منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثنائية الدعوة والدولة ….. نظرة تأملية

إلياس واحي

0

بداية أنا أعترف أن الخوض في هكذا “مباحث” لا يفوق طاقتي وقدرتي فقط، بل يفوق قدرة عصبة بل طاقم علمي برمته، مُتاح أمامه كل الإمكانيات الأكاديمية ومُحققة لديه الشروط البحثية، وذلك لما  لهذا الموضوع من” ثقل نظري” بحثي، كما أنه  متشعب الفروع والحقول الدراسية و”التتبع العلمي”. وما يزيد من الأمر صعوبةً، افتقادنا لنموذج معاصر نقتبس منه الأمثلة ونستعين به لشرح المبهمات وتأكيد الواضحات.

لطالما خَطَ علماؤنا الأجلاء، عبر الأزمنة وباختلاف الأمصار، طروحات قيمة في موضوع مؤسسة الدعوة وعلاقتها بمؤسسة الدولة، أي بعبارة تبسيطية أكثر: علاقة الحمولة الإيمانية الدينية، بالحمولة السياسية  التدبيرية، وذلك في نطاق ظاهرة “الدولة” ETAT / STATE.

هذا المبحث العلمي الأصيل عرف تجاذبات حادة في صفوف رواده ومنظريه، منذ أن انتقلت الخلافة الراشدة إلى ملك، و بالتالي توالت الأجيال على “تَحْقِيب” أزمنتها تحت أسامي مختلفة تارة، ومتباينة تارة أخرى، حرصا منها على مُحاكاة بنيتها السياسية  للنموذج النبوي الأصيل.

كما هو معلوم لدى المتخصصين في الفكر السياسي الإسلامي أن مرتكز هذه الثنائية {الدعوة والدولة} باعتبارها تيمة دولة القرآن المستقبلية، هو “سيادة” الدعوة على الدولة، أي أن مؤسسات الدولة برمتها تَنْقَاد للِوِجْهة التي تحددها مؤسسة الدعوة وتنصاع لها، وبالتالي تمتلك ولاية عامة على كل قطاعات “كيان الدولة” مجتمعا وبُناً سياسية .

فالدعوة بهذا المعنى هي التي تضع “السياسة العامة” لكيان المجتمع الإسلامي المرتقب، و الآليات الضرورية لمراقبة عمل الساسة والمؤسسات التي يَنْضَوُون تحت ظلها وينتمون لها.

المزيد من المشاركات
1 من 83

إلا أن هؤلاء العلماء اختلفوا حول شكل مؤسسات الدولة المرتقبة، وخاصة مؤسسة الدعوة…. وآليات انتخاب أعضائها… وطريقة ذلك …..والتنسيق مع باقي كيانات المجتمع الإسلامي…… الدعوة وعلاقتها برجال الدولة الأكثر اتصالا بالواقع وحيثياته.

وكيف يمكن للدعوة ان تقود مؤسسة الدولة ؟ ….وما هو السبيل  ألاَّ تذوب الدعوة في الدولة وينهار البناء برمته؟

اذكر قبل سنتين تقريبا ، كان لي “سَمرٌ لَيْلِيٌ” مع أحد الأصدقاء، فدار بيننا نحن الاثنان حوارٌ فكري جادٌ إلى أبعد الحدود، حيث اشتبكنا تارة، واتفقنا، بالأحرى توافقنا، تارة أخرى، حول ذات الموضوع المشار إليه أعلاه، فإذا به يطرح علىَّ سؤالا محوريا مفاده:

كيف سيكون شكل “دولة القرآن المستقبلية” ،وخاصة أننا نعيش عصرا لا نملك تصورا متكامل الأطراف، وقابلا للأجرأة  حول هذا الكيان المستقبلي الذي صدَّقنا بنشوئه، وذلك عبر ما وردنا من أحاديث ونصوص من الوحي ؟

كان جوابي ـ أو بالأحرى محاولة الإجابة باعتبار الموضوع لا يمكن تلخيصه وتبسيطه هكذا بجرة قلم ـ .كالآتي:

أول شيء صدعت به ساعتها هو: أن شكل هذا الكيان { ….أسامي أشكاله….بنيته التنظيمية …..طرق صياغة الدساتير ….انتخاب…عزل…..} سيكون من إبداع وابتكار الجيل، بل أجيال المستقبل التي ستنخرط في بنائه وتجويده عبر الزمان وباختلاف الأقاليم والامصار المُمَثلة فيه.

كما أنه لا يمكن على الإطلاق للأجيال القادمة أن تتفوق في هذه الوظيفة التاريخية العظيمة، إن لم تجد  من التراكم النظري ثم العملي لنماذج وتجارب، يمكن أن تكون مَناطَها للانطلاق والبناء على منوالها على الأقل.

مسألة بناء صرح دولة القرآن ليست مسؤولية أجيال المستقبل و حَسْبْ، بل مسؤولية كل الأجيال، لأن الأمر ببساطة موعود إلاهي نبوي أزلي، من المفروض تصديقه والعمل على  تنزيله وجعله حقيقة ملموسة على أرض الواقع.

أنهيت إجابتي بالقول إن أجهزة الدولة ما هي الا آليات يقترحها ويصيغها المجتمع القرآني، وبالتالي لا يمكننا الحديث عن “دولة القرآن” بعيدا كل البعد عن البيئة الروحية  الوجدانية، و“الهَوِيَاتِيَّة” لمعاني الوحي اعتقادا وسلوكا وسرياناَ في أوصال المجتمع قبل نشوء الدولة المرتقبة، على اعتبار أن “مؤسسات الدولة” ما هي في الحقيقة الا انعكاس لثقافة وعقيدة المجتمع القائم.

والوصول إلى مثل هكذا مجتمعات لا يتم بـ“ميزان السنوات “بل بـ“منطق القرون”، على اعتبار أن عملية صياغة “ذهنية” مجتمع ما، تتطلب ردحا من الزمان، وقسطا عظيما من الجهد والعمل المتواصل  من لدن حاملي المشروع الإسلامي عبر العصور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.