منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقة التراث الديني بالشرعية السياسية في المغرب

د. رشدي بويبري

0

 

1ـ التراث الديني، دلالته ومجالاته.

يثير تعريف مفهوم التراث الديني صعوبات كثيرة مصدرها الأساس اختلاف الثقافات والمرجعيات الحضارية وتباين مفهوم الدين من حضارة لأخرى. فالدين في المجتمع الإسلامي يختلف في دلالته وحمولاته وتأثيراته عنه في الحضارة الغربية أو حضارات الشرق الأدنى. فمفهوم “التراث الثقافي الديني يعطي أبعاداً عديدة لعنصر واحد، من بينها الأبعاد التراثية والدينية. هذه الامتدادات، التي لا تكون متوافقة دائمًا، تترك تعقيدًا معينًا مرتبطًا بهذا النوع من التراث الثقافي”[1].

فحين نتحدث عن ارتباط التراث بالدين نواجه دائما خلطا بين المطلق والنسبي وبين المادي والمقدس “فالرسالة ذات الطبيعة الدينية أو ما يمكن تسميته بالقيمة الدينية لهذه الأشياء تستمد أساسًا من ارتباطها بالمقدس، والقيم الإلهية بطبيعتها لا ترتبط بالمادية، لأنها منفصلة عن الأشياء وتتألف بالخصوص من المبادئ والفضائل”[2].

يختلف هذا النقاش حول التراث الديني، كما سبق أن أشرت، من مجال حضاري لآخر، “ففي العالم الغربي، يمكننا أن نرصد، منذ النظام القانوني لروما القديمة، علاقة مباشرة بين الممتلكات والمقدسات المرتبطة بها. فهذه الممتلكات لا سلطة للبشر عليها لأنها بمعنى ما ملك الآلهة الذين ترتبط بها”[3]. ثم حصلت تطورات في المفهوم نتيجة تغير النظام الديني في أوروبا بالخصوص فمع “ظهور المسيحية، أفسح هذا المفهوم المجال للتراث الكنسي الذي يجمع المِلكيات المؤقتة التي تنتمي إلى الكنيسة، والتي هي في الأساس تراث تعبدي مندمج مع القيم الروحية الأبدية”[4].

المزيد من المشاركات
1 من 104

لكن حين نحصر بحثنا ونقاشنا في نطاق العالم العربي والإسلامي فإن المقاربة سوف تختلف مما يفرض علينا، لزاما، تحديد دلالة هذا المفهوم في سياقه التاريخي وتحديد علاقته بالدين الإسلامي وهي قضايا جدلية يجب البحث فيها ونفض الغبار عنها. فهناك من اعتبر أن “التراث الإسلامي، مصطلحا شاملا يتسع لكل ما له علاقة بالإسلام”[5]، وهي نفس المقاربة التي اعتمدها الدكتور “أكرم ضياء العمري” في تعريفه للتراث الإسلامي بحيث أدرج فيه كل: “ما ورثناه عن آبائنا من عقيدة وثقافة وقيم وآداب وفنون وصناعات وسائر المنجزات الأخرى المعنوية والمادية ويشمل كذلك على الوحي الإلهي (القرآن والسنة) الذي ورثناه عن أسلافنا[6]“.

وفي نفس الاتجاه ذهب الفيلسوف الإسلامي “حسين نصر” حين أكد أن التراث الاسلامي يمثل “كل المكونات التي تجذرت من الوحي المحمدي وانتشرت عبر التاريخ والحضارة الإسلامية من فن وفلسفة وعرفان ولاهوت وغير ذلك”[7]. وبناء على هذه التعريفين يمكننا أن نستنتج أن التراث الإسلامي مفهوم يتسم بالشمولية ويستوعب كل ما يرتبط بالإسلام من نصوص القرآن والسنة النبوية، وما أبدعه العقل المسلم في تاريخه بكل اللغات من إنجازات فكرية وعلمية وعملية فهو، سواء كانت العلوم نقلية مثل التفسير والفقه والحديث أم عقلية نظرية وتجريبية. هذه المقاربة لمفهوم التراث الإسلامي أثارت جدلا كبيرا بين المفكرين والباحثين بحيث طرحت إشكالية قدسية التراث الإسلامي، هل هو دين يجب التعاطي معه بمنطق التسليم والإذعان والالتزام بما يحتويه من مضامين؟ أم هو مجرد اجتهادات بشرية محكومة بظروف نشأتها وعوامل تولدها ويطالها ما يطال غيرها من النسبية والقابلية للنقد والتصويب والتعديل حسب الظروف والحاجات المتغيرة عبر الزمان والمكان؟

وقد انقسمت المقاربات الفكرية والعلمية لهذه الاشكاليات إلى اتجاهين، اتجاه يدافع عن التراث باعتباره دينا يكتسي عصمة كاملة دون التمييز بين نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وبين اجتهادات البشر وأفعالهم التاريخية. واتجاه معاكس يرى إلزامية الفصل الكامل بين الدين باعتبار مصدره الإلهي المطلق وبين التراث الاسلامي باعتبار بشرية مصدره التي تتسم بالنسبية والتاريخية.

وفي خضم هذا النقاش قدم الباحث نبيل علي صالح مقاربة توفيقية تقوم على التمييز بين نوعين من التراث الديني “أولهما تراث ثابت ومقدس وهو كلام القرآن ومجمل المبادئ الكلية والأصول العامة المتعلقة بها الممثلة للدين الإسلامي، والآخر تراث ديني متغير غير مقدس يدور ويتحرك في الزمان والمكان، ونعني به مجمل أقوال ونصوص التفسير الديني المتعلقة بالمعاملات والحدود والأحكام المتغيرة، وكل ما يتصل بحركة الإنسان في الواقع في علاقاته وتدابيره وشؤونه ومعاملاته وفعالياته المتنوعة”[8]. وقد رفض هذا الباحث إضفاء صفة القدسية على النوع الثاني من التراث لكونه يمثل إبداعات للعقل البشري المسلم في تفاعله مع مرجعين، النص المقدس والواقع المتحرك المتغير بتغير الأحوال والأزمان والحاجات البشرية والطوارئ والتطورات. هو كذلك ثمرة اجتهادات عقول بشرية غير منزهة عن الخطأ والنسيان والمتأثرة بالضرورة بسياقاتها الثقافية ومعارفها المكتسبة. ثم هي، كذلك، مقاربات عديدة لنصوص الدين المقدسة الحمالة لأوجه مختلفة والقابلة لتأويلات متنوعة.

فالتراث الديني حسب “علي صالح” هو “تراث الشريعة الذاتية كما هي في نصها المقدس الأصلي، وتراث الفهم والوعي البشري لها، الذي هو عبارة عن معرفة بشرية في حالة تجدد وسيرورة وتطور زماناً ومكاناً بالنظر لتطورات وتغيرات الحياة والعصر”[9]. وبناء عليه وجب التمييز في المجال الديني الاسلامي بين المقدس الذي يمثله الوحي بمكونيه النص القرآني والحديث النبوي وبين ما يندرج في دائرة الاجتهاد البشري الذي أبعه العقل البشري، الاسلامي أساسا، في سياق العمل على فهم الوحي وتنزيل تعاليمه في الواقع البشري ومعالجة الاشكاليات التي أفرزها احتكاك النص بالواقع الانساني المتسم بالتطور والتغير الدائم. من هنا يمكن إدراج تلك الاجتهادات البشرية في نطاق ما يمكن نعته بالتراث الديني الاسلامي.

2ـ توظيف المذهب المالكي

شكل التراث الديني، خاصة في بعده الإسلامي، عنصرا أصيلا من مكونات هوية الدولة والمجتمع المغربي ومقوما أساسيا من مقومات الشخصية المغربية التي تبلورت عبر مئات السنين. وقد حرصت الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم المغرب خلال التاريخ على الحفاظ على العلاقة المتينة بين التراث الإسلامي ونظام الحكم واستمرار توطيدها. فالملكية في المغرب عرفت مبكرا أهمية هذا التراث في تدعيم أسس شرعيتها وتوطيد وجودها وبقائها في سدة الحكم، وكذا نجاعته في مواجهة خصومها الداخليين وأعدائها الخارجيين.

وقد عمل ملوك المغرب منذ القدم على الاستفراد بتدبير الشأن الديني من خلال احتكار تمثيله داخليا بتوظيف صفة أمير المؤمنين، التي حرص كل واحد منهم على اتخاذها لقبا له. وقد خولتهم هذه الصفة سلطات واسعة جعلتهم مصدر السياسات والتوجيهات المحورية في هذا المجال. وقد أخذت هذه الصفة بعدين ديني وسياسي في نفس الوقت، “فمن خصائص المفهوم السياسي الديني لإمارة المؤمنين توفيره للمؤسسة الملكية، القدرة على الانتقال من الحقل السياسي إلى الحقل الديني أو الانطلاق من مجال الدين إلى ميدان السياسة، للحسم عند الحاجة في العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية”[10].

وفي صورتها المعاصرة منذ عهد الملك “الحسن الثاني”، تم اعتبار إمارة المؤمنين أعلى مؤسسة دينية في المغرب تملك سلطة الإشراف على كل المؤسسات الدينية الأخرى وكذا الدنيوية وتعتبر مرجعا لها في مواقفها واختياراتها. “فالملك هو الذي يعين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويترأس رئاسة فعلية المجلس العلمي الأعلى، الذي يمثل المؤسسة الشرعية التي يناط بها العمل على التعريف بالدين الإسلامي والسهر على نشر تعاليمه السمحة وقيمه النبيلة، وتأطير الحياة الدينية للمواطنين المغاربة المسلمين، ثم الإشراف العلمي على المجالس العلمية المحلية وفروعها وتوجيهها، بالإضافة إلى الإسهام في تحصين الهوية الدينية والثقافية للمجتمع”.[11]

وشكل الاختيار الفقهي الذي أطر البعد التشريعي للدولة المغربية في سياق تاريخها الطويل منذ الفتح الاسلامي، مجالا برز من خلاله الترابط بين التراث الديني والشرعية السياسية بصورة واضحة. فقد عمل حكام المغرب، منذ بدء الحكم الإسلامي لهذا البلد على توطيد دعائم المذهب المالكي واعتباره المرجع الأساس للأحكام الشرعية التي تهم الأفراد والجماعة معا. “فإجماع المغاربة على المذهب المالكي وتوحدهم في ظله يعتبر ظاهرة متميزة في الفكر المغربي، إن لم تكن أهم وأبرز ظاهرة في هذا الفكر، بسبب رسوخها واستمرارها والأبعاد المختلفة والمتعددة الناتجة عنها وهي ظاهرة تمثل اختيارا بكل ما في الكلمة من معنى فأخذ المغاربة بالمذهب ليس من قبيل المصادفة كما أنه ليس من قبيل القسر والقهر والفرض والتعسف، ثم إنه ليس من قبيل الحدث الطارئ العابر”[12]. فكيف ترسخ هذا الاختيار الفقهي؟ وما هو دور النظام السياسي المغربي في توطيد حضوره؟

اعتبر عدد من الباحثين أن انتشار المذهب المالكي في المغرب وتعاطي المغاربة معه بالقبول والاستحسان تحكمت فيه عوامل مختلفة. وتتوزع هذه العوامل بين ما هو ذاتي يتعلق بطبيعة المذهب، قواعده واجتهاداته، ومنها ما هو موضوعي يرتبط بالدوافع السياسية واختيارات السلطة الحاكمة. وهذا البعد الموضوعي كان قد أقره الإمام “ابن حزم”[13] حين قال: “مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب “أبي حنيفة”… كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى أفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه، ومذهب “مالك بن أنس” عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه”[14]. وهو ما نص عليه باحث معاصر آخر حين اعتبر أن “ظاهرة مساندة السلطة للمذهب واعتمادها عليه كانت في طليعة الأسباب التي جعلته يستمر. فباستثناء الموحدين كانت جميع الدول الحاكمة في المغرب تعززه وتتقوى به”[15]. وقد ذهب باحث آخر إلى أن هذا المذهب ترسخ في المجتمع المغربي عبر “ثلاث حلقات هي:

1ـ حلقة العلماء الفقهاء، ابتداء من بعض تلامذة الإمام وتلامذتهم، الذين حملوا فقه مالك ومُوَطَّـأَه ومنهجه. ثم استمروا على ذلك خلفا عن سلف.

2ـ حلقة التدين الشعبي، الذي وثِق بفقهاء المذهب واطمأن إليهم ورضيهم واقتدى بهم.

3ـ حلقة الأمراء والحكام، الذين ساروا مع المذهب، تأييدا وتطبيقا.[16]

وقد بدأ التعاطي مع المذهب المالكي مع تأسيس الدولة الإدريسية حيث كان مُنشِؤها “إدريس الأول” مواليا لهذا المذهب ومعتنقا له ومستوعبا لكتاب الموطأ للإمام “مالك” وحافظا له. و”يتضح أن أسباباً سياسية ربما هي التي دفعت “إدريس” إلى إصدار أوامره لولاته وقضاته بنشر كتاب الموطأ وإقراءه”[17]. فهناك من يعتبر “أن تبني الأدارسة للمذهب المالكي نتيجة لمواقف الإمام “مالك” السياسية وتأييده لثورة “محمد ذو النفيس الزكية”.[18] يضاف إليه سبب آخر “هو رواية مالك في الموطأ عن جده “عبد الله الكامل”، وفتياه بخلع “أبي جعفر المنصور العباسي” وبيعته ل”محمد النفس الزكية”، وعهده لأخيه “إدريس الأكبر” بالخلافة بعده، فكان “مالك” هو السبب في ولايتهم الملك، فقال “إدريس” نحن أحق باتباع مذهبه، وقراءة كتابه الموطأ، وأمر بذلك في جميع عمالته”[19]. وقد ترسخ المذهب المالكي بشكل أكبر مع مجيء المرابطين. فبقيام “دولة بني تاشفين بالمغرب الأقصى في القرن الخامس الهجري زاد نفوذ المذهب به، وكان له من السلطان مثل سلطانه في الأندلس، بل أقوى”[20].

ولعل سبب الإقبال على هذا المذهب هو قلة ترف المرابطين ولهوهم وغلبة الجد على أمرائهم فقد “اشتد إيثار الملوك لأهل الفقه، فكان بعضهم لا يقطع في أمر من شؤون الدولة إلا بعد أن يشاور الفقهاء، وألزم القضاة ألا يبتوا في حكومة صغيرة أو كبيرة، إلا بمحضر من أربعة من الفقهاء، فعظم شأن الفقه المالكي، واتسع أفقه الفكري وغزرت مادته ودخلت فيه أبواب سياسة الحكم قوية مرنة متسعة”[21]. كما أن ظاهرة موالاة هذا المذهب لدى المرابطين “ستتبلور في أبعاد سياسية محددة واضحة، سوف تجعل من المالكية ليس مجرد مذهب، ولكن حركة تقود نضالهم وتكيف طبيعة هذا النضال وتحدد شروطه وغاياته، وتجعلهم يحققون الإصلاح الديني ويحققون في نفس الوقت الإسلام المبسط الواضح في صيغة ثورية كانت رهنا بمرحلة نضالية محددة الأهداف”[22].

وقد عم العمل بالمذهب المالكي والاحتكام إليه كل مناحي الحياة العامة والخاصة في المجتمع خلال القرون العديدة من تاريخ المغرب. فهو لم يكن مذهبا “منحصرا في المساجد والمدارس الدينية، ولم يكن خاصا بفتاوى العبادات وبعض المحرمات، بل كان مذهب السياسة والحكم، ومذهب المال والاقتصاد، ومذهب القضاء والقضاة، ومذهب المُفْتين والمُرَبّين، ومذهب الصوفية الزاهدين ومذهب المجاهدين والمرابطين، ومذهب التجار والصناع ومذهب الشرطة والمحتسبين ومذهب الفلاحين والكسابين… وباختصار: لقد كان مذهبَ الدين والدنيا، ومذهب الدولة والشعب”[23]. وقد جعله تعاضد هذه الحلقات الثلاث مذهبا لكل مكونات المجتمع، الدولة والنخبة والعامة.

أما في الحقبة المعاصرة فقد رفعت الدولة المغربية المذهب المالكي شعارا لها وأعلنت تمسكها به، فقد أشار الملك “الحسن الثاني” في كتابه “التحدي”[24] إلى أن التنصيص بشكل صريح، لأول مرة، على اعتبار المذهب المالكي المذهب الشرعي للمغرب في المادة الرابعة من مشروع دستور مغربي وضع في 11 أكتوبر 1908، حيث نصت هذه المادة على أن دين “الدولة الشريفة هو الدين الاسلامي، والمذهب الشرعي فيها هو المذهب المالكي. غير أن هذا المشروع ليس من عمل السلطان مولاي عبد الحفيظ ولا حكومته، وإنما هو عمل جماعة مجهولة قد يكون فيها مغاربة وأجانب، بعثوا به إلى جريدة “لسان المغرب” التي كان يصدرها بطنجة صحفي لبناني اسمه “فرج الله نمور” ونشرته في عددها السادس والخمسين الصادر بتاريخ 15 رمضان عام 1326 (أكتوبر1908) والأعداد التالية. كما بين أيضا أن الهدف الأساس من اعتماد ملوك المغرب المذهب المالكي مذهبا رسميا للبلد هو الحرص على وحدة المجتمع ونفي الفرقة عنه حيث قال، في الرسالة التي وجهها إلى الندوة الوطنية التي انعقدت حول الإمام مالك: “لقد ألهم الله أجدادنا المنعمين إلى اختيار مذهب الامام مالك ونشره، وحده دون غيره، في طول البلاد وعرضها، حفظا لوحدة البلاد المذهبية، ودرءا لكل ما يحمله تعدد المذاهب والنحل من بذور الشقاق والخلاف، فبرهنوا بذلك على بعد نظرهم، وعمق محبتهم لشعوبهم ورغبتهم في إسعادها بدفئ الوحدة، وما ينتج عنها من قوة ومنعة”[25].

وقد أضاف الملك “محمد السادس” إلى هذا السبب عللا أخرى منها اتسام المذهب بالاعتدال والمرونة والتيسير في أحكامه فضلا عن عمق ارتباطه بالنص الشرعي حيث قال: “فقد تمسك المغاربة على الدوام، بقواعد المذهب المالكي، المتسم بالمرونة في الأخذ بمقاصد الشريعة والانفتاح على الواقع، وعملوا على إغنائه باجتهاداتهم، مؤكدين ملاءمة اعتداله لروح الشخصية المغربية المتفاعلة مع الثقافات والحضارات”[26].

وتعددت صور توظيف المذهب المالكي منذ عهد “الحسن الثاني” بحيث غطت مجالات متنوعة تجاوزت به ميدان الفقه الإسلامي “إلى ميدان القانون الوضعي، حيث نجد لهذا المذهب أثرا في القوانين التي وضعت في بلادنا لتنظيم جوانب متعددة من الحياة سواء تم وضعها أثناء فترة الحماية أو في فترة الاستقلال”[27]. ولإدراك حجم تأثر المشرع المغربي بالمذهب المالكي يكفي الوقوف على “ثلاثة قوانين مهمة تنظم أهم مجالات العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع ونعني بها القانون الذي يحكم نظام الأسرة وينظم علاقاتها… والقانون الذي ينظم جانب الالتزام والتعاقد في المعاملات ويعرف “بقانون الالتزامات والعقود” وأخيرا القانون المتعلق بالنظام العقاري والمعاملات العقارية”[28].

تضاف إلى هذه القوانين ظهائر ملكية طالبت بشكل واضح بتطبيق قواعد وأحكام المذهب ومنها “الظهائر الخاصة التي كانت تصدر لتعيين القضاة، حيث تأمر هؤلاء بالحكم ـ عند غياب النص القانوني ـ بالراجح أو المشهور أو ما جرى به العمل من مذهب الإمام “مالك”. ونمثل لذلك بظهير مؤرخ في سنة 1343ه متعلق بتعيين أحد القضاة بمدينة تزنيت جاء فيه: “.. وإننا.. ولينا.. ماسكه الفقيه.. خطة القضاء.. وأسندنا إليه النظر في تصفح الرسوم والفصل بين الخصوم، على أن لا يخرج في الحكم عن المشهور والراجح، وما جرى به العمل من مذهب إمامنا مالك.. فعليه بتقوى الله ومراقبته في سره ونجواه، وليعلم أن الله سبحانه يراه، وأن أحكامه ستعرض عليه في أخراه، وفقنا لما يحبه ويرضاه..”[29].

يظهر، بناء على ما ذكر، أن للفقه المالكي في المنظومة السياسية والتشريعية المغربية مكانة مهمة وأن الحرص ديمومة هذا الحضور والاشادة به باستمرار في الخطاب السياسي الرسمي للدولة المغربية هو إبراز له بكونه أحد أهم أعمدة الشرعية الدينية للنظام المغربي ومصدرا أساسيا من مصادرها.

 

المراجع:

  • الحسن الثاني، كتاب التحدي، المطبعة الملكية، الطبعة الثانية، 1983.
  • عباس الجراري، بحوث مغربية في الفكر الاسلامي، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، 1988.
  • عباس الجراري، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، مكتبة المعارف، 1979، الجزء الأول.
  • عبد اللطيف هداية الله، أثر الفقه المالكي في القانون المغربي. ضمن كتاب “التراث المالكي في الغرب الاسلامي”، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة      الحسن الثاني، عين الشق، سلسلة ندوات ومناظرات، مطبعة المعارف الجديدة،       الرباط 1998.
  • عبد الرحمن عطية، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث، دار الاوزاعي، 1986.
  • عماد الدين إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، 1424هـ/ 2003م، الجزء 15.
  • عمر الجيدي، مباحث في المذهب المالكي بالمغرب، مطبعة الهلال العربية، الطبعة الأولى، 1993.
  • شمس الدين ابن خلكان،وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان،تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، الجزء 6.
  • محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي، ط1، 1983/1403.
  • محمد الريسوني، المذهب المالكي بالمغرب بين الجد والهزل، مجلة الفرقان، العدد 58، صدر سنة 1428/2007.
  • محمد بن جعفر الإدريسي الكتاني، الأزهار العاطرة الأنفاس بذكر بعض محاسن قطب المغرب وتاج مدينة فاس، المطبعة الجديدة، 1927.
  • محمد أبو زهرة، مالك، حياته وعصره وآراؤه الفقهية، المكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
  • محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي، ط1، 1983/1403.
  • نبيل علي صالح، التراث الديني ومتطلبات العصر التأويل العقلي كطريق للتمكين الوجودي، مجلة الوحدة الاسلامية السنة الثانية عشر، العدد137، أبريل 2013م.
  • وزارة الإعلام، خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، الطبعة الثانية 1993، الجزء السادس.
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، شمس الدين ابن خلكان تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، الجزء 6.
  • BART Jean, «patrimoine et religion, les dieux possèdent-ils un patrimoine?», dans Brigitte Basdevant-Gaudemer, Marie Cornu, Jérôme Fromageau (dirs.), Le patrimoine culturel religieux. Enjeux juridiques et pratiques culturelles, Le Harmattan, Paris, 2006.
  • Samir NEDJARI, CONVERSION DES LIEUX DE CULTE A ALGER DU XVIIIEME AU XXEME SIECLE:CAS DE LA MOSQUEE/CATHEDRALE KETCHAOUA, UNIVERSITÉ PARIS I PANTHEON-SORBONNE ; U.F.R. GEOGRAPHIE, HISTOIRE, SCIENCES DE LA SOCIETE, 2012.

[1]– Samir NEDJARI, CONVERSION DES LIEUX DE CULTE A ALGER DU XVIIIEME AU XXEME SIECLE: CAS DE LA MOSQUEE/CATHEDRALE KETCHAOUA, UNIVERSITÉ PARIS I PANTHEON-SORBONNE, U.F.R. GEOGRAPHIE, HISTOIRE, SCIENCES DE LA SOCIETE, 2012.

http://www.institut-numerique.org/i-chapitre-i-patrimoine-patrimoine-religieux-et- conversions-50d48f6c2d794.

[2]-Samir NEDJARI, op cite.

[3]– BART Jean, « patrimoine et religion, les dieux possèdent-ils un patrimoine ? », dans Brigitte Basdevant-Gaudemer, Marie Cornu, Jérôme Fromageau (dirs.), Le patrimoine culturel religieux. Enjeux juridiques et pratiques culturelles, Le Harmattan, Paris, 2006.

[4]– Samir NEDJARI, op cite.

[5] ـ عبد الرحمن عطية، مع المكتبة العربية: دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث، دار الاوزاعي، 1986 ص 77/79، بتصرف.

[6]ـ أكرم ضياء العمري، التراث والمعاصرة، مرجع سابق، ص27.

[7]ـ عبد الرحمن عطية، مع المكتبة العربية، مرجع سابق، ص77.

[8] ـ نبيل علي صالح، التراث الديني ومتطلبات العصر التأويل العقلي كطريق للتمكين الوجودي، مجلة الوحدة الاسلامية السنة الثانية عشر، العدد137، أبريل 2013م.

[9] ـ نبيل صالح، المرجع السابق.

[10] ـ رشيد مقتدر، الشرعية الدينية في فلسفة الحكم الملكي بالمغرب، http://www.majlissala.com.

[11] ـ رشيد مقتدر، المرجع السابق نفسه.

[12]ـ عباس الجراري، بحوث مغربية في الفكر الاسلامي، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، 1988، ص42.

[13]ـ هو الإمام الحافظ العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أصل جده فارسي أسلم وكانت بلدهم قرطبة فولد ابن حزم هذا بها في سلخ رمضان من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فقرأ القرآن، واشتغل بالعلوم الشرعية، فبرز فيها، وفاق أهل زمانه، وصنف الكتب المفيدة المشهورة، يقال: إنه جمع أربعمائة مجلدة من تصنيفه في قريب من ثمانين ألف ورقة. وكان أديبا طبيبا شاعرا فصيحا، له في الطب والمنطق اليد العليا، وكان من بيت وزارة ورياسة ووجاهة ومال وثروة… كانت وفاته في قرية له في ثاني شعبان من هذه السنة وقد جاوز السبعين، انظر ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، 1424هـ / 2003م، الجزء 15 ص796.

[14]ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، شمس الدين ابن خلكان تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، الجزء 6 ص 144.

[15]ـ عباس الجراري، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، مكتبة المعارف، 1979 الجزء الأول، ص88.

[16]ـ محمد الريسوني، المذهب المالكي بالمغرب بين الجد والهزل، مجلة الفرقان، العدد 58 صدر سنة 1428/2007، ص3.

[17]ـ محمد بن جعفر الإدريسي الكتاني، الأزهار العاطرة الأنفاس بذكر بعض محاسن قطب المغرب وتاج مدينة فاس، المطبعة الجديدة، 1927، ص.110

[18]ـ عمر الجيدي، مباحث في المذهب المالكي بالمغرب، مطبعة الهلال العربية، الطبعة الأولى. 1993. ص.21

[19]ـ عمر الجيدي، نفسه ص21.

[20]ـ محمد أبو زهرة، مالك، حياته وعصره وآراؤه الفقهية، المكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص 15.

[21]ـ محمد أبو زهرة، مالك، المرجع نفسه، ص21.

[22]ـ عباس الجراري، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، مرجع سابق، الجزء الأول، ص88.

[23]ـ محمد الريسوني، المذهب المالكي بالمغرب بين الجد والهزل، مرجع سابق، ص3.

[24]ـ الحسن الثاني، كتاب التحدي، المطبعة الملكية، الطبعة الثانية، 1983، ص326.

[25]ـ وزارة الإعلام، خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، الطبعة الثانية 1993، الجزء السادس ص 448.

[26]ـ مقتطف من خطاب العرش بتاريخ 7 يوليوز 2003.

[27]ـ عبد اللطيف هداية الله، أثر الفقه المالكي في القانون المغربي. ضمن كتاب “التراث المالكي في الغرب الاسلامي”، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، سلسلة ندوات ومناظرات، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1998. ص171.

[28]ـ عبد اللطيف هداية الله، نفسه، ص171.

[29]ـ محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي، ط1، 1983/1403 ص159.وقد نقله عن المختار السوسي، المعسول، الجزء الثالث عشر، ص219.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.