منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حق الأرض الذي لا يسقط، وواجب الإنسان

حليمة الهادي

1

 

القضية الفلسطينية قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وقضية حق أي حق أناس تتعرض لصنوف الأذى بشكل يومي من تهويد واستيطان وتدمير للبيوت والمنازل وتهجير واعتقالات ومصادرة الأراضي التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي، فهي إذن قضية كل شخص له مبادئ لمناهضة الظلم والقتل والعدوان بغض النظر عن جنسه أو لونه أو معتقده.

1- مرابطة المقدسي ودفع إيذاء الإنسان:

أضحت الساحة العربية اليوم محل تطبيع ظاهر مع المحتل الإسرائيلي وغدا المطبع يأتي إرادة الإسرائيلي كأنها إرادته، لذا أصبح لازماَ علينا التصدي لهذا الفعل الشنيع ومواجهة المطبع والإرادة الإسرائيلية للحد من الأذى الذي يلحقه بالفلسطينيين. ولا يلزم من المرابط المقدسي أن يكون فلسطيني فهو إنسان مرابط خاصيته دفع الأذى عن الإنسان الفلسطيني أولاً أو عن الإنسان حيثما كان.

ولتلخيص العرب من فيروس التطبيع لابد للإنسان المقدسي والمثقف أن يتولى إحياء القيم الأصلية التي تنافي قيم التطبيع كالمصالح والمكاسب المادية وكذا ضرورة الرجوع للفطرة الإنسانية التي تنافي الخضوع لإرادة الإسرائيلي ودفع العبودية عن نفسه، ولا يتم هذا الامر إلا بالرجوع إلى الصفات الإلهية والتفكر فيها والاعتبار بها والتعلق بها، ومن المعلوم أن هذه الصفات الإلهية تدل عليها الأسماء الحسنى التي بدورها أساس القيم المبثوثة في الفطرة.

المزيد من المشاركات
1 من 17

فدعوة الأمة إلى التفكر في الصلة بين بيت المقدس وبين الإسلام هو إحياءً للرابط الوجداني في النفوس والذي عمل المحتل على نزعه من أبناء الأمة بكل الوسائل؛ وهذا الرابط الروحي أو الموروث هو الذي أسهم فيه كل الرسل والأنبياء بأقدار متفاوتة كالإسراء والمعراج…

فالمرابط عكس المطبع يبصّر الناس بالصبغة المقدسية التي هي جوهر الإسلام فبضياعها وذهابها ضياع الإسلام وذهابه (روح الإسلام التي لا إسلام بدونها هي “إسلام الوجه لله”، وأن ” إسلام الوجه لله” هو التعبير القرآني عن الصبغة المقدسية).

2- يعمل المرابط على تجديد روح المطبع على مستويين :

أولاً : تجديد صلته بالصفات الإلهية وذلك بالعودة إلى الفطرة مجدداً وفاءه بميثاق الإشهاد ومقتضاه أن الإنسان أقر بربوبية خالقه لما تجلت له الأسماء الحسنى وصفاته العليا يقول الله تعالى في محكم آياته﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾[سورة الأعراف: 172]، وهذا الإقرار عبارة عن ميثاق بين الخالق والمخلوق -الإنسان-أي إقرار عياني في عالم الغيب.

 وثانياً : تجديد صلته بالذات الإلهية، وذلك يتم إدراكه بالصبر على الصلاة مجدداً وفاءه بميثاق الأمانة؛ الذي تعهد الإنسان بموجبه الله سبحانه أن يعبده بكليته اختيارا لا اضطراراً، فالله سبحانه ابتلى في عالم الغيب جميع المخلوقات بحمل الأمانة فأبت هذه الكائنات إشفاقا منها فحملها الإنسان اختيارا يقول تعالى : ﴿ إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ ففي هذا الميثاق واثق الإنسان ربه بقبول الأمانة دون سائر المخلوقات وعليه ففي الحالة السجودية يحصل المرء قرباً إلى الله عز وجل ولذلك فبانتقاله للأعمال الدنيوية يجعل نفسه تحصل ما تحصله في السجود والشعور بمعية الرحمان وقهر الطواغيت؛ أظهرهم المحتل الإسرائيلي.

وختاماً نقول تحرير المجتمع المكره على التطبيع مع إسرائيل لا يكون إلا بالتخلق والتحلي بالصفات التي ذكرناها للتو، فمتى ما تحقق ذلك تقرر في النفوس وتحقق لديها تؤيد ربهم التي تقدرهم على التخلص من الحلول الإسرائيلي ومواجهة كل أشكال الحلول الأخرى التي تتربص بالإنسان العربي.

3- أية خيانة في المصالحة ووقف الاقتتال:

مقالات أخرى للكاتب

القدس في اعتقاد المسلمين والمقدسين ذات مكانة دينية وحضارية وتاريخية مرموقة، بيّن رسول الله ﷺ أهميتها دون سائر البلدان في آخر الزمان وحثهم على اتيانها والصلاة فيها كما مدح ﷺ  العزة والأنفة في أهل بيت المقدس؛ روى أبي أمامة الباهلي عن رسول الله قال﴿ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الّدِّينِ ظَاهِرينَ لِعَدُوَّهم قًاهرين لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَ ما أَصابَهُم مِنْ لأوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذلِك﴾ قالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ، قَالَ :﴿بِبَيْتِ المَقدِسِ وَأَكنَافِ بَيتِ الْمَقْدِسِ﴾[مسند الإمام احمد/ ج9،ص215].

في المصالحة مع الإسرائيليين خيانة للأمة العربية والهوية الإسلامية وهدم لما بناه الصحابة والخلفاء رضي الله عنهم لعمارة هذا المقام. منها المعارك المشهورة والفاصلة في الدفاع عن الإسلام وفلسطين فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح المدينة  وبيت المقدس وتبعه الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة أجنادين جنوب فلسطين، ومعارك صلاح الدين الأيوبي و سليمان القانوني و غيرها، ومما يعظم قدرها احتوائها 9تسعة قبور لصحابة رسول الله ﷺ و400 قبر للعلماء والأعيان ورجال الحكم وقادة عظام ، ناهيك على ان دعواهم دعاوى باطلة مبنية على أسس هاوية فزعمهم وجود الهيكل كذبا وافتراءاً وإعادة بنائه على أنقاض الحرم القدسي الشريف  هي قصة تم تحريفها عن طريق بعض الكتبة والأحبار ولذلك لا يتم قبولها بأي شكل من الأشكال والذي يدل على أن الاحتلال قائم وجوده على مصالح مادية واقتصادية و سياسية و خرفات وأفكار مختلفة لا أصل لها، ونحن نرى الآن الحفريات التي تقوم بها تحت المسجد الأقصى بحثاً عن انقاض الهيكل الوهمي تأكد ذلك؛ وإنشاء مدينة سياحية تحته، فأين ما زعموا !

ومع المصالحة والتطبيع هد للمقاومة الفلسطينية للاحتلال ورفضهم له وقبول لهذا الكيان الغاصب وسياساته، فالمقاومة أسلوب من أساليب دفاعهم عن حقهم في تقرير مصيرهم كما للشعوب الأخرى الحق في تقرير مصيرها، وأنه أسلوب حياة في الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم ومجمل حقوقهم ويستمد المقدسيين هذه الأساليب في عدالة القضية ويقينهم وقناعاتهم التامة أن الحق لابد وأن يسود يوماً والباطل وإن طال لابد وأن ينجلي.

إن العلاقة بين اليهود والعرب ذات طابع ديني لكننا ها هنا نميز طبعاً بين الإسرائيليين واليهود بحيث ليس كل يهودي يؤمن بوجود دولة إسرائيل وأحقيتها ليس من منطلق علمي أو موضوعي وإنما من منطلق ديني لما ورد في التوراة أي نزع الأسس اليهودية للتقاليد الدينية والذي يدل على تهافت الآراء ولذلك لقية هذا المشروع معارضة واسعة بين اليهود المتدينين وخاصة من مختلف التيارات الفكرية الاشتراكية اليهودية. ونظراً لاعتناق أغلبية العرب للديانة الإسلامية فإن علاقتهم مع اليهود والمسيحيين كانت وما تزال علاقة دينية ولذلك تخيل علاقة سلام وانسجام بين إسرائيل والعرب غير صحيح وغير مقبول مادام الصراع قائم وخاصة إذا ما استحضرنا المشاكل والانتهاكات الراهنة. ومع كل هذه الخطب التي تجهر بها أقلام الكتاب وذوي الضمائر الحية، تسارع بعض الحكومات وتسابق الريح سعياً إلى سلام بائس مع الكيان الغاصب لا يقيم لفلسطين دولة ولا يعيد لها أهلها المشردين في بقاع العالم ولا يعيد إلى أهلها أراضيهم ولا يرد إليها قدسها وعاصمتها، ومع هذا الغبن والتطبيع الفاحش والظلم المبين لا تصالح.

إن إسرائيل الطغمة الباغية تستكبر وتبغي في الأرض بغير الحق لأنها لم تجد من يردها ويقفها عن حدها سوى الشعوب المسلمة المستضعفة، فتتلقى دعما من بعض الحكومات العربية الخائنة وتعقد معها اتفاقيات سلام وفق منظورها هي ووفق مصلحتها هي، وتبعاً لاستراتيجيتها التوسعية، وأطماعها المادية الاقتصادية.

أنا أعي أن عدم المصالحة لا يتم إلا بتشكيل وعي تام حول هذه القضية المصيرية لذلك في المصالحة والتطبيع مع العدو انتهاك صارخ للحقوق المظلومين وانسلاخ عن الهوية العربية والإسلامية ولهذا لا تستنشق الهواء المدنس، الهواء الملطخ بدماء الشهداء والمجاهدين.

4- لما هذه القضية وليس غيرها:

صحيح نحن المسلمين ندافع عن هذه القضية امتثالا لمقتضيات العقيدة ووفق المنهج القرآني المتمثل في كون المسجد الأقصى القبلة الأولى و كون القدس الأرض المباركة فالله ﷻ يقول:﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[ الإسراء :1]، لكن كما قال يوسف القرضاوي رحمه الله” إن القدس ليست للفلسطينيين وحدهم وإن كانوا أولى الناس بها، وليست للعرب وحدهم وإن كانوا أحق الأمة بالدفاع عنها، وإنما هي لكل مسلم أيا كان موقعه في مشرق الأرض أو مغاربها، في شمالها أو جنوبها، حاكماً كان أو محكوماً، متعلماً أو أمياً، غنياً أو فقيراً، رجلاً أو امرأةً، كل على قدر مكانته واستطاعته”[القدس قضية كل مسلم، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية،2000، ص4]. بهذا تكون الأرض المباركة وفلسطين تاج الأمة العربية والإسلامية ومهوى أفئدتهم وقبلتهم الأولى؛ وبجهادها يعرف عزهم وازدهارهم أو ذلهم وانكسارهم.

ما أن تذكر كلمة القدس حتى تجد نفسك محاط بمعاني ودلالات عديدة، وما إن تخطر على البال حتى تمر بك أحاسيس مختلفة بين الحزن والفرح وبين الخيبة والأمل، ومن دلالاتها:

– القدس حيث أقام الأنبياء، وحيث تشرَّفت بسيِّد الأنبياء محمد ﷺ في رحلة الإسراء، وحيث كان منها معراجه إلى السماء.

– القدس حيث الطائفة المنصورة الثابتة على الحق إلى يوم القيامة، وحيث يفصل الله سبحانه بين الحق والباطل، وحيث يعود المسيح عليه الصلاة والسلام ليقضي على المسيح الدجال…

لا تصالح ولو قيل ما قيل من كلمات السلام 


الفهرسة:

-مسند الإمام احمد، حققه محمد عبد القادر عطا، درا الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ج9، 2008.

-القدس قضية كل مسلم، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية،2000.

-المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي في بيت المقدس 1987-2015، خالد إبراهيم أبو عرفة، مركز الزيتونة، بيروت، الطبعة الأولى، 2017.

– الصراع العربي-الإسرائيلي مئة سؤال وجواب، بيدرو برييجر، ترجمة صالح إ براهيم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى،2012.

– ثغور المرابطة مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، الرباط، الطبعة 1، 2018م.

تعليق 1
  1. عبد الكريم يقول

    شكرا لك الزميلة حليمة على مقالك الجيد والمفيد المذكير بهذه القضية الكبرة في الظرفية الحالية
    ومحاولتك تقريبها من الرؤية الائتمانية وهو أمر جبد جدا
    مع لفت نظرك إلى تقليب النظر أكثر في كتاب د. طه الثغور. الذي استفدتَ منه في هذا المقال
    وأدعوك لمزيد تأمل وقراءة واعية لمباحثه فهي ستكسبك آليات نظر جديدة ومهمة..
    مع تحياتي لك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.