منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لَالَّة عْبُوشْ…(قصة قصيرة)

عبد الفتاح بلخوار

2

ذكريات الطفولة لا تنمحي مهما حاولت نسيانها، تستحضرها كلها، أو بعضها، مع كل موقف تتعرض له، جميلة هي تلك الذكريات،  بانية لشخصيتك مساهمة في تكوينها، مهما كانت حزينة أو مفرحة، تبنيك موقفا موقفا.

من المواقف التي لا أنساها أبدا ما حييت، وكلما غابت عني بعض تفاصيلها، أحكيها لكي تبقى حية حاضرة في خاطري، أستدعيها كلما احتجت التذكير.

أصبت وأنا صغير بمرض، لم يستطع الأطباء الذين زرتهم معرفته، رغم أني علمت بعد ذلك، أن أعراضه معلومة لدى صغار الأطباء، بل حتى طلبة الطب في أولى سنوات دراستهم يستطيعون تشخيصه، وتساءلت كثيرا كيف أن أطبائي لم يتعرفوا عليه، غريب هذا الأمر!!

مغص شديد يمزق أحشائي، يحيل ليلي نهارا، حرمت بسببه النوم أياما، إلا ما كنت أسرقه منه، كلما هدأ، أمي بجانبي تتألم أكثر مما أتألم، تواسيني وتداعبني لتنسينيه، غير أني رأيتها مرات عديدة تبكي خفية كي لا أرى دموعها، دموع غاليات، لو استطعت أن أمنعها؟؟ أبذل روحي لأجل ذلك، أسترخصها فداء لعيون أمي ودموعها.

كنت أتلوى من شدة الألم، الذي لا يخففه إلا نطحي لحيطان المنزل، وكأني خروف العيد أحس بقرب أجله، لم أكن أستطيع المشي مستقيما، فكانت انحناءتي تضغط على بطني فيخف بعض الشيء، استعملت أدوية كثيرة، لتخفف عني ما أحس به، واستعملت أمي أدويتها الخاصة التي كانت وما تزال ماهرة في إعدادها ، من الأعشاب الطبية وبعض النباتات الأخرى، غير أن الألم في ازدياد، وأمي المسكينة أشد ألما مني،  أحس ذلك في حركاتها في بكائها في شكواها لصويحباتها التي لا تنتهي.

المزيد من المشاركات
1 من 43

ذات يوم أعلمتها صديقتها “لالة نجمة” بوجود طبيب حاذق، وأنه من أقربائها، ألحت عليها بأخذي إليه، لم يكن الطبيب بعيدا كثيرا عن حينا، دخلنا عيادته الصغيرة بحي الرميلة – من الأحياء العتيقة بمراكش، في هذا الحي بالذات كان المختار السوسي رحمه الله يعلم الأطفال القرآن الكريم، وعلوم العربية والعلوم الشرعية، في زاويته المشهورة – لست أتذكر كثيرا ملامح هذا الطبيب، غير أن ما أتذكره ولا أستطيع نسيانه، تلك الابتسامة الرائعة التي قابلنا بها، وذاك الاستقبال الرائع والإنساني الذي بدد به مخاوف الوالدة، وخفف عني الألم، ما زلت أتذكر اسمه، رغم مرور زمن طويل على الحدث وأذكره هنا اعترافا بجميله، هو الدكتور لحسن غْظيفة جزاه الله عني كل خير، ما إن مددني على السرير، وبخبرته الكبيرة، وضع يده على موضع الألم، دقائق معدودة في غرفة الفحص كانت كافية لمعرفة سببه، جلس على مكتبه استخرج ورقة وأخذ يكتب، وضع المكتوب في غلاف بريدي، أغلقه ثم أعطاه لأمي التي لم تفهم شيئا، تسأل فقط: مَالْ وْلْدي، باشْ مْريضْ، جَاوْبْني عافاك.

إنها الزائدة الدودية، يجب استئصالها فورا وإلا ستنفجر في جسمه، هكذا قال الطبيب ثم قال: خذي هذه الرسالة إلى المستشفى حالا، لقد تأخرتم كثيرا، سيري عْتْقِي الدَّرِّي…

مسكينة أمي، قوية أمي، كتلة من الحنان أمي، لا أستطيع نسيان هذا المشهد، أنا وإن كنت صغيرا فإن طولي يفوق الوالدة، خرجنا من العيادة متوجهين نحو المستشفى، الذي يوجد في أقصى المدينة بحي جليز، يسميه المراكشيون إلى الآن بسيفيل أي المدني، ليفرقونه عن المستشفى العسكري، هو بعيد جدا ولا مال عند أمي لنستأجر سيارة، ولا أستطيع أن أذهب ماشيا لأن الألم لا يفارقني أبدا، والاستعجال في الذهاب أمر حتمي بأمر من الطبيب، لم أتوقع ما فعلته أمي، ودون تردد، انتشلتني من الأرض انتشالا، لم أستوعب ما حدث،  وجدتني أعتلي ظهرها، وكأني طفل رضيع لم يتعلم المشي بعد.

لله ما أقساه من مشهد، كيف أشكر لالة عبوش، هكذا أناديها تحب أمي ذلك، تفرح به وتجيبني آ ولد عبوش، كم أكون سعيدا لسعادة أمي، اللهم أسعدها في الدارين، وأسعدني بها يا رحيم.

لا تستطيع كل كلمات الشكر والامتنان أن تؤدي بعض حقها، ولو جزءا يسيرا من حقها.

حملتني المسكينة العظيمة على ظهرها، ودموع عينيها لم تنقطع منذ خرجنا من العيادة وحتى وصولنا المستشفى، صديقتها رحمها الله شاركتنا هذا الحدث، تواسي أمي وتصبرها وتبشرها، أما أنا فقد كنت غارقا في خجلي، خصوصا وأن بعض نظرات الاستغراب تلاحقني كل الطريق، لم تسترح أمي كل هذه المسافة، كنت في بعض الأحيان أطلب منها أن تنزلني لأني أستطيع المشي، ترفض أمي ذلك، وتحث المسير، تسابق الزمن لتوصلني إلى المستشفى، لتنقذني من مستقبل مجهول لو أننا تأخرنا.

وصلنا إلى المستشفى وبعيون دامعات مدت الرسالة إلى المسؤول هناك، كان الطبيب المُناوِب خَيِّراً هو أيضا، أمر بإنزالي فورا إلى غرفة العمليات، تمت العملية والحمد لله بنجاح، غير أن ما يثلج الصدر بعد كل هذا العناء، فرحة أمي بنجاح العملية، وزيارة طبيبي الدكتور “لحسن” لي ثلاث مرات بعد العملية، متابعا لحالتي وهو غير ملزم بذلك، ولكن إحسانا منه وأدبا رفيعا.

استقبلني كثير من معارفنا أمام المستشفى بعد خروجي منها، ولست أنسى دمعة أبي وهو يحضنني، لم أر دموعه قبل ذلك اليوم ولا بعده، كان رجلا صلبا، طيب القلب قليل الكلام حلوه، مقيم الصلاة مُجِدًّا في عمله محبا له، رحم الله أبي رحمة واسعة، وبارك لي في والدتي وجزاها عني خير الجزاء آمين

2 تعليقات
  1. عبده يقول

    لالة عائشة الحب والعطاء بلا نهاية.
    لكم حصدت نكران جميل ممن أفنت عمرها خدمة لهم من الصغر إلى أن صاروا “كبارا”
    فجزاها الله خيرا وتقبل عملها أضعافا مضاعفة..

  2. سعاد يقول

    قصة جميلة جدا و تحمل الكثير من المعاني الممزوجة بالحب و الاشتياق رحم الله من ماتوا و جعل الله الخير و البركة في من بقي تحياتي لك سيد عبد الفتاح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.