منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تِـمِـلِـمَا (قصة قصيرة)

تِـمِـلِـمَا (قصة قصيرة)/ لحسن شعيب

1

تِـمِـلِـمَا (قصة قصيرة)

بقلم: لحسن شعيب

يَصْرُخ الخطيبُ اليافعُ على المنبرِ كأنهُ منذرُ جيش، ويهوِي عليهِ بعصاه من حين لآخرَ، يوقظُ من سَوَّلَت له نفسُه أن يغفُوَ قليلا أثناء خطبته؛ وكان المصَلُّونَ يُحَدِّقون فيه وكَأَنَّ على رؤوسهم الطيرُ، لا يَفهمون شيئا في علمِ الكلامِ الذي كان يخوضُ في مباحثه على منبر الجمعةِ، ولا في اللغة العربية الفصيحةِ التي كان يَصِيحُ بها، حتى بعضُ مُعلمي مدرسةِ الدوار لم يكونوا يفقهون كثيرا مما يقول، ومع ذلك يقول عنه أهلُ الدوار بأنه عالمٌ نِحرير.

كان عدي أُونْبارك يجلسُ في الصفِّ الأولِ بعِمامته وجلبابه الأبيضين، يحرك رأسه بتناغمٍ مع الخطيب كأنه يفهم كل ما يقوله، غير أن كل تفكيره كان في “تِمِلِمَا”، التي ظَلَّتْ تَرِنُّ في أذنه وتدور في عقله منذ سمعها من الإِمام ذات ليلة رمضانية؛ كان سيسألُ عن معناها، لكنه خشي أن يسخر منه القومُ، وهو الذي يوحي للجميع أنه يفهم في كل شيء. أَصَرَّ الخطيبُ القادمُ من زاوية أحنصال إلى تلك القبيلة من قبائلِ أيت حديدو، بعد عزلِ الخطيبِ السابقِ بسببِ نسيانِه الدعاءَ للسلطان، على استعراض عضلاته الخطابيةِ في لغةِ الضاد وسط قوم أمازيغ، ورغم نُصحِ طالبِ علمٍ له أن يُكلمَ القوم بلسانهم، وفي مواضيعَ في الآدابِ والرقائقِ والأخلاقِ، فَإِنَّ تلك النصيحةَ لم تسلُك في أذنه أبداً، وهكذا انضافتْ فرقُ الباطنية والخوارج والجهمية ومفرداتٌ أخرى إلى أخواتٍ لها لا يفهمهنَّ عدي، غير أن تلك المفردات لم تكن تعني له شيئا؛ لم يكن يُهِمه أو يشغلُ بالَه غيرُ “تِمِلِمَا”، التي غَدَتْ لغزا وأُحْجِيَة.

حين بلغ عدي عِقدَه الخامس، كان يمتلكُ بيتا من ثلاثة طوابقَ، ومزرعةً كبيرةً وشاحنتين وعدداً من الدكاكين في السوق أكرى بعضاً منها للتجار؛ كما أصبح مرشَّحاً محلياً عن دائرته للمرة الخامسة، وبلونٍ حزبي جديد؛ كان فلاحاً وتاجراً وسياسياً ناجحاً، لكنَّ حسرتَه على حَظِّه العاثر في التعليمِ كانت كبيرةً، إذ لم يحصل على شهادة الدروس الابتدائية. استطاع أن يَبُزَّ أقرانه في كل شيء إلا في مقاعدِ الدرس، وكان يُحس بأن شيئا ما ينقصُه، غير أنه حين يدفعُ أجرةَ مهندسٍ زراعيٍّ ومحاسِبَةٍ يعملان في مزرعته، يقتنع أنه نجحَ في حياته، ولم يخسر شيئا ذا بالٍ. صحيحٌ أنه وِفْقاً للقانون الجديد لن يستطيع أن يترشح لانتخابات البرلمان، لكنه كان يقول بأن “كل مشكلةٍ في هذه البلاد يستطيع المال حَلَّهَا”.

ورِثَ عدي من أبيه قِسطاً محترما من المال، وبعضَ الأراضي، وضَمَّ إلى نصيبِه نصيبَ أخواته، اللواتي اقتنعن بأن استفادتهن من حقهن من الإرث يُوِرُثُهُنَّ الذل والهوان إلى يوم القيامة، هكذا سَمِعْنَ من جدَّتِهِن وخالاتهن. الذين يعرفون عدي يعرفون أن مالَه لم يكن كلُّه حلالا طيبا، كما يعرفون أنه حين يكونُ في الحقول يُغَيِّرُ مكان العلامات المُبَيِّنة للحدود بين الحقول، وهي حجاراتٌ يسمونها “تِيكْتى”، ويُسَمُّونَ الواحدةَ منها “تاكتوت”، وتكون بارزةً على الأرض كشاهدِ قبر، مع امتدادٍ عميق لحِجاراتٍ أخرى أسفلَ منها؛ يقتطعُ جزءا من حقلِ جاره ويضمُّه إلى حقله، وإذا اشتكى أحدُهم يجدُ طريقةً ما لإسكاته، ويكونُ المالُ سبيلا لذلك في أغلب الأحيان.

ومع كل ذلك، كان ينفقُ في أعمال الخيرِ الكثيرة في دواره، يشتري أضاحيَ العيد لبعض المحتاجين، ويُكرِم إمام المسجدِ وطلبةَ القرآن، ولم يقصده أحدٌ في شيءٍ إلا أعطاه جليلا كان العطاءُ أو يسيرا؛ قال إمام الدوار السابق بأنه يَظُنُّهُ من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه. وحين تقتربُ الانتخاباتُ، كانت ولائمُه حديثَ الخاص والعام، لذلك لم يستطعْ أحدٌ من أهل دواره أن ينافسه ولا أن يهزمه، حتى إن أستاذا للعلوم السياسية نافسه ذات مرة وانهزم، حينها قال عدي لبعض المقربين منه: “إن  الدكتوراه بلا مالٍ لا تنفع في أمر كهذا وفي بلاد كهذه”، يقصدُ الانتخابات في تلك القرية الجنوبية من قبائل أيت حديدو.

كان عدي رجلا فارعَ الطولِ، مستديرَ الوجهِ، براق الثنايا، قويَّ البنية، ذا شاربٍ كثٍّ وذقن خشنٍ بسببِ كثرة الحلاقة، وعينين واسعتين سوداوين، وجبهةٍ عريضة، وأنفٍ معقوفٍ كمنقار نسرٍ، به خالٌ أسودُ صغيرٌ، كما أنه تاجر وفلاح ناجحٌ. وكان يغيرُ لونه الحزبيَّ وزوجاتِه كما يغير البالي من أحذيته وثيابه، ويقول: “أنا ما كَا نْربِّي كبدة على حزب ولا على امرأة”، والحزب الذي لا يضمن له الفوز في الانتخابات لا يصلُح عنده لشيء، لذا جرَّبَ رموزَ وألوانَ الكثير من الحشرات والطيور والحيوانات، وكان يفوز دائما.

– قل لي يا حسن، ما معنى “تِملِمَا”؟

– لم أسمع بهذه الكلمة بابا، هاتِها في جملةٍ مفيدة…

لا يعرف عدي ما الكلمةُ وما الجملةُ وما السياقُ، لكنه اقتنع أن المال الذي دفعه مقابل تعليم ابنه حسن في مؤسسةٍ خصوصيةٍ في مراكش ذهب أدراج الرياح، فها هو لم يستطع فك شفرة كلمة شوشت عليه طويلا، وطردت النوم عن أجفانه في كثير من الليالي، ولم يكن ليتواضعَ ويسأل عنها، خوفا على ذهاب هيبته بين الناس، خاصة أن الكلمةَ بدت له مألوفةً، ومما ينبغي أن يعلَمه بالضرورة.

عاد ابراهيم الراشدي إلى قريتهِ بعد غيابٍ طويلٍ، عاد ومعه دكتوراه في الأدب الإنجليزي، كانتْ بين والدِه وعدي أونبارك عداوةٌ لا تخفى، وكان سببُها نزاعاً حول قطعةِ أرضٍ لوالده ضَمَّهَا عدي إلى أملاكه، بعد أن ربِح القضيةَ في جميع درجات التقاضي. وكان ابراهيمُ صديقَ طفولةِ حسن ابنِ عدي، لكن شِجارَ الأبوين أثَّر على تلك الصداقة، ثم إن دروبَ الحياة قد فرقت بينه وبين حسن. نسي ابراهيمُ أمر ذلك النزاع، واعتكف على ما نَذَرَ نفسه من أجله، لكن عدي لم ينس شيئا، ثم إن نجاحَ ابراهيم وفشل ولدِه رغم ما أنفق في تعليمه من أموال، أفقدهُ الصوابَ، وكان يتحيَّن أي فرصةٍ ليُذَكِّر ابراهيم بحجمه وحجمِ أبيه.

وفي مناسبةِ زفافٍ لابنِ أحدِ أكابِرِ القبيلة، كانت خيمةُ الحفل مكتظةً بالمدعوين، وحضرَ الوجهاءُ والأعيانُ، وشَنَّفَ أحدُ القراءِ أسماعَ الحاضرين بما تلا من آياتِ القرآنِ الكريم، كما صدحت الحناجرُ بالأمداحِ النبوية؛ ولأعراسِ عِليةِ القومِ على كل حالٍ برنامجٌ بالنهارِ يخالفُ برنامجَ الليلِ. يعلمُ عدي أونبارك أن تخَصُّص ابراهيم بعيدٌ عن اللغة العربية، لذلك رأى أن الفرصة سانحة له للنيل من ابن غريمه، قال في نفسه: “سأهزم ذلك المغرورَ أمام الناس أولاً، ثم سأحصلُ على جواب اللغزِ الذي حيرني طويلا ثانيا، دون أن أبدوَ في موقعِ السائلِ، فلا بدَّ أن الإمام أو أحدا مِمَّن معه يعرف الجواب. سأُبرهن لأهل الدوار أن ابراهيم ليس دكتورا ولا هم يحزنون، وأضربُ عصفورين بحجر واحد”.

– قل لي يا ابراهيم، أريد أن أسألك سؤالا..

– مرحبا عمي عدي، تفضل..

– ما معنى “تِمِلِمَا”؟

– لا تبدو هذه الكلمةُ عربيةً، كنتُ سأسألك أين قرأتَها، لكني أعرف أنك لا تقرأُ، لذلك قل لي أين سمعتها؟

-… تملما سبقَ ناصر…

– تقصدُ أن ناصرا تسابق مع تِملِما، وهي سبقتْه، يبدو اسمَ علمٍ مؤنث أعجمي، يشبه “تِمِيلاَّ”، وهي اليمامة بلغة العرب، أو الدُّوڤ بلغة الإنجليز، لكن قل لي مِمَّنْ سمعتها؟

– في دعاء الإمام حيث يقول: اللهم صل على سيدنا محمد الفا تِحِلِمَا أُغلق، والخا تِمِلِمَا سبق ناصر…

– آه.. لقد فهمتُ قصدَك الآن، تريد القولَ: “الفاتحِ لما أُغلقَ والخاتمِ لما سبقَ”؛ وهل فهمتَ “تِحِلِمَا” وبَقِيتْ “تِمِلِمَا” مشْكِلة عليك؟

– هل هذا هروب من الجواب؛ قل لي هل تعرف معنى “تملما” أم لا؟

– إن لم أكن أعرفُها فهذا ليس عيباً سي عدي، فَفَوقَ كل ذي علم عليم، لكنِّي أظنني أعرفها، وسأخبرك بمعناها..

كان جميع المدعوين، بما فيهم العريسُ يتابعون هذا السجالَ المفاجئَ والغريبَ بين عدي أونبارك وابراهيم، وعَمَّ خيمةَ الاحتفالِ صمتٌ رهيبٌ، لا يقطعه إلا كلام الرجلين.

– هيا إذَنْ أخبرنا ماذا تعني؟ صاحَ عدي أونبارك وقد نفدَ صبرُه

– كنتُ أظنُّكَ بارعاً في قطعِ الأرزاق والأراضي، تقطعُ من هذا وذاك وتَضُمُّ إليك، لكني أدركتُ الآن أنك تقطعُ من الكلمات أيضا وتَضُمُّ إلى أخرى، الكلماتُ لم تسْلم هي الأخرى منكَ ومنْ جَوْرِك. حضرةَ المرشح المحترم، “تِمِلِمَا” هي دابَّةٌ تدبُّ على رجلين، تسمعُ الصلاةَ على رسول الله، لكن لا تفهمها.. اللهم صَلِّ على سيدِنا محمدٍ الفاتحِ لما أُغلِقَ، والخاتِم لما سبقَ، ناصرِ الحقِّ بالحقِّ، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آلِه حقَّ قدره ومقدارِه العظيم، والحمد لله رب العالمين.

تعليق 1
  1. محمد+فاضيلي يقول

    إبداع رائع وفكرة ذكية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.