منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة واللهجة: إشكالات في التنظير والتطبيق

محمد المودن

0

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة واللهجة: إشكالات في التنظير والتطبيق – محمد المودن

مقدمة:

يتجاوز مفهوم اللغة عند الباحثين والسياسيين كونها وسيلة للتواصل إلى كونها وعاء للفكر والحضارة والتاريخ، وأداة طيعة يمكن استخدامها لمصالح الطبقة الحاكمة، وغير ذلك مما يجعل البحث في اللغة واللهجة قضية شائكة، فالباحث في نظرنا ملزم بالاطلاع على اللسانيات وعلم الاجتماع، وعلم النفس والتاريخ، والسياسة، وإلا كيف سيستطيع أن يفهم صمود لغة واندثار أخرى؟ فلا نستطيع أن نقول إن اللغة أو اللهجة تعيش بحياة أبنائها وتموت بموتهم؛ لأننا نملك معطيات عكس ذلك؛ فثمة لهجات أو لغات ماتت، وإن كان من يتكلمها يفوق الملايين، في حين عاشت لغات وانتشرت في العالم، ولم يكن يتكلمها سوى نسبة قليلة من السكان. إن اللغات تعيش تمييزا وتفاضلا من لدن السياسيين، كما تعرف إرادة للنهوض بها أو تهميشها وإقصائها، باختلاف طرق تنزيل ذلك. وهذا ما يجعلنا نفكر في ماهية اللغة، وعلاقتها باللهجة، فنتساءل عن الفرق بينهما، ولماذا هذا التمييز بينهما، وما مبررات ذلك؟ وما علاقة الفاعل السياسي باللغة واللهجة؟ وأخيرا ما حظ البحث العلمي الرصين في السياسة اللغوية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط؟

الفرق بين اللغة واللهجة:

نعني باللغة هنا اللغة المعيار (Standard) سواء كانت قديمة (تراثية) أو حديثة. أما اللهجة “فمجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة”[2]. أما من جانب اللسانيات الاجتماعية[3] فالفرق بين اللغة واللهجة يكمن في الحجم، والمكانة؛ يعني ذلك “أن النوعية التي تتضمن العدد الأكبر من الوحدات اللغوية هي اللغة، بينما النوعية الأصغر هي اللهجة”[4]. ومن حيث المكانة فاللغة “لها مكانة تفتقدها اللهجة”[5]؛ وهذا ما ذهب إليه هندسون في كتابه علم اللغة الاجتماعي. غير أننا نتساءل كيف تكتسب اللغة مكانتها على حساب اللهجة؟

المزيد من المشاركات
1 من 19

المفاضلة بين اللغة واللهجة:

إن قيام دولة ما رهين بصنع لغة تصير فيما بعد لغتها القومية وتُعدها سمة تميزها عن غيرها، ولو كلفها ذلك القهر والاستبداد، كما يشهد على ذلك تاريخ قيام دول أوروبا ولغاتها، وقد يكون الدين عاملا مهما في نشر لغة ما، ولا نعلم مبررات صنع لغة ما[6]، كل ما نعلم أن الأمر مرتبط بالسياسة، بالطبقة الحاكمة، في غالب الأحيان، فهي الآمرة بالنوع اللغوي الواجب تبنيه في تلك الدولة، لأهداف سياسية رهينة بمصلحتها، لذلك فإن التفاضل القائم بين الأنواع اللغوية، في نظرنا، راجع إلى الإرادة السياسية بالأساس، وما دون ذلك خدمة لها من حيث درينا أم لم ندر.

مبررات المفاضلة بين اللغة واللهجة:

لا نملك أدلة علمية نستطيع أن نثبت بها أفضلية اللغة على اللهجة، تاريخيا ولسانيا. فاللسانيات تعدهما أنواعا لغوية بعيدة عن العشوائية، سواء أ اكتشف نظامها وصارت لها قواعد وأنحاء، أم لم يكتشف بعد، كالشأن بالنسبة للهجات. ومن حيث التاريخ فثمة أسباب سياسية جعلت من لهجة ما أو مجموعة من اللهجات لغة متواضع عليها[7]، “كتشكل الفرنسية من لهجة الأويل، والإسبانية من القشتالية، ولا يكون ذلك إلا باستعمال القوة”[8]. نستطيع القول إن اللهجة واللغة، في كونهما نظاما لسانيا، لا تفاضل بينهما، بينما في علاقتهما بالمجتمع نجد اللغة تفضل اللهجة بفضل السياسة.

الفاعل السياسي والسياسة اللغوية:

يتدخل الفاعل السياسي في السياسة اللغوية، لأن “صنع القرار تعبير آخر عن مفهوم ممارسة السلطة”[9] ولا يمكن أن نتصور لغة خارج الفعل السياسي، وغالبا ما تنهج الدول سياسية اللغة الواحدة خدمة للتماسك الاجتماعي الذي تكمن فيه مصالحها؛ فالسياسي يدرك أن اللغة “أداة سياسية رمزية ومادية حاسمة”[10] يمكن توظيفها لإديولوجيات معلومة. ولا تلجأ الدول لبناء لغة ثانية منافسة للغتها القومية. بل تعمل على إعطاء الرسمية لبعض اللهجات أو اللغات المحلية كَرَدِّ فِعْل ” على ضغوط أو مطالب قائمة… أو متوقعة مستقبلا “[11]. إنها تعمل على شعار: اللغة الواحدة-الدولة الواحدة.

البحث العلمي والسياسة اللغوية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط:

ثمة خصائص طبعت اللغة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، منها كون هذه الجغرافيا تُعرف بأن لغتها القومية هي العربية؛ هذه اللغة التي كان الدين الإسلامي وراء انتشارها إلى جانب الحضارة الإسلامية الزاخرة، «وهو ما انعكس على غياب أي سياسة لغوية”[12] ولا يستطيع الباحث أن يعثر على دراسات جادة في السياسة اللغوية تستطيع إقناع من يذهب إلى أن اللغة العربية لغة لا يمكنها أن تساير التطورات العلمية أو التكنولوجية المعاصرة، وعلى سبيل المثال ما زال التعليم في المغرب يثير بين الفينة والأخرى إشكالية لغة تدريس العلوم. ويمكن أن نعد هذا دليلا على ضآلة البحث الأكاديمي في السياسة اللغوية بهذه المناطق، وغيابا لأية إرادة سياسية ناجعة.

خلاصات ونتائج:

نستطيع أن نخلص إلى أن كلا من اللهجة واللغة يمكن إدراجهما تحت مصطلح واحد يطلق عليه النوع اللغوي. وإن النظر العلمي إلى هذا النوع سيبعد عنه صفة التفاضل، سواء أكان لغة أم لهجة، لأن كلا منهما ذو نظام لساني تحكمه ضوابط منطقية ورياضية. غير أن ما يمكن أن يميز بين هذه الأنواع هو الإرادة السياسية، فهي التي تجعل من لهجة أو جملة من اللهجات لغة بعد أن تخضعها لمجموعة من المعايير، ويكون ذلك على حساب لهجات أو لغات أخرى، وغالبا ما يقترن إرساؤها بالقهر والظلم والاستبداد.

ليس ثمة تصور للغة ما دون حضور الفاعل السياسي، لما للغة من أبعاد يكمن بعضها في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة، فكلما كانت الدولة قائمة على لغة واحدة أمكنها تحقيق تماسك اجتماعي، وتجنب دعوات الانفصال أو الاستقلال. وقد لا تعمد إلى سياسية الاقصاء والتهميش لكنها تلجأ إلى إرضاء أبناء تلك اللهجة أو اللغة بجعلها رسمية، وفي المقابل تعمد إلى تهميش البحث الأكاديمي في السياسة اللغوية، وكل ما من شأنه أن ينهض بها.

أخيرا نستطيع القول إن البحث الأكاديمي في السياسية اللغوية ما زال يشهد في شمال إفريقيا والشرق الأوسط تأخرا، ورثه من النظرة العربية للغة عبر العصور، بحيث لم تكلف الطبقة الحاكمة نفسها بالبحث عن سبل نشر اللغة وجعلها مسايرة للواقع، بعد أن كان الدين الإسلامي وراء انتشارها إضافة إلى زخم حضارتها. لكن الأمر اليوم غير ما كان عليه الأمس، بحيث شهد العالم تطورات علمية وتقنية هائلة جعلت أبناء العربية تنفذ إلى نفوسهم فكرة كون لغتهم عاجزة أمام هذه التطورات، وهو ما يضع أمام البحث الأكاديمي مسؤولية البحث عن سبل إثبات عكس ذلك.

البيبليوغرافيا:

  • أنيس، إبراهيم، في اللهجات العربية، 2003، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة
  • الفاسي الفهري: السياسة اللغوية والتخطيط مسار ونماذج، 2014، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدول لخدمة اللغة العربية، الرياض.
  • كوبر، روبرت، التخطيط اللغوي والتغير الاجتماعي،2006، ترجمة خليفة أبو بكر الأسود، مجلس الثقافة العام، طرابلس.
  • هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة محمود عياد، 1990، ط2، عالم الكتب، القاهرة.

[2] أنيس، إبراهيم، في اللهجات العربية، 2003، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص15.

[3] نذكر هنا زاوية نظر هندسون في كتابه علم اللغة الاجتماعي

[4] هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمه محمود عياد، 1990، ط2، عالم الكتب، القاهرة، ص 54

[5] نفسه.

[6] نوظف مصطلع صنع لغة، لأننا ننطلق من تصور مفاده أن لا لغة تولد كاملة.

[7] نجد هذه المعايير عد هندسون، وهي عبارة عن مراحل أولها الاختيار، ثم التقنين، فتوسيع الوظائف، وأخيرا المواضعة على النوعية. ينظر هندسون: علم اللغة الاجتماعي، ص 56/57.

[8] ينظر الفاسي الفهري: السياسة اللغوية والتخطيط مسار ونماذج، 2014، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدول لخدمة اللغة العربية، الرياض، ص6

[9] كوبر، روبرت، التخطيط اللغوي والتغير الاجتماعي،2006، ترجمة خليفة أبو بكر الأسود، مجلس الثقافة العام، طرابلس، ص164.

[10] الفاسي الفهري: السياسة اللغوية والتخطيط مسار ونماذج، ص7.

[11] كوبر، روبرت، التخطيط اللغوي والتغير الاجتماعي روبرت، ص170.

[12] الأمر نفسه يسري على اللهجات التي تخضع لقانون الغلبة، حسب ابن خلدون. وأنها جاءت عفوية وبتلقائية، دون تخطيط مسبق من لدن الدولة. ينظر الفاسي الفهري، السياسة اللغوية والتخطيط مسار ونماذج: ص9.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.