منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“لالة كنزة” (قصة قصيرة)

"لالة كنزة" (قصة قصيرة) / ذ. صفاء الطريبق

0

“لالة كنزة” (قصة قصيرة)

ذ. صفاء الطريبق

ولأنهم كنوز فلابد أن ألتقيهم عند نبع ماء.. لتكون السقيا مفتاح اللقاء وسر الفراق وصوتا رقراقا يخلد في الروح.. أليست الروح كالماء.. كلما صفت..رأت..روت..!؟
.. إلتقيت “لالة كنزة” في طريق أحب أن أسلكها.. لأجدها تملأ قنينات الماء من ساقية قرب منزلها.. فكان الحديث وكانت صحبة ساعة..
.. هل أنت وحدك هاهنا.. وأين بنوك؟..
.. تجيبني من خلف باب حديدي بعده باب خشبي.. مفتوح على ستارة تخفي معالم الدخول الا من شيء يسير..
.. إنهم في بلاد الغربة.. لم يعودوا بعد..كأنها تستبعد عودتهم.. تسرح بخيالها هناك.. وتبدوا على قسمات وجهها صلابة تخفي ضعفا كبيرا ورحمة..هكذا تعلمت أن أقرأ العيون المتكتمة.. أظنني اكتفيت منها بهذه الجلسة القصيرة..
قبل مغادرتي..دخَلَت البيت بسرعة وخفة باحثة عن شيئا ما.. ناولتني حلوى ..لوهلة شعرت أني عدت إلى حينا القديم.. ورأيت كيف كانت الجارات تتلطفن بنا ونحن صغار.. كان الحي في نظري كله بيتنا.. كأنه كان كذلك..تلك النفوس معادن من ذهب.. يعطون من القليل.. فإذا هو في الميزان كثير..
.. بين الفينة والأخرى أمر من تلك الدروب أرمق بيت “لالة كنزة” .. لأجد نسوة الحي يجلسن فوق سور قصير قدام بيتها وهي كعادتها من خلف الباب الحديدي تتجاذب واياهم اطراف الحديث..
أنظر إليهن.. أغبطهن في بساطة بسطهن للمعروف.. في بذلهن العفوي..يشعرن من امامهن بحلاوة المعاملة ولطافة المذاكرة..ومجددا إنهن باسقات كالنخل.. هكذا أراهن أطول من محاولاتي اللحاق بهن..
.. “لالة كنزة” كما الرجل الذي كنت ألتقيه عند سبيل الماء.. يذكرانني ببركة العطاء.. وقرب الرحيل ودنو اللقاء..
..الحي.. حي.. والكنوز في مخبئها.. فمن يمر عليها لينفض غبار التناسي..
لازالت هناك.. منحنية تجيد العمل بإتقان وتؤدة.. تغسل القنينات بعناية حتى إذا ارتعشت اليد أخفت ارتباكها بنباهة وتداركت الجارات حيرتها ليلملمن المشهد في ستر ولطف.. مزاح يكسر صمتها الطويل.. لتتفتق عن وجنتيها ابتسامة تبدد التجاعيد تدفعها الى الزواية القصية..وهاهي قد استعادت لبرهة عيني فتاة جميلة بريئة تحب الحياة.. تحب الجمال..
.. لربما كان اللقاء قصيرا مجتزئا من الزمن عبقا طريا.. يتحول رويدا إلى حفرة غائرة فبئرا في النفس تأوي إليه كلما اشتاقت لرؤية “الكنز”..تقليبه..شمه.. ولعلها تطل عليه بين الفينة والأخرى لتجده امتلأ ماء حياة وانغمر البئر فصار ساقية.. يفيض ويعطي..لتتجدد القصة..
.. “لالة كنزة”.. حكاية جدة على مشارف البحر تطل على أبناء في الشط المقابل.. لعلها تعبت من الانتظار.. ثم تحالفت معه.. فصارا أنيسين..تتمثل قول قيس بن الملوح: ” وقد يجمع الله الشتيتين بعدما.. يظنان كل الظن ألا تلاقيا”..
.. تركتها هناك وما تركتها إلا لأني أعلم جيدا أن الوحدة ليست أمرا سيئا.. بعضها جيد.. وكثيرها محرق مقلق..
وجود الطيبين يعلم اليقين..يرسخه..فهل أحظى بكنز آخر.. لربما.. لست أعلم متى وأين وهذا أجمل اختيار.. ألا يكون للمرء اختيار الا ما اختاره القدير سبحانه..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.