاق نفس الاشتغال الفلسفي لطه، وارتباط مشروع هذا الأخير بالقضايا نفسها التي استرعت انتباه حلاق، وخاتمة هذا الكتاب تبين بوضوح المشترك الفكري بين الرجلين، والثانية موضوعية وتخص القيمة العلمية لمشروع طه الفلسفي، والنمط المدهش للرجل المفكّر.

وكتابه إصلاح الحداثة هو دراسة تحليلية ونقدية لفلسفة طه، وقراءات واعية في مشروعه الفلسفي، كما هو تجسيد لحوار فلسفي بين الفكر الفلسفي الإسلامي المغربي، والأوروبي والأمريكي، في أفق “وصل أسباب الفكر العربي والإسلامي المعاصر بأسباب الفكر الأوروبي والأمريكي”وقد أفصح عن غرضه من تخصيص فلسفة طه بهذه الدراسة،[1]ومنهجه الذي يجمع بين التحليل والنقد، في بعض القضايا.

المزيد من المشاركات
1 من 83

هذا. وختم كتابه بدراسة خاصة عن مفهوم “الإنسان الجديد” في فلسفة طه عبد الرحمن، وقدم تحليلا مركزا لمختلف نصوص طه المؤسسة لهذا المفهوم، محاولا تبيان مجموعة من سمات هذا الإنسان الجديد، وهذه المقالة الموجزة هي محاولة متواضعة لتقريب أهم القضايا التي توقف معها الكاتب بالنظر والتحليل، وخاصة سمات “الإنسان الجديد”.

فجاءت المقالة في مقدمة، وخاتمة وثلاثة محاور: تناول الأول المجال الفكري العام لنسق فلسفة طه عبد الرحمن، والثاني ركز على مفهوم الحرية الإيجابية في علاقته بمفهوم الإنسان الجديد، وأما الثالث فاهتم بسمات الإنسان الجديد، وهو غرض هذه المقالة.

 

أولا: منطلق المشروع الفلسفي لطه عبد الرحمن -في تصور وائل حلاق-

يستحضر الكاتب بدءا السياق التاريخي والمجال الفكري العام الذي انطلقت فيه فلسفة طه، وهو ما يُصطلح عليه بالإصلاحية العربية، في القرن التاسع عشر والعشرين، وإن كان اشتغال طه عبد الرحمن الفكري والفلسفي يختلف كثيرا عن الإصلاحيين العرب،من خلال نظره للواقع العربي وأزمته المتداخلة، وإشكالاته المترابطة.

إن وضع فلسفة طه في هذا المجال الفكري الخاص يلزمه النظر في منطلقات  الإصلاحية العربية، ودوافعها، ويرجع الكاتب منطلقاتها إلى تصور خاص لمشكلات الواقع العربي، التي ترجع في الأساس إلى أزمة داخلية، متأصلة في هذا الواقع، وهو أمر يخالف فيه طه الإصلاحيين العرب، فحسب حلاق إن طه ينطلق من نظرة مقلوبة لهذا التصور العام، معتبرا أن مشكلات الفكر العربي الإسلامي الحديث ليست آتية من أزمة داخلية، بل لها أصول خارجية، وأصلها الأول والأساس هو: “ضعف العالم الإسلامي في مواجهة أشكال المعرفة الغربية”[2] وهي أشكال معرفية غالبة ومهيمنة، استولت على الفكر، وأشكال المعرفة.

وطبيعي أن هذا سيؤدي إلى اختلاف جذري في المنهج، فإذا كان توجه بعض الإصلاحيين العرب دفعهم إلى القطيعة،فإن طه اختار سبيل الوصل منهجا مرتكزا في فلسفته.

ويخلص وائل حلاق في النهاية إلى تصور مظان المشكلة في تصور طه عبد الرحمن وهي “الإنسان الحديث”، ذلك الذي يجعل من نفسه سيدا على الخلق، وينغمس في تأليه ذاتي يجعله غاية في نفسه”[3] فأساس المشكلة إذن في الإنسان نفسه، الذي يفكر وينتج المعرفة، ولا يمكن البحث عن الحل إلا من خلال الإنسان ذاته!

ثانيا: الحرية الإيجابية ومفهوم الإنسان الجديد

يقيم وائل حلاق مقارنة بين الجابري -باعتباره واحدا من الإصلاحيين العرب- وطه عبد الرحمن، ودون الدخول في السجال الفكري الذي يفترض بين الرجلين، وقد وقف معه الكاتب وقفات، أركز في هذا المقام على مسألة تتصل بالثلاثية العقلية[4] بين الجابري وطه، وهي أساس منطلقهما الفكري.

يعتبر حلاق أن طه من خلال قلب ثلاثي الجابري صاغ مفهوما جديدا لمعنى”الحرية الإيجابية”، يخالف أشكال هذا المفهوم في التصور الغربي الحداثي، ولا يخضع لقواعد الدولة الحديثة، وما هو إيديولوجي، وهذا لا يعني اختراع مفهوم جديد بل إعادة إحياء قوته، وإعادة حياته، وعبر إحياء هذا المفهوم بمضامينه، يصل إلى اقتراح تصور جديد للإنسان المعاصر، وهنا في نظر حلاق تكمن “قوة فلسفة طه عبد الرحمن الحقيقية”[5]

ذلك أن طموح مشروع طه الفلسفي هو إسباغ الأخلاق على الحداثة، وتحديد أسس بناء جديد لحداثة إسلامية،[6]والسبيل لهذا -حسب حلاق- ليس مجرد خطة وعظ، بل يمر عبر قلب جذري وشامل، يمثل في الواقع صياغة طريقة جديدة للعيش في العالم، (وهي نقطة سيأتي بيانها ضمن هذه المقالة) وهنا يصبح هدف طه الأساس هو الفرد ذاته، بداخله النفسي، وتكوينه الروحي، بمعنى آخر “إن خطة عبد الرحمن لا تتعلق بالأسباب، بل بالعلاج”[7]!

وعليه فمشروع طه الفلسفي في سعيه لتقديم تصور جديد للإنسان المعاصر، هو في الحقيقة بداية لتقديم تصور شامل “لإنسان جديد”،الإنسان الائتماني، أو الإنسان “الكوثر” الذي يأخذ بأسباب الأخلاق المسددة، ويتخذ من الإيمان قيمة جوهرية، يحتل منزلة الأصل الذي تتفرع عنه جميع أدواره، بمعنى آخر: “إن خاصية الإنسان الكوثر أن إيمانه دفّاق”[8]

ويعتبر حلاق أن هذا السعي يمر عبر وعي منهجي ومقصود في بناء نسق فلسفي يعادي النظام الحداثي الغربي، أي يقدم نظاما معرفيا يستمد من مصادر خارج أنظمة العلم والمعرفة الغربية الحداثية، ويرجع حلاق ذلك إلى التزام طه في جميع خطاباته الفلسفية، بمبدأ معرفي هام، وهو “أن مشروعه الخطابي كله بل ربما كل صفحة من صفحاته التزم بعهده الثابت بأنه لن يكون هناك علاج ناجع يستقي معرفيا من النظام نفسه الذي أنتج المرض”[9]

بعد هذه الفذلكة يمكن التساؤل عن أي مفهوم يطرحه طه عن الإنسان الجديد؟ وما هي سماته؟

ثالثا: سمات “الإنسان الجديد”

إن التصور الذي يقدمه طه عن الإنسان الجديد ليس هو الإنسان الجديد كما في تصور لاتور () مثلا، وهو -حسب الكاتب- “الإنسان المعادي للدستور” أو الإنسان الذي يستمع لقرارات البرلمان وينفذها، وهو نفسه الفرد الحديث الذي يحكمه تكوينه الفكري والعاطفي، ونظرته إلى العالم، بمعنى آخر إن هذا الإنسان في تصور لاتور يظل هو نفسه جزءا من تشكيل منطق العيش والتخلق الحديثين والتشكل بهما”[10]

وإنما الإنسان الجديد في تصور طه هو إنسان يتميز بسمات معينة، وخصائص محددة، وهو ما حاول حلاق تبيانه.

وقبل بيان هذه السمات على سبيل الإجمال والتقريب-كما يتصورها حلاق- لابد من التمييز ين مفهومين أساسيين، وهما: السمات والآليات.

يميز حلاق بين السمات والآليات، من خلال البيان الآتي:

_السمات (charcteristics) هي أقل القليل اللازم لجعل هذا الإنسان جديدا، وتعد لازمة؛ لأن لكل منها مهمة محددة، وتكوّن في مجموعها “الشرط اللازم لعلاج شاف”[11]

_أما الآليات (lechniques) فهي المنهج المتغيِّر الذي تتحقق من خلاله سمة ضرورية، فتكون الآلية بهذا “تنتمي إلى مجموعة من الأفعال المعيشية، أي أعمال وسلوكات ضابطة، تنتج تخلقا وطريقة حياة (hobitus)[12]

والآلية في نظر وائل حلاق هي طريق توصل لسمة ضرورية معينة، كما تحتل في نفس الوقت مجال الإبداع، أي إبداع طرائق عيش جديدة.!

بعد هذا التميز المفاهيمي، يواصل حلاق تأمله لنصوص طه مستخرجا سمات الإنسان الجديد، وهي سمات في نظره متكاملة ومتداخلة، تحتل كلا مترابطا، وهي-في رأيي- في مجموعها أضداد سمات الإنسان المعاصر كما بينها طه في كتابه دين الحياء[13]

  • سمة مناهضة المادية

تشير هذه السمة في تصور حلاق إلى معنى”الرفض النقدي المنهجي لسبغ القداسة على العالم المادي” أي رفض المادة التي ينظر إليها وكأنها “منحت أسمى القيم”وبين أن رفض المادية ليس رفضا مطلقا أو على غير هدى، بل هو رفض يجمع بين خاصيتين مهمتين: النقد، والمنهج، وليس خفيا أن كلا من النقد والمنهج يوحي بوجود فهم سابق لما يرفض، وتفكير في البديل الذي يمكن التماسه.

ولعل هذا ما يشير إليه حلاق في اعتباره أن هذا الرفض ليس غايته رد منتجات المادية -التي لا تنكر فائدتها- إذ العالم في النهاية مركب من المادة، غير أنه ليس مادة فقط، بل يجمع لذلك ما هو روحي وميتافيزيقي.

  • سمة نفي السيادة والتسيد

جعل طه عبد الرحمن السيادة سمة بارزة من سمات الإنسان المعاصر، وتتصل بحب التملك المغروز في نفسه، لذلك كان لزاما قطع الصلة مع التسيد في تصور مفهوم الإنسان الجديد، وسمة نفي السيادة هي ملازمة -حسب حلاق- لسمة مناهضة المادية؛ بحيث لا يمكن الفصل بينهما، “فلا مادية بدون سيادة تماما، كما لا توجد سيادة من غير مادية بمعناها المعرفي والميتافيزيقي الواسع”[14]

ويتخذ نفي السيادة طابع المقاومة، أي مقاومة فعالة، ويتم تفعيلها في “بنية تحتية من الفكر والعمل والشعور”وقد وظف طه عبد الرحمن في هذا السياق آلية أخلاقية تتمثل في مفهوم قيمي أساسي، وهو “خلق الحياء” وهو مفهوم -حسب حلاق- فلسفي ذو معان متعددة، ومتداخلة، ويضم في الآن نفسه مفهوما آخر مهما، وهو “الامتنان” والذي يشير إلى “معنى الاعتراف والتقدير والشعور بالديْن…”

وهذا المكوَّن الأخلاقي الثنائي (الحياء، والامتنان) إضافة إلى مفهوم التواضع، يمثل تقنيات نفس، بتعبير حلاق، أو تقنيات روح، بتعبير طه، وهذه المعاني ليست مجرد خواص يمكن لنا الإعجاب بها والدعوة إليها، بل تمثل مكوِّن عالم القيم الذي يولد فيه الفرد ويشب، نظاميا ومنهجيا، وتكوينيا، “عالم لا يمكن فيه للكبر والخيلاء أن يزدهرا…”[15]

في هذا العالم الحي إذن يولد مفهوم “الإنسان الجديد” باعتباره ذاتا لا تعترف بالسيادة، بل “ولا تستطيع أن تفكر في التسيد”بتعبير الكاتب، ويرى حلاق أن في هذه النظرية الأخلاقية تختفي الثلاثية الكانطية أي ثلاثية الإرادة العقلية الحرة (الحرية، العقل، والإرادة) في صوغ الذات الجديدة، إذ هي ذات ترى نفسها متحررة من شهوة السيطرة والسعي نحو القوة!

هنا يستدرك حلاق على هذا المعنى الأخير بالإشارة إلى استحالة التحرر التام والمطلق من شهوة السيطرة، وإنما الذي يجب على الذات الجديدة الوعي به هو معرفة كيفية التعامل مع هذه الشهوة، والتفكير في مقابلها.

يبقى السؤال الذي يتقاسمه معنا حلاق هو هل ثنائية المقاومة والرفض (وهي ثنائية فوكوية) تكفيان لإنتاج مفهوم “الإنسان الجديد”؟

الإجابة بدءا ونهاية هي: النفي، بحيث إن طه عبد الرحمن في تصوره لمفهوم الإنسان الجديد، يلح على مسألة تتجاوز المقاومة والرفض، إلى الدعوة للتخلق وطريقة عيش جديدين في العالم لا فوق العالم،وتَشكُّل جديد من أشكال التفعيل والتعزيز الأخلاقيين، يمنعان حب السيطرة والتسيد، أو التفكير فيهما.

وخلاصة المعاني السابقة يرى حلاق أن سعي طه عبد الرحمن الحثيث لصياغة مفهوم الإنسان الجديد في منظومة أخلاقية مميزة، “يتطلب أشكالا جديدة من التثقيف، والتربية، والتعليم”[16] وفي نظري إن هذه الثلاثية الأخيرة (التثقيف، التربية، والتعليم) تمثل قطبا رئيسيا في فلسفة طه عبد الرحمن الأخلاقية، تتطلب التأمل في علاقاتها المتداخلة، وممكناتها في الواقع المعيش، إضافة إلى الوقوف على نصوصها المؤسسة تحليلا ونقدا، ومدارسة…!

رجوعا إلى المعنى الأخير في تحليل حلاق السابق، وهو “طريقة العيش في العالم” نتساءل عن طبيعة هذا العيش، وكيف السبيل لصياغة طريقة عيش في العالم لا فوق العالم؟! وهذه هي السمة الثالثة.

  • سمة طريقة العيش في العالم

يوظف طه عبد الرحمن خلق الحياء -باعتباره آلية فلسفية ترد بها تداعيات الحداثة السلبية- في صياغة طريقة عيش جديدة في العالم لا فوقه؛ ذلك أن الحياء – بتعبير حلاق- في فكر الرجل ليس “مجرد ترياق مضاد للتسيد والتكبر، (وهي سمات الفرد الحديث) بل يمثل -فعليا- تخلقا وطريقة عيش جديدين… طريقة عيش ثابتة في العالم لا فوق العالم”[17]

والعيش في العالم الذي يقصده طه عبد الرحمن ليس مجرد أسلوب مندوب للعيش، بل هو عبارة عن منظومة معرفية تحدد بدقة الطريقة التي يسلكها الإنسان للعيش في العالم، ونظرة الإنسان الجديد للعالم ليست نظرة عادية من الخارج، وإنما هي نظرة تعبر عن تكوين داخلي للواقع، مستحضرة الترابطات المتداخلة في تكوين العالم، وأنه “وحدة واحدة ترتبط فيها كل الأشياء الحية وغير الحية”[18]هذا التحليل الذي يقترحه وائل حلاق يعكس النظرة التكاملية لطه عبد الرحمن في صياغة مفهوم الإنسان الجديد، وفيه تركيز كبير على البعد العملي في علاقته بالبعد النظري، هذه النظرة تتصور الواقع أو الوجود نسيجا مترابطا ومتكاملا من علاقات مختلفة.

وفي نظر حلاق إن اعتبار العيش في العالم هو منظومة معرفية نفسية من شأنه تصور”التواصل والتواصلية في العالم، ذو طبيعة أخلاقية تقوم على المسؤولية المعرفية والوجودية”، والمسؤولية الحقيقية تقوم على الأخلاق؛ إذ الأخلاق هي الإطار الحاكم على كل ما يقال ويُفعل! كما أن المسؤولية – في سياق بيان طريقة عيش الإنسان الجديد في العالم- “ليست مجرد قول ونظرية ومعرفة… إن المسؤولية سلوك وطريقة حياة، ومعرفة نفسية وتخلق في الوقت نفسه”[19]

وبيّن أن تصور العالم كلا متكاملا، ووحدة مترابطة، هو محو لأي فصل يمكن إقامته بين ما هو نظري وما هو عملي، أو الفصل بين النظرية والتطبيق، وهكذا فالإنسان الجديد كما يتصور العالم أنه وحدة متكاملة، ينبغي أيضا استحضار التفاعل الجدلي بين النظرية والتطبيق، وهي السمة الرابعة من سمات مفهوم الإنسان الجديد.

هنا نكون قد وصلنا لنقطة هامة تتعلق بعلاقة الإنسان بالعالم الذي يسكنه ويستوطنه، وعلاقته بالوجود كله، إذ يبين طه عبد الرحمن هذه العلاقة من خلال تميزه بين العقل المؤيد، والعقل الأداتي المجرد، فيعتبر أن الوجود تواصل مستمر، وأن الإنسان والعالم على وفاق تام، أي نظر الإنسان إلى الكائنات الأخرى نظرة احترام، بسبب “حقيقة المساواة في الخلق الثابتة” بتعبير حلاق، وإن كانت هذه المساواة تتميز، وتختلف بين الكائنات الوجودية.

ماذا يعني هذا في تصور طه؟ يعني: أن الإنسان الجديد عليه حمل عبء المسؤولية الأخلاقية، والمرتبطة باستخلافه في الأرض وائتمانه عليها؛ ذلك أن الوجود -كما يؤكد طه في نصوص مختلفة من كتبه-[20]  كله أمانات، وبعبارته “أن الوجود كله عبارة عن أمانات شاهدة على الخالق، وجودا، ووحدانية، وأسماء”[21]

خاتمة

وخلاصة ما سبق في هذه الرحلة القصيرة مع تصورات وائل حلاق وتحليلاته وتأملاته لمفهوم الإنسان الجديد كما تؤسس له الفلسفة الائتمانية، أن هذا المفهوم الجديد يعيد النظر جذريا في أسس الحداثة الغربية، التي أصبحت عالمية بفعل وسائل الاتصال والإعلام، ويقترح أسسا بديلة تعيد للإنسان الجديد حقيقته وروحه.

وقد حاول حلاق بتحليله المركز تفكيك عبارات طه عبد الرحمن، والدخول في سجال قاصد وطموح معها، وصولا إلى تصور عام لسمات “الإنسان الجديد”، والتي أجملها في: سمة مناهضة المادية، ونفي السيادة والتسيد، ثم سمة طريق العيش في العالم لا فوقه، وأخيرا استحضار التفاعل بين النظري والتطبيق.

وفي الأخير لابد من الاعتراف بصعوبة مهمة فهم واستيعاب ما حاول حلاق بيانه وتأمله، مما يجعل أمر التقصير وسوء الفهم في تقريب بعض المعاني واردا وبقوة في هذه المقالة الموجزة، وأرجو أن تكون صائبة ولو في بعض ما رامت تحقيقه، وبيانه، وعلى الله قصد السبيل، ومنه التوفيق والسداد.

والحمد لله رب العالمين.

 

[1]ينظر مقدمة الكتاب “اصلاح الحداثة”ترجمة عمرو عثمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2020ط ، ص11.

[2]حلاق وائل، اصلاح الحداثة، مرجع سابق، ص 345.

[3]نفسه ص 350.

[4]أقصد الترتيب الثلاثي للعقل، حسب الأفضلية، بين الجابري وطه. (البرهان، البيان، العرفان/ عند الجابري) (العقل المؤيد، والمسدد، والمجرد/ عند طه)

[5]اصلاح الحداثة، ص 350.

[6]لبيان أركان الحداثة وأسسها، ينظر طه عبد الرحمن روح الحداثة،

[7]551.

[8]طه عبد الرحمن، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، جمع وتقديم رضوان مرحوم، 2016ص 44.

[9]حلاق وائل، اصلاح الحداثة، مرجع سابق، ص 351.

[10]نفسه، ص 352.

[11]نفسه والصفحة.

[12]نفسه والصفحة.

[13]طه عبد الرحمن، دين الحياء، ج 1، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2017، ص 245، وما يليها.

[14]إصلاح الحداثة، مرجع سابق، ص356.

[15]نفسه، ص 358.

[16]نفسه، والصفحة.

[17]نفسه، ص 359.

[18]نفسه والصفحة.

[19]نفسه، ص 360.

[20]بؤس الدهرانية،الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014، ص 99. و دين الحياء، ج1، مرجع سابق، ص261.

[21]دين الحياء،  مرجع سابق، ص 261.

تعليق 1
  1. عبد الرفيع يقول

    مقالة متميزة في التعريف بقراءة وائل حلاق لطه عبد الرحمن. استرعى انتباهي التعارض في تشخيص الأزمة بين تصور الإصلاحيين العرب (الأزمة داخلية) وتصور د. طه (الأزمة خارجية : فشل المسلمين في مقاومة النمط المعرفي الغربي)؛ وأظن أن الجمع بين التصورين قد يعطينا مفتاحا جديدا لفهم أزمتنا ، خصوصا وقد نذر د طه مشروعه الفلسفي لفهم أسرار هذا العقل الذي هزم العرب (بعد كارثة ١٩٦٧) على حد تعبيره؛ والذي أغفله التصوران هو البعد السياسي متجليا في نظام الحكم السائد في العالم الإسلامي، فالإصلاحيون العرب لم يلامسوا البعد السياسي إلا لمسا خفيفا، ومقاربة د طه تعتبر التسييس آفة من آفات النظر الفكري لدى المتفلسفة، والملفت للنظر أننا لو تأملنا في كارثة ١٩٦٧ ( التي كانت المنطلق والشرارة لمشروع د طه) لوجدنا من أقوى أسبابها الاستبداد السياسي (صفقة الأسلحة المغشوشة، الزج بالمعارضين في السجون والتنكيل بهم،…)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.