منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللائيكية في فكر مالك بن نبي

 ذ. عبد القادر بنقدور / اللائيكية في فكر مالك بن نبي

0

اللائيكية في فكر مالك بن نبي

 ذ. عبد القادر بنقدور

أولا: مفهوم اللائيكية

يرى مالك بن نبي أن العلمانية اللائيكية تعني فصل الدين عن الدولة، وفصل المجتمع عن القيم الأخلاقية. وهذا يتعارض مع القيم السياسية الإسلامية التي تنص على أن الإسلام دين ودولة معا.

المزيد من المشاركات
1 من 59

كما يعتقد مالك بن نبي أن العلمانية اللائيكية تعني كذلك الفصل بين الديني والسياسي من جهة، والفصل بين الدنيا والآخرة من جهة ثانية.  وبناء على ذلك فإن العلمانية اللائيكية تتعارض مع الحتمية التاريخية للدولة الإسلامية التي تجسدت في دولة النبوة والخلافة الراشدة.

إن العلمانية اللائيكية في تصور وفكر مالك بن نبي تغرس في النفس الإنسانية دوافع العبودية والنزعة إلى الاستعباد، وتجعل الإنسان تحت ثقل ديكتاتورية طبقية  تتجاذبه تكتلات الاستكبار والمصالح الخاصة.

لقد نشأت العلمانية اللائيكية في أوربا نتيجة صراع الطبقة البورجوازية مع رجال الدين والكنيسة. ونتيجة صراع العقل الفلسفي مع الملكية الثيوقراطية.

وقد اضطهدت الكنيسة كل فكر حر، وقامت بتعذيب وسجن الفلاسفة منهم: جاليلي وديكارت وبرونو وغيرهم.

وبعد انتصار البورجوازية قامت بفصل الدين عن الدولة، وفرضت الهدنة في أوربا بين الحكومات والكنيسة.

كانت اللائيكية في أوربا ثورة شعوب على المستبدين، أما في العالم الإسلامي فإن المستبد هو من فرض اللائيكية على الشعوب المسلمة ليعزلها عن حريتها وكرامتها وعزتها ومجدها ونهضتها. وبذلك ساهم الاستعمار وعملائه في فرض اللائكية وتغريب وفرنسة النخب ومسخ الهوية وضرب المجانية في قطاعي التعليم والصحة.

يقول عبد السلام ياسين في تعريف اللائيكية : ” اللاييكية إجمالا هي فصل الدين عن الدولة، يعني آخر المطاف الحكم بما تهواه النفوس البشرية وتتوحد بالإجماع أو بنصفه وثلثه وأقله عليه. واللاييكية لصيقة الديمقراطية وضجيعتها ووجهها وقفاها ولازمتها. ويطلق أحد الباحثين الفرنسيين الخبراء في شؤون الحركة الإسلامية اسما بديعا على لاييكية أصحابنا المثقفين العرب يسميها: القديسة لاييكية، إشارة منه إلى تمسك أصحابها بمذهب اللادينية في الحكم كما يتمسك النصارى بأصنامهم”.[1]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ظلت العلمانية اللائيكية في العالم الإسلامي مسارا قهريا لا خيارا ديمقرراطيا، ولذلك فلا مستقبل للائيكية في البلاد الإسلامية، لأنها تتعارض مع المرجعية الإسلامية من جهة، وتفقد الشرعية الجماهيرية من جهة أخرى.

يقول عبد السلام ياسين:” اللائيكية عزل الدين عن الحكم، وفصله عن الدولة، وتهميش الشرع ليتولى القانون الوضعي وحده السيادة في المحاكم ودواوين الحكومة  وتفاصيل العقود ومجمل الدستور ليكون القانون الوضعي سيدا مطلقا في حياة المسلمين العامة، وليزوى الشرع في حياتهم الخاصة إن شاءوا “.[2]

إن أي نظام علماني لائيكي  في العالم الإسلامي قد ثبت فشله لأن الدولة العلمانية اللائيكية مستحيلة التطبيق في البلاد الإسلامية. ولعل فشل التجربة الأتاتوركية والتجربة البورقيبية خير دليل على ذلك.

 

ثانيا: نقد مالك بن نبي للائيكية :

يقول مالك بن نبي: إن الديمقراطية العلمانية أو اللائكية،[3] فإنها تمنح الإنسان أولا الحقوق والضمانات الاجتماعية، ولكنها تتركه عرضة لأمرين: فهو إما أن يكون ضحية مؤامرات لمنافع معينة، ولتكتلات مصالح خاصة ضخمة، وإما لأن يجعل الآخرين تحت ثقل ديكتاتورية طبقية، لأنها لم تصف في نفسه دوافع العبودية والاستعباد،، لأن كل تغيير حقيقي في المجتمع لا يتصور دون تغيير ملائم في النفوس. طبقا للقانون الأعلى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ [4]

إن اللائيكة في نظر مالك بن نبي هي ضحية مؤامرات لمنافع معينة، وتحقيق مصالح خاصة لتكتلات ضخمة، وهي تكرس لديكتاتورية طبقية، وترمي بالإنسان في وحل العبودية والاستعباد.

ويعتبر مالك بن نبي أن الديمقراطية اللائيكية في أثينا لم تعط أي أهمية لقضية الرقيق إلا من الوجهة الانتفاعية. يقول مالك بن نبي: ” إننا نعلم، أن ديمقراطية أثينا لم تعط أي أهمية لهذه القضية: قضية الرقيق، إلا من الوجهة الانتفاعية حيث كان الرقيق من مقومات النظام الاقتصادي، حتى إن أحدا لم يفكر في إطار هذا النظام في وضع مبدأ لتحرير الرقيق فيكتمل بذلك تقويم الإنسان فيه. بينما يأتي الإسلام فيقرر هذا المبدأ بكل وضوح، فيشمل بذلك تقويمه الإنسان الذي وقع في قيد الرق، بمقدمات أو أصول فقهية نجدها في القرآن وفي السنة “.[5]

فالديمقراطية اللائكية الناشئة في سوق أثينا جعلت قضية الرقيق من مقومات النظام الاقتصادي، وفي ذلك وأد لحرية الإنسان وكرامته الآدمية.

إن أي ثورة لا تستهدف تغيير سلوك الإنسان فهي معرضة للفشل، وسرعان ما تنحرف عن أهدافها إذا أسلمت الأمور للغموض والضباب والأفكار الدخيلة، وسرعان ما يتحول التغيير الجذري الضروري إلى شبه تغيير.

يقول مالك بن نبي:

” وينبغي على الثورة لتفادي الإبهام، أن ترسم خطا واضحا حول موضوع التغيير حتى لا يبقى مجال للخلط. أما إذا أسلمت الأمور إلى الغموض والضباب، فإن أي انحراف سيكون متوقعا، وسوف تظل الثورة معرضة لأن تترك مكانها – دون أن تعلم – لشبه ثورة، تستبدل الكيف الكم، وبالتغيير الجذري الضروري شبه التغيير… والتغييرات الثورية تصبح حلما من الأحلام إذا لم تقم على هذا الشرط، فتحويل سلطة سياسية من أيدي إلى أخرى، وإعادة تنظيم الإدارة وأجهزة العدالة، وتغيير العملة، وتعديل النظام الاقتصادي، هذه كلها أمور تدخل بطبيعة الحال في نطاق الظاهرة الثورية “.[6]

إن الظاهرة الثورة تقتضي تغيير الإنسان، والإجماع على مشروع وطني نابع من إرادة الشعب وهويته الحضارية، أما الأفكار الميتة والمميتة ( كالقومية واللائيكية والماركسية والاشتراكية…)

لقد كانت اللائيكية وما تزال في العالم الإسلامي عدوة فطرة الإنسان والدين والمسجد والأخلاق، فهي في الغالب ما تأتي على دبابة الانقلاب، واللائيكية لا تتقن سوى المكر والالتفاف والخداع والتآمر على إرادة الشعوب التواقة للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

 

لائحة المصادر و المراجع :

  • القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
  • البخاري محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري المسمى بالجامع الصحيح، الطبعة الثالثة، دار بن كثير اليمامة بيروت، 1987م
  • أبي الحسين مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
  • بن نبي مالك، وجهة العالم الإسلامي دار الفكر دمشق، ط 1 ، 2002 م
  • بن نبي مالك، وجهة العالم الإسلامي: المسألة اليهودية الجزء الثاني، دار الفكر دمشق، ط 1، 2012 م
  • بن نبي مالك ، من أجل التغيير  دار الفكر دمشق، ط 1 ، 2005 م
  • بن نبي مالك ، بين الرشاد والتيه دار الفكر دمشق، ط 1 ، 2002 م
  • بن نبي مالك ، شروط النهضة دار الفكر  دمشق، 1986 م
  • بن نبي مالك ، ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية دار الفكر دمشق، 1981 م
  • بن نبي مالك ، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي دار الفكر دمشق، ط1، 2002 م
  • بن نبي مالك، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين دار الفكر دمشق، ط 1، 1991 م
  • بن نبي مالك، مذكرات شاهد للقرن، ط 2 ، دار الفكر دمشق، 1984 م
  • بن نبي مالك ، مشكلة الثقافة  دار الفكر دمشق، ط 4 ، 2000 م
  • بن نبي مالك ، القضايا الكبرى  دار الفكر دمشق، ط 1 ، 2002 م
  • بن نبي مالك ، المسلم في عالم الاقتصاد دار الفكر دمشق، ط 3 ، 2000 م
  • بن نبي مالك، فكرة الإفريقية الآسيوية دار الفكر دمشق، ط 3 ، 2001 م
  • بن نبي مالك، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار الفكر دمشق، 1981 م
  • بن نبي مالك، في مهب المعركة دار الفكر دمشق، ط 3 ، 2002 م
  • بن نبي مالك، فكرة كمنويلث إسلامي، ط 1، دار الفكر دمشق، 2000 م
  • بن نبي مالك، تأملات ، ط 1 ، دار الفكر دمشق، 2002 م
  • عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم ، ط 1، 2000 م
  • عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط 1 ، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، 1994 م
  • سليمان الخطيب، فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1 ، 1993 م
  • محمد عاطف، معوقات النهضة ومقوماتها في فكر مالك بن نبي، ط 1 ، دار قرطبة 2009 م
  • عبادة عبد اللطيف، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي، دار الشهاب الجزائر، ط 1، 1984 م
  • برغوت عبد العزيز، مدخل التجديد الحضاري وآفاقه العالمية: دراسة في فكر مالك بن نبي، ط1، دار التجديد للطباعة والنشر والترجمة ماليزيا.
  • برغوث الطيب، محورية البعد الثقافي في استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ط1، دار الراية للتنمية الفكرية دمشق سوريا.

 

 عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط 1 ، 1994م، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص:19[1]

 عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، ط 1، 2000م ، ص: 553[2]

[3]  مالك بن نبي، القضايا الكبرى، مصدر سابق، ص: 148

 سورة الرعد الآية: 11[4]

 مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص: 150[5]

 مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه، ص: 50 – 51[6]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.