منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القوامة والحافظية شعب الإيمان | الشعبة (8)

عبد السميع امزيان

0

حث الإسلام على الزواج ورغب فيه حماية للناس من الزنا وحفاظا للمجتمع من الخراب والانحلال، وجاء الشارع بأحكام تخص سنة الزواج، من اختيار للزوج الصالح، وآداب الخطبة، وغيرها من الأحكام والتوجيهات. ولصيانة هذا البيت الذي دعا الله إلى تكوينه أُمِرَ الإنسان ـ الرجل والمرأة ـ بتنظيم علاقاتهما داخل الأسرة، فكلف الله عز وجل الرجال بوظيفة القوامة، والنساء بوظيفة الحافظية في قوله عز وجل: ” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله” [النساء: 35]، فما هي القوامة التي كُلِفَ به الرجل، وما هي الحافظية التي أُمِرَت بها المرأة؟

القوامة:

في اللغة قِوَامُ الأمر: نظامه وعماده. يقال فلان قوام أهل بيته وقيام أهل بيته وهو الذي يقيم شأنهم. 1
القِوَامَة: القيام على الأمر أو المال، أو ولاية الأمر. 2
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور مستنبطا ـ من الآية الكريمة ـ سمات القوامة التي أمر بها الرجل المسلم: “فقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، فالتفضيل في قوله عز وجل: “بما فضل الله بعضهم على بعض” مزية فطرية تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذب عنها وحراستها لبقاء ذاتها” 3
القيام بوظيفة الرعاية والمسؤولية على الأهل الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والرجل في أهله راع ومسؤول عن رعيته” 4 موكولة للزوج الرجل لما فضله الله من استعداد نفسي وعضوي. وهي رعاية ومسؤولية تتخذ أشكالا كثيرة ومتنوعة نذكر منها:

– أول شروط القوامة الإنفاق على العيال “وبما أنفقوا من أموالهم”، فعلى الرجل المسلم أن ينفق على زوجه و عياله، وأن يستفرغ الجهد في كسب المال الحلال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك” 5، ويذهب الإمام القرطبي إلى درجة سقوط القوامة عن الرجل إذا هو أخل بواجب الإنفاق على الأهل، فيقول تفسيرا لقوله تعالى: “وبما أنفقوا من أموالهم” “أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح” 6

ـ الزوج مسؤول عن زوجه إن هي قصّرت في عبادة أو فرطت في جنب الله بتهاون أو معصية، ومسؤول عن حسن سيرتها واستقامة سلوكها وقيامها بواجباتها الشرعية، وأيّ تقصير منها في جانب من هذه الجوانب يكون سببا في الإخلال برجولة الزوج، ويقدَح في حسن إسلامه، ويخدش القوامة التي أكرمه الله بها. يستمد الإمام عبد السلام ياسين ملامح القوامة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “ نتأمل مسؤولية القوامة في دائرة الوصية النبوية النهائية في خطبة الوداع “الله الله في النساء” مرتفعين بتلك المسؤولية من معنى تكفل الرجل بقوته وعضليته وماله ورئاسته إلى معاني طاعة الله وطاعة رسوله ورعاية وصيته” 7

المزيد من المشاركات
1 من 64

– من قوامة الرجل المسلم في بيته سعيه بكل الوسائل المجدية الإيجابية إلى توجيه زوجه وأهل بيته وإرشادهم إلى الحق بدل إهمالهم وتركهم عرضة لوسائل الفتنة والإفساد، في عالم يموج بوسائل الميوعة وانحلال الأخلاق، التي انسلت إلى بيوتنا من كل حدب وصوب، ممتطية أثير الفضائيات، وشاشات الهواتف…، إن قوامة الرجل على المرأة لا تتحقق كما أرادها الإسلام إلا إذا كان الزوج رجلا ناجحا في قيادته لبيته وأسرته، والزوج المسلم لا يكون رجلا بغلظته وفظاظته وقسوته وعنفه وبطشه وسلاطة لسانه، فهذه رجولة الجاهلية، والرجولة في الإسلام شيء آخر غير هذا كله.
الرجولة في الإسلام شخصية قوية جذابة محببة، وخلق عالٍ، نبيل، وتسامح ومداراة وعفو عن الهفوات الصغيرة، ووقوف حادّ حازم عند حدود الله، وتطبيق لأحكامه على أفراد الأسرة جميعا، وقيادة بارعة لبقة نحو الخير، وبذل وسخاء في غير إسراف ولا تبذير، ونباهة ووعي وشعور بالمسؤولية في الدنيا والآخرة، وإدراك للحالة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها الزوج المسلم الراشد.

الحافظية:

من الحفظ، ابن سيده: الحفظ نقيض النسيان وهو التعاهد وقلة الغفلة.8

لتلمس بعض ملامح حافظية المرأة نسترشد بالحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك” 9

وإن أهم وأخطر ما تحفظه المرأة الزوج في غياب زوجها، هو حفظ النسب، وهو ما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم “حفظتك في نفسها”، ويقرر أولوية حفظ الأنساب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا” 10

“فأنفس ما تحفظه نساء الأمة أنساب الأمة، لأن لفيفا من اللقطاء لا يسمى أمة، إذ لا جامع بين مخلوقات فيه منفصمة الروابط. لهذا استحق اللعنة وحرمت عليه الجنة من استهان بحرمة النسب، فطعن بذلك في ولاء القرابة، وتلصص على بر القرابة وزور صلات الأرحام، كلها روابط مقدسة، الحفاظ عليها، والعفة وحفظ الفروج، والتحصن من فاحشة الزنا، واجب مقدس في مقدمة واجبات الحافظية” 11
وعلى المسلمة أيضا أن تحفظ زوجها في ماله بالتدبير والاقتصاد، فلا ينبغي لها أن تسرف في مال زوجها إسرافا يثقل كاهله، فيؤدي إلى تنغيص حياة الرجل، مما ينذر بتفكك البيت وغياب المودة والسكينة.
يتوسع مفهوم الحافظية، فيكون أشمل من أن نقصره في حقوق الزوج ورعاية شؤون البيت، حافظيتها إذا لا تقصر على حفظ حقوق الزوج بل تشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج. “حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه”12.
فإذا تحققت شروط الحافظية في نساء المسلمين كن من الصالحات القانتات، ونلن بذلك رضا الله وثوابه.
“من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”.[ النحل: 9] إن العلاقة بين القوامة والحافظية هي علاقة تكامل وانسجام، ومحبة وتواد ومساكنة، وليست علاقة سلطة وسيادة إحداهما على الأخرى، انطلاقا من فهم التفضيل الوارد في الآية الكريمة تفضيلا من جانب واحد: تفضيل الرجال على النساء، القوامة والحافظية مطلبان شرعيان، لنبذ فكرة الصراع والندية في علاقة الرجل والمرأة، كما يتصوره كثير من أبناء جلدتنا.


الهوامش

1) تاج اللغة وصحاح العربية (الصحاح)، إسماعيل بن حماد الجواهري، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت ـ لبنان، ط: 4، 1990، 5/2018.
2) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، ط: 4، 2004م، ص: 768.
3) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس، 1997م، 5/38.
4) حديث (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، أخرجه البخاري، كتاب العتق، باب (العبد راع في مال سيده)، رقم: 2558.
5) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم، رقم: 995.
6) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، حققه محمود شاكر، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط2
7) تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 1996، 2/197.
8) لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور، دار المعارف، القاهرة ـ مصر، 2/929.
9) سنن أبي داوود، سليمان بن الأشعث، ما أسند أبو هريرة، ما روي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، رقم الحديث 2444.
10) أخرجه الشيخان عن الإمام علي كرم الله وجهه
11) تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، 2/91.
12) المصدر نفسه، 2/90.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.