منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة واللهجة: مسائل وقضايا

خالد بخداش

0

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة واللهجة: مسائل وقضايا – خالد بخداش

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله.

تعتبر اللغة أهم قناة للتواصل لدى الإنسان، وهي مما يتميز به الكائن البشري عن باقي الكائنات الأخرى فيعبر بها عن رغباته وأحاسيسه وأفكاره بهدف تحقيق التواصل وربط الصلة بالآخر، وتعد اللغة رافدا مهما من روافد حضارات الأمم والمجتمعات، فبها يُحفظ تاريخها ومن خلالها يعرف نسبها ومجدها، فاللغات تتطور وتحيا وتموت وتتأثر بالعوامل الخارجية.

وإذا كانت اللغة الأداة الأولى المعتمدة في التواصل بين بني البشر بفضل كونها ملكة تمنحهم هذا التميز، فالحديث عن اللهجة لا يخرج عن هذا السياق بالنظر إلى الترابط الشديد بين المفهومين حيث يصعب تحديد فرق دقيق بينهما. وتسعى البحوث اللسانية إلى دراسة هذه الخاصية الإنسانية على أساس علمي دون تفريق بين اللغة و”اللهجة”، في حين تتدخل عوامل متعددة -أهمها العوامل الجيوسياسية-في وضع الحدود بينهما ورسم سياسة لغوية مبنية على أساس التفاضل الحضاري والتاريخي. فما الفرق بين اللغة واللهجة؟ وهل من مرتكز علمي للتفاضل بينهما؟ وما تأثير السياسة في رسم المعالم التمييزية بين اللغات واللهجات؟ ثم ما وضع اللغات واللهجات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط؟

المزيد من المشاركات
1 من 19

الفرق بين اللغة واللهجة

يصعب إيجاد تعريفات دقيقة تظهر الفرق بين اللغة واللهجة بجلاء، وإذا كان ابن جني قد عرف اللغة بأنها “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”([2]) فإن اللهجة عند الخليل في معجم العين هي: “طَرَف اللسان، ويقال: جَرْس الكلام، ويُقال: فصيح اللَّهْجَة واللَّهَجة. وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها، ونشأ عليها”([3]). والملاحظ أن التعريفين معا يتداخلان دون وضع حدود واضحة لمفهوم اللهجة وعلاقتها الدقيقة باللغة، وفي قول الخليل: “وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها، ونشأ عليها” إشارة إلى ما يمكن تسميته “باللغة الأم”، لكن الملاحظ أن الكلمة المستعملة هنا هي “اللغة” مما يضفي مزيدا من الإبهام عن حدود التماهي بين اللغة واللهجة؛ فحتى عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وغيرها من التسميات التي أطلقت على لهجات القبائل العربية قديما لم يكن يسمى لهجات بل كانت تسميها لغات. لكن الثابت أن اللغة واللهجة تشتركان في التعبير عن أغراض المتكلم أي إن الأصوات التي يستعملها الإنسان في الكلام تؤدي وظيفة التواصل سواء أسمي ذلك لغة أم لهجة.

غير أننا قد نهتدي ببعض الخصائص والصفات للتمييز بين اللغة واللهجة على أساس علمي، وذلك لكون اللهجة تعبر عن كيفية استعمال اللغة الأم وجرس اللسان فيها، وقد تتفرع اللهجات عن اللغات وتنشأ بعدها، ويمكن أن تكون اللهجات نتيجة لتغيرات تطرأ للغة بفعل التغيرات الجغرافية والزمنية فتكون في اللغة كلمات خاصة برقعة جغرافية ما لكن بالانتقال إلى مجال جغرافي مغاير قد يفرض ذلك كلمات ومصطلحات جديدة لا تؤدي بالضرورة إلى إغناء هذه اللغة بل قد تولد من رحمها ما يسمى باللهجة، وكذلك فتعاقب الأزمان يؤدي إلى تناسل لغات فرعية (لهجات) من لغة أم معينة تحت تأثير عدة عوامل ترتبط أساسا بالتطور الذي يعيشه الإنسان باستمرار، إضافة إلى اعتبار اللغة ذات خصائص معيارية مقارنة باللهجة وهي تستعمل كذلك في التعاملات الرسمية والمؤسسية.

اللغة واللهجة: هل من أساس للتفاضل؟

يتميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى بملكته وقدرته اللغويتين، فأوجدت كل مجموعة من الناس طريقة كلامية تتواصل بها وتحقق بها أغراضها في التعبير عن حاجاتها وإحساساتها وما تريد أن توصله للآخر، وبذلك يكون هذا النمط أو العادة الكلامية محققة لشروط التواصل الطبيعي بين عشيرة لغوية ما، فمتى كان الفهم والإفهام بين المتكلم والمخاطب واستوعب المستمع ما يقوله المتكلم من رسالة منقولة إليه عبر النمط الكلامي المشترك يتحقق شرط التواصل الفعال، وهذا ما يؤكده ابن جني بتعريفه للغة كما يؤكد ذلك ابن خلدون حيث يشتركان في مسألة أساس هي التعبير عن غرض المتكلم عبر مجموعة من الأصوات…

وإذا أخذنا مثلا اللغة المغربية الدارجة (أو ما يسمى باللهجة المغربية) نجد أن الناطقين بها قد تعلموها سليقة مثلما تعلم العرب الأولون اللغة العربية الفصحى سليقة دونما الحاجة إلى القواعد والكتب التعليمية، بل إنهم كانوا يكتشفون مكامن اللحن بالذوق والحدس وكأن اللغة جهاز منطقي مبرمج لدى الإنسان منذ صغره فيصير آلة ناطقة بالنظام اللغوي الذي اكتسبه. ولهذا تصير اللغة ذات نظام وأسس متفق عليها من قبل العشيرة التي تتخاطب بها وإن لم تدون بشكل رسمي في قواعد ومعاجم خاصة، غير أن ما قد يميز اللغة عن اللهجة هو اقتران اللهجات بمجال جغرافي أضيق مقارنة باللغات التي تشغل حيزا جغرافيا كبيرا؛ فإذا كانت اللغة العربية الفصحى منتشرة على نطاق واسع ضمن ما يعرف بالدول العربية فإن اللهجات تنحصر غالبا ضمن رقعة جغرافية أضيق وتختص بفئة معينة من الناطقين بها وقد تتعدد داخل البلد الواحد.

اللغة واللهجة بين العلم والسياسة

لطالما ارتبط تاريخ اللغات بالتدخلات السياسية، حيث يتم رسم السياسة اللغوية لأي بلد ما بحسب المعطيات التاريخية والأيديولوجية، فقد يصير نمطٌ كلامي معين لغةً أو قد يصير لهجة بحسب الإرادة السياسية التي تحكم هذه التوجهات، وإذا نظرنا إلى اللغة العربية وجدنا أنها اكتسبت مكانتها اللغوية واستمراريتها من خلفية دينية متمثلة في حفظ القرآن الكريم عبر الزمن باعتبارها اللغة التي نزل بها، وبهذا استطاعت أن تفرض نفسها لغة قائمة بذاتها إضافة إلى ميزاتها وخصائصها الذاتية.

وقد ظهرت تيارات في الأقطار العربية تدعو إلى استخدام اللهجات المحلية بدل اللغة العربية، حيث ظهر في المغرب تيار مناصر لاستخدام اللغة المغربية الدارجة في الاستعمالات الرسمية وفي الإعلام وفي التدريس… ومن أبرز رواد هذا التيار نور الدين عيوش عضو المجلس الأعلى للتعليم المغربي ورئيس مؤسسة زاكورة للتربية. لكن هذه الدعوات –بالرغم من تزايد حركات مؤيدة لها-لم تنل قبولا واسعا ولم تبلغ هدف إزاحة اللغة العربية نظرا للأسباب التي سبق ذكرها، إضافة إلى المحاولات الفاشلة التي قادتها بعض الحركات “اللهجية” (أو ما يسمى بالتيارات الشعبوية) في الوطن العربي مثل تيار اللهجة اللبنانية الذي قاده مارون غصن عام 1929، وكذلك بعض المحاولات الحثيثة من بعض التيارات المصرية لجعل اللغة المصرية الدارجة بديلا عن اللغة العربية الفصحى وإحلالها المكانة الرسمية الأولى في البلاد.

السياسة اللغوية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط

تنامت في السنوات الأخيرة تيارات منادية باعتماد اللغات العامية لغات رسمية، وظهرت لغات هجينة فرضتها ظروف عصر السرعة والاختصار والتركيز على المعنى دون اللفظ فأحلت الحرف اللاتيني محل الحرف العربي مثل لغة الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي (أو ما يسمى بلغة الشات) واستبدال بعض الحروف العربية التي ليس لها مقابل في اللغات اللاتينية بأرقام منها “9” للقاف و”7″ للحاء… لكن رغم هذه المحاولات وبفضل التقدم التكنولوجي وجهود الباحثين واللغويين لمسايرة هذا التطور استطاعت اللغة العربية أن تفرض نفسها ويتصدر الحرف العربي المراسلات الإلكترونية خصوصا مواقع التواصل الاجتماعي، وبالرغم من استعمال مواطني البلد الواحد هذه الحروف العربية في اللغة الدارجة إلا أن معظم مستعملي الوسائل التقنية الحديثة للاتصالات بين مختلف شعوب الدول العربية يتم باللغة العربية الفصحى نظرا لصعوبة بعض اللغات الدارجة حيث يجد المشرقيون مثلا صعوبة في فهم اللغة المغربية الدارجة.

ويرجع الفضل في هذه المكتسبات إلى تطوير طرق استعمال الحرف العربي حاسوبيا وقطع أشواط محمودة فيما يخص مكننة اللغة العربية والترجمة الآلية وتطور المعاجم الإلكترونية، إضافة إلى يسر وسهولة قراءة نص مكتوب بالحروف العربية مقارنة بنص مكتوب بالحروف اللاتينية؛ ولك أن تأخذ مثلا نصا من أربعة أسطر للدارجة المغربية مكتوب بالأحرف اللاتينية ثم قارنه بالمحتوى نفسه -بحيث يكون مكتوبا بالأحرف العربية- على مستوى الوقت المستغرق والجهد المبذول في الاستيعاب، سيتضح جليا أن هناك فرقا واضحا بين النصين إذ إن المكتوب بالأحرف العربية لا يتطلب جهدا كبيرا في التفاعل مع الكلمات وبالتالي سرعة القراءة والاستيعاب والتواصل الجيد.

ومن الأمثلة الناجحة في إثبات الذات تمكُّن اللغة الأمازيغية من فرض ذاتها كلغة رسمية لها وزنها وتاريخها، فبالرغم من النقص الذي مازالت تعاني منه المكتبة الأمازيغية على مستوى التقعيد والمعاجم لأسباب أهمها فقر الموروث المدون، فإنها استطاعت أن توجد لنفسها موطئ قدم ضمن لغات العالم المعترف بها واستطاعت توحيد “لهجاتها” في لغة موحدة بحروف تفيناغ. وهذا يبين أن الإرادة السياسية قد تجعل من اللهجة لغة وقد تجعل اللغة لهجة، وقد تؤدي إلى انتصار هذه واندحار تلك…

خاتمة

يمكن تلخيص ما سبق في عدة نقاط أهمها:

  • من الصعب تحديد فرق دقيق بين اللغة واللهجة وإن المفهومين متداخلان ومترابطان.
  • تؤدي اللهجة الوظيفة نفسها للغة من حيث التعبير عن الأفكار بوساطة الكلمات والجمل.
  • تشترك اللغة واللهجة في التعبير عن أغراض المتكلم وتؤديان معا وظيفة التواصل الإنساني.
  • من الخصائص والصفات التي تميز بين اللغة واللهجة كون اللهجة تعبر عن كيفية استعمال اللغة الأم، وقد تتفرع اللهجات عن اللغات وتنشأ بعدها.
  • قد تكتسي اللغة صبغة المعيارية والرسمية كأساس للتمييز بينها وبين اللهجة، كما أن اللهجات تقترن بمجال جغرافي أضيق مقارنة باللغات التي تنتشر في الغالب على نطاق واسع.
  • تتدخل السياسة والعوامل الأيديولوجية والتاريخية في رسم السياسة اللغوية لمختلف الشعوب.
  • لعب البحث العلمي وتطوير أساليب وآليات الدراسة اللغوية دورا مهما في انخراط اللغة العربية ضمن مسار التحديث والتجديد بغية مواجهة التحديات الراهنة.
  • مكنت الإرادة السياسية والبحث العلمي من الانتقال باللغة الأمازيغية نحو المعيارية والرسمية.

البيبليوغرافيا:

  • ابن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، ج1.
  • الخليل بن أحمد الفراهيدي، معجم العين، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، ج3.

[2] ابن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، ج1، ص34.

[3] الخليل بن أحمد الفراهيدي، معجم العين، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، ج3، مادة لهج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.