منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة واللهجة في ضوء السياسات اللغوية

محمد احمداي

0

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة واللهجة في ضوء السياسات اللغوية – محمد احمداي

تقديم

اهتمت اللسانيات الحديثة باللهجة اهتماما كبيرا. منطلقة في ذلك من القاعدة اللسانية البنيوية “دراسة اللغة لذاتها ومن أجل ذاتها”. لكن هذا لم يمنع من ظهور العديد من الإشكالات المرتبطة بها خصوصا في علاقتها باللغة من خلال: تحديد الفروقات والعلاقات بينهما، ومن خلال السياسة والمجتمع أيضا بسبب ارتباط اللغة بالسياسة مع بروز اللسانيات الاجتماعية، والسياسة والتخطيط اللغويين. فقد أصبح تدخل السياسي في اللسان الإنساني سواء بتصنيفه لهجة أو لغة يعتمد على شروط ومعايير دقيقة نابعة من إرادة سياسية معينة تسعى السلطة إلى تحقيقها داخل مجتمع من المجتمعات. وفي غياب هذه الشروط والمعايير التي ترسم لنا خريطة طريق لتدبير الشأن اللغوي في إطار “التخطيط اللغوي” فإن الوضع سيتسم بالعشوائية والفوضى، تلك الفوضى التي ستعيق تحقق عدة مصالح اجتماعية على مستوى الثقافة والتعليم والاقتصاد…

لذلك هذا البحث حاول الإجابة عن الإشكالات المرتبطة بهذه القضايا من خلال المحاور الآتية:

  • الفرق بين اللغة واللهجة.
  • المفاضلة بين اللغة واللهجة.
  • علاقة السياسة باللغة.
  • ضرورة تدخل السياسي في الشأن اللغوي.
  • واقع السياسة اللغوية في البحث العلمي بالبلدان العربية.
المزيد من المشاركات
1 من 17

أولا: الفرق بين اللغة واللهجة

لتحديد الفرق بين اللغة واللهجة لابد من تجاوز المدلولات اللغوية إلى المعاني الاصطلاحية والوظيفية؛ لأن المعاجم تشير إلى المعنى التواصلي لهما، وهوا لجانب المشترك بين اللغة واللهجة. ولبيان الفرق بينهما ينبغي تحليلهما وربطهما باستعمالاتهما الوظيفية ليتضح أن اللهجة تكون جزءا من اللغة عندما نتحدث عن لهجات مشكلة للغة كما حصل للغة العربية مثل لهجة تميم ولهجة قريش ولهجة بكر… أو عندما تكون متفرعة عنها مثل الإيطالية والإسبانية والفرنسية…”لهجات” متفرعة عن اللغة اللاتينية. قبل أن تصبح لغات مستقلة لأسباب سياسية وجغرافية ولسانية. وفي هذه الحالة سيتداخل مفهوم اللهجة مع مفهوم العامية، وسيصبحان بمعنى واحد. فنقول اللهجة الخليجية واللهجة المصرية واللهجة المغاربية واللهجة الشامية ونقصد العاميات.وهذه الحالة تفرض وجود علاقة بين اللغة ولهجاتها.

كما أن هذه المعاني قد نجدها في الدلالات الاصطلاحية أيضا فقد ورد في المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات تعريف اللغة بأنها: “نظام العلامات الصوتية التي تعد خاصية مشتركة بين البشر والتي تتنوع بتنوع العشائر اللغوية. وسيلة للتواصل تكمن في القدرة الخاصة بالكائن البشري على استخدام نظام من العلامات الصوتية مستعملا، في ذلك تقنية جسدية معقدة تفرض وجود ملكة فطرية خاصة.”[2] فهذا التعريف ينسجم مع اللهجة أيضا لاشتراكهما في الخاصية الإنسانية، فبذلك تكون اللغة مرادفة للهجة لأن المقصود بها اللسان الإنساني.

أما حين تنعدم هذه العلاقة ويستقل اللسان عن غيره من التداولات الأخرى نكون أمام لهجة بمعنى “لغة ضعيفة” أي غير موحدة ولا مكتوبة وقليلة الانتشار. فتسمى لهجة بدلا من لغة لأنها رغم استقلالها اللساني لا تؤدي وظائف اللغة المختلفة، بل تقتصر على الوظيفة التواصلية اليومية بين متحدثيها. ومن هنا تحصل المفاضلة بين اللغة واللهجة.

ثانيا: المفاضلة بين اللغة واللهجة:

عنصر المفاضلة بين اللغة واللهجة تفرضه الوظائف والصفات الني تتميز بها كل واحدة منهما. وأهم صفة تميز اللغة عن اللهجة هي الكتابة، فالكتابة تخرج التداول اللساني من نمطه الفولكلوري الشعبي إلى النسق الحضاري والثقافي. وهذه الصفة تفتقدها اللهجة فقد عرفت بأنها: “نظام من الدلائل الصوتية والقواعد التأليفية لها أصل واحد كاللغة غير أنها لم تكتسب الوضعية الثقافية والاجتماعية التي ارتقت إليها هذه اللغة وتكون –عادة-غير مكتوبة ولا رسمية”[3] فهذا يجعلها أقل شأنا من اللغة ويضفي عليها صفة البدائية، “فالمسلم به أن كتابة اللغة مرحلة متقدمة في حضارة الأمم، فالشعوب البدائية لغتها منطوقة غير مكتوبة، وإن الأبجدية تهيئ للأمة فرصة المحافظة على ثقافتها من الضياع.”[4]

كما يعد الجانب اللساني الداخلي أيضا عاملا أساسيا في المفاضلة، فاللغة تتميز بالشمول والشساعة والدقة، والرصيد العلمي القوي من معاجم وعلوم لغوية مرتبطة بها، عكس اللهجة تماما التي تبقى مقتصرة على الذاكرة الجماعية لمتحدثيها دون نظام لغوي يؤطرها. بالإضافة إلى ذلك فاللهجة غير قادرة على أداء الوظائف اللغوية كاملة، فهي لا تصلح أن تكون لغة للبحث العلمي الرصين، أو لغة للتخاطب الدبلوماسي العالمي، أو لغة مؤثرة في السوق الاقتصادية والثقافية. فمفهوم اللهجة يحمل معاني القبيلة بينما مفهوم اللغة يحمل معاني الأمة، فضلا عن المفاضلة السياسية التي تكون فيها اللغة متميزة بالطابع الرسمي، خلافا للهجة التي تفتقد هذه الصفة في غالب الأحيان.

 ثالثا: علاقة اللغة بالسياسة:

العلاقة بين السياسة واللغة علاقة وطيدة تؤثر فيها السياسة على اللغة بما يجعلها لغة قوية، حية، مستعملة. أو بما يجعلها مهمشة، ذابلة، لا يلتفت إليها ولا يهتم بها. فرغم وجود الخصائص الداخلية للغة التي تساعدها على البقاء والانتشار إلا أن العامل السياسي يكون أقوى. باستطاعته أن يحول لغة قوية إلى لغة مهمشة داخل وطن ما، كما بإمكانه أن يحول لغة ضعيفة إلى لغة قوية مستعملة داخل وطن ما، حتى وإن كانت هذه “اللغة” تفتقد لعناصر القوة ولا تؤدي إلا وظائف اللهجة. لذلك يرى اللغوي الفرنسي LOUIS-JEAN CALVET أن “اللهجة ليست سوى لغة مهزومة، أما اللغة فهي لهجة نجحت سياسيا”[5]. لأن الإرادة السياسية تمتلك من الوسائل والأدوات ما يمكنها من ذلك، فبإمكانها تنمية لهجة ما والاهتمام بها لأسباب متعددة بدعمها علميا من خلال تقعيدها وصناعة معاجم لها ووضع كتابة خاصة بها، ثم دعمها إعلاميا وتعليميا ومجتمعيا وبعد ذلك ترسيمها قانونيا لتصبح بعد مدة قصيرة لغة كاملة الأركان. وهذه الأدوات العلمية والسياسية والعسكرية هي التي عبر عنها MAX WEINREICH بقوله: “إن اللغة ليست إلا لهجة تملك جيشا وبحرية”. فالسياسة تهتم باللغة لأن اللغة ترتبط بالهوية والأمن القومي، وتستعمل في توطين الاستعمار كما فعلت فرنسا في مستعمراتها، ثم لأنها وسيلة للتغيير الثقافي والفكري كما حصل بين اللغة التركية والعربية في عهد كمال أتاتورك حين وظف اللغة لتحويل تركيا من الدولة الدينية إلى الدولة العلمانية. “فالسياسة تعصف بالواقع اللغوي عصفا رهيبا، فالأقوياء لغتهم لها التمكين والسيطرة والشيوع، أما الضعفاء فلغتهم لها الضعف والتنحية والإزاحة من مواقع التعامل والتأثير”.[6]

رابعا: ضرورة تدخل السياسي في الشأن اللغوي

حديث الفاعل السياسي عن اللغة الرسمية تفرضه الوضعية القانونية للدستور في إقرار اللغة أو اللغات الرسمية، لأن هذه الصفة تمكن اللغة من أداء عدة مهام في الحياة العامة. وبالتالي ينبغي ترسيم اللغة بناء على عدة اعتبارات وظيفية وثقافية وهوياتية. فشروط إقرار أو إلغاء أية لغة تحددها خلفية السياسي. فترسيمه للغة ما قد يكون بدافع وظيفي تحققه هذه اللغة داخل المجتمع، من خلال خلق التواصل الناجح بين مختلف الأفراد والمؤسسات. لذلك قد يرفض التعدد اللغوي الرسمي داخل الدستور لهذا الاعتبار، لأنه يرى لا جدوى لساني من ترسيم لغات أخرى كما “في المغرب على سبيل المثال لا جدوى لساني من ترسيم تداولات أخرى لأن العربية قائمة بهذا الدور.”[7] لكن قد يكون هناك جدوى ثقافيا أو أمنيا أو تاريخيا يدفع السياسي إلى ترسيم لغات أو لهجات أخرى كما هو الشأن بالنسبة للأمازيغية في المغرب مع تحويلها من صفة اللهجة إلى اللغة من خلال توحيدها وتقعيدها وجمع معجمها وجعلها مكتوبة مع منحها الطابع الرسمي.

من هذا الجانب يحق للسياسي وضع شروط للتداول اللساني حتى تعطى له الصفة الرسمية، ومن أهم هذه الشروط انتشار اللغة وتداولها بين المواطنين، ففتح الباب على مصراعيه لترسيم كل تداول لغوي مستعمل في البلاد سيجعل الدولة تتسم بالفوضى اللغوية خصوصا في البلدان التي تعرف تعدد اللغات واللهجات إلى عدد كبير جدا كما الحال في دولة الهند حيث يبلغ عدد لغاتها ولهجاتها حوالي ألفي لغة ولهجة وكل لغة أو لهجة تنحصر في إقليم أو قبيلة دون غيرها، فترسيمها جميعا سيطرح مشكل التواصل وسيعيق الخدمة العامة ويفرض على الدولة الترجمة بشكل غير طبيعي، لذلك فالوضعية الرسمية للغة ينبغي أن تحددها بالدرجة الأولى الخاصية الوظيفية والتواصلية والوحدوية دون إهمال الجانب الثقافي والتاريخي للغة.

خامسا: واقع السياسة اللغوية في البحث العلمي بالبلدان العربية:

السياسة اللغوية في البلاد العربية شبه غائبة، فمعظم البلدان العربية لا تعتمد سياسة لغوية واضحة، ولا تدبر الشأن اللغوي اعتمادا على أسس التخطيط اللغوي، “فلا نعرف بلدا عربيا يقوم بتقييم شامل للكلفة الاقتصادية والمجتمعية والسياسية العامة للسياسة اللغوية التي يتبعها في التعليم والإعلام والإدارة إلخ، بل قبل هذا، نجد جل البلدان العربية لا تقيم سياسة لغوية واضحة، مقترنة بخطة لغوية يمكن تحديد فوائدها ونتائجها، ثم قياس مدى نجاحها ونجاعتها”[8]. وبالتالي فالنتيجة الحتمية لهذا الوضع هو ضعف البحث العلمي في السياسة والتخطيط اللغويين، فما دامت هذه البلدان لا تعير اهتماما للشأن اللغوي داخل المجتمع، فبالتالي لن تدعم البحث العلمي في هذا الجانب، فما تجده من أبحاث ودراسات -نادرة-تكون في غالب الأحيان ناتجة عن جهود فردية لبعض الباحثين أو المؤسسات. فمعظم الأبحاث اللغوية في البلاد العربية تهتم بالجانب العلمي للغة من معجم ونحو وبلاغة وأدب… متغافلة عن اللسانيات الاجتماعية والسياسة اللغوية، فحظ هذه الأخيرة ضعيف جدا حتى في المقررات الجامعية. رغم الأهمية الكبرى للسياسة اللغوية في تنمية اللغة أو اللغات الوطنية والتي قد تكون في كثير من الأحيان أهم من الجانب العلمي، خصوصا في الفترة التي تمر فيها البلاد بانقلابات لغوية كما يحدث في المغرب بين العربية لغة البلاد والفرنسية لغة المستعمر. فالمؤسسات اللغوية أيضا كالمجامع اللغوية تصب اهتمامها الكبير على الأبحاث العلمية للغة على حساب الجانب السياسي فيها.

خاتمة

تحتاج قضية اللغة واللهجة إلى كثير من البحث. لأنها تطرح إشكالات عديدة ومتنوعة، واكبت الدرس اللغوي عبر مختلف مراحله القديم منه والحديث. غير أن هذه الإشكالات تتجدد عبر التاريخ مخلفة قضايا جديدة تتناسب وحاجيات المجمتع اللغوية كموضوع السياسات اللغوية الذي برز بقوة مع تنظيم الدولة الحديثة. لذلك حاول هذا البحث معالجة بعض هذه الإشكالات فخلص إلى ما يلي:

– أن هناك فرق بين اللغة واللهجة، كما أن بينهما أشياء مشتركة كالخاصية الإنسانية والتواصل.

– المفاضلة بين اللغة واللهجة قائمة على أسس وظيفية ولسانية ثم سياسية.

– علاقة اللغة بالسياسي علاقة وطيدة، لأن السياسة تؤثر في اللغة تأثيرا كبيرا.

– تدخل السياسي في الشأن اللساني تدخل ضروري، تبرره الأهداف الني تسعى السلطة السياسية لتحقيقها من خلال اللغة، وتجنب الفوضى اللغوية التي قد تنتج عن تعدد اللغات أو اللهجات داخل الوطن.

– البحوث العلمية في مجال السياسة اللغوية قليلة جدا في البلاد العربية وذلك راجع لعدم اهتمام البلدان العربية بتدبير الشأن اللغوي، وبالتالي عدم دعم هذا المجال المعرفي.

البيبليوغرافيا

  • السياسة اللغوية في البلاد العربية-د. عبد القادر الفاسي الفهري-ط. الألولى 2013 دار الكتاب بالجديدة المتحدة.
  • اللغة والسياسة في عالم ما بعد 11 سبتمبر-د. محمد محمد داود-ط.2003-دار غريب للطباعة.
  • مجلة الدراسات اللغوية-مج 15. ع1. دسمبر-فبراير 2013. عنوان المقال “أثر السياسة في الأبجدية الغربية أنموذجا-مقبل بن علي الدعدي.
  • المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات-مكتب تنسيق التعريب الرباط-ط2-2002-مطبعة النجاح الجديدة.
  • الموقع الإلكتروني للائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية-مقال جدلية اللهجة واللغة بين اللغويين العرب-محمد السعد-19 نوفمبر 2018.

[2] المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات-مكتب تنسيق التعريب بالرباط-ط2-2002. ص83

[3] المرجع السابق – ص45

[4] مجلة الدراسات اللغوية-مج 15. ع1 دسمبر-فبراير 2013-عنوان المقال أثر السياسة في الأبجدية العربية انموذجا-مقبل بن علي الدعدي.

[5] محمد السعد-مقال جدلية اللهجة واللغة بين اللغويين العرب-الموقع الإلكتروني للائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية-نشر بالموقع يوم 19 نوفمبر 2018. مقتطف بتاريخ 25/08/2020.

[6] اللغة والسياسة في عالم ما بعد 11 سبتمبر-د. محمد محمد داود-ط 2003-ص 48.

[7] السياسة اللغوية في البلاد العربية-د. عبد القادر الفاسي الفهري-ط الأولى 2013-ص269.

[8] المرجع السابق-ص284.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.