منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة والهوية والتعدد اللغوي

اللغة والهوية والتعدد اللغوي/ د.سعيد أصيل

0

اللغة والهوية والتعدد اللغوي

د.سعيد أصيل/ المغرب

“إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”(ابن خلدون)

  • تقديم:

لا زالت، وستظل، قضية اللغة طارحة نفسها في علاقتها بمختلف المجالات، وفي جميع المجتمعات والدول… وسيبدو هذا الأمر طبيعياً في علاقة لغة ما بلغات أخرى تنافسها أو تسعى إلى أخذ حيز معين بجانبها أو تعمل على محاربتها والعمل على “افتراسـ”ـها والحلول محلها. غير أن القضية تأخذ أبعاداً أخرى أكثر صعوبة وتعقيداً عندما يتعلق الأمر بلغة تجد نفسها في “صراع” مع لغات/ “لهجات” محلية تسعى إلى محاصرتها واستبدال مكانها ومكانتها، في الوقت الذي تصارع فيه لغة -أو لغات- أخرى أجنبية، مما يؤشر على ما يشبه “حرباً” – إن لم تكن حرباً فعلاً أو يُراد لها أن تكون كذلك-تديرها فئات تسعى إلى توجيه القضايا الكبرى نحو قضايا أخرى أكثر أهمية، في الوقت الذي تمارس فيه هيئات أو دول مدافعتها من أجل توطيد لغتها وثقافتها وإيديولوجيتها… وهذا حال اللغة العربية في بلدانها ومجتمعاتها، ومنها المغرب.

المزيد من المشاركات
1 من 22
  • صراع اللغة والهوية:

لابد أن نؤكد، إذن، أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل داخل مجتمع معين، أو بينه وبين مجتمعات أخرى، كما أنها ليست فقط آلة لنقل المعارف والعلوم والأفكار وغيرها، بل إنها “موطن” لصاحبها ودليل انتمائه وهويته… هناك مقولة مشهورة لألبير كامو يقول فيها: “نعم لي وطن إنه اللغة الفرنسية”. وبعد هزائم الجيش الفرنسي واحتلال القوات النازية لفرنسا كان الجنرال الفرنسي يصرخ في الفرنسيين قائلا: “تمسكوا باللغة الفرنسية”. (وأدعي أن لدينا الحق أن نقول للعرب: “تمسكوا باللغة العربية”.)

لم تكن صرخة الجنرال الفرنسي كلمة عادية قالها في لحظة حماس أو غضب أو غيرها، ولكنها كانت تحمل دلالات تبرز ضرورة ودور التمسك باللغة باعتبارها دالة على هوية المجتمع والشعب والدولة الفرنسية، تختزن عدم الهزيمة النفسية التي تأتي اللغة أجلى مظاهرها وتجلياتها.

إن “صراع” اللغات، سواء كان داخلياً أو خارجياً، وما يطرحه من قضايا ليس خاصا بالدول العربية التي تتحدث اللغة العربية، أو داخل دولة معينة، بل هي قضية شائعة في جميع الدول والبلدان والمجتمعات، وإن اختلفت حدتها وطريقة تدبيرها، ونسوق مثالا على ذلك فرنسا التي أصبحت تعيش، الآن، أزمة لغوية خطيرة وتسعى بشتى الوسائل إلى تجاوزها. والحرب الثقافية المعلنة بين النخب الفرنسية والإنجليزية معروفة، وصلت حد تأكيد الدستور الفرنسي على إلزامية الفرنسية في النسيج الاجتماعي والثقافي الفرنسي ومعاقبة المخالفين لذلك، ناهيك الإجراءات التي اتخذها رؤساء فرنسا طيلة العقود الأخيرة، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من تبوأ الولايات المتحدة الأمريكية المجسدة للثقافة الأنجلوسكسونية الجديدة المهيمنة بوجهها الأمريكي ولغتها الإنجليزية…

إن التاريخ المعاصر، على الخصوص، وتاريخ البشرية كله عموماً، يؤكد معطى الصراع اللغوي وعلاقته بالهوية، ويكفي أن نشير هنا إلى هيمنة الدول الاستعمارية وفرضها لقيمها ولغاتها على الدول المستعمَرة بشتى الوسائل، بما فيها الإجرامية؛ ونسوق مثالاً على ذلك ما فعلته فرنسا بعد دخولها إلى دولة “مالي” حيث أعدمت عدداً كبيراً من أساتذة اللغة العربية ومعلميها (وصل إلى 600) بغاية اجتثاث اللغة العربية والقضاء عليها هناك، ثم رعايتها لهذه الهيمنة فيما بعد؛ إذ سيَسْتَثِبُّ لها الأمر وللغتها مع مرور سنوات قليلة فقط لأن الأجيال الجديدة ستكون مفصولة عن ثقافتها بسبب انفصالها عن لغتها التي تمثل هويتها، بالإضافة إلى ارتباط هذه اللغة بالدين الذي يأبى على أهله الخنوع والخضوع للغازي، ويفرض عليه ممارسة “الجهاد” وعدم التخلف عن ذلك.

ولنا في محاولة فرنسا فرض “الظهير البربري” على المغاربة سنة 1930 خير مثال، لاسيما إذا وعينا بأهدافه الخفية، غير المعلنة. وقد تفطن المغاربة، بمختلف عرقياتهم ولهجاتهم، لأبعاده العنصرية ورميه إلى استمرار نسقه المستعمر وبسط نفوذه أكثر على المغرب والمغاربة من خلال سياسة “فرق تسُدْ”… الأمر الذي ستعمل عليه فرنسا بعد خروجها، بل ممارستها لكافة الضغوط قصد استمرار لغتها وتوطينها، وبشتى الوسائل والطرق، بما فيها غير الشريفة، باعتبارها خادمة لنسقها الاستعماري ولكن بشكل جديد متجدد، وبتخطيط ماكر ودقيق.

  • بين لغة الهوية وهوية اللغة:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

إن تطور اللغة أمر طبيعي؛ فهي كائن حي، كباقي الكائنات الحية، تسعى إلى التعامل مع جميع المتغيرات، ولكن بشكل إيجابي. وإذا لم تُخضِعْ سيرورتها للتطور فسوف تموت، كما ماتت كثير من اللغات واندثرت؛ فـ”من لا يتمدد يتبدد”. الأمر الذي يدعو إلى الاجتهاد في الحفاظ على اللغة العربية من خلال تفعيلها وأَجْرَأَتِها وتطوير بنيتها حتى تتلاءم مع ما يفرضه التطور، شرط أن يتم ذلك من داخل هذه البنية لا من خارجها.. وفي اللغة العربية من المرونة ما يساعدها على ذلك وما لا يوجد في كثير من اللغات !.

فكيف تبدو العلاقة بين اللغة والهوية؟، وما حدود التقاطع التي تتشكل بينهما؟…

في قاموس لاروس ((Larousse الفرنسي نجد التعريف التالي للهوية (Identité) هي: “اقتناع الفرد وإيمانه بالانتماء إلى مجموعة اجتماعية، بناءًا على الشعور بمجتمع بالانتماء الجغرافي واللغوي والثقافي مما تترتب عليه مجموعة من السلوكات الخاصة”.(1)

فالهوية تمنح الفرد هذا الإحساس الذي يجعله جزءاً من جماعته رغم أن البعد الجغرافي قد لا يبدو متحكماً، في أحايين كثيرة، كما ذهب إلى ذلك كثير من المفكرين، وكما يدل واقع الحال في حالات متعددة تجعل الفرد دائم الانتماء إلى جماعته رغم البعد الجغرافي الطارئ أو الإجباري أو الاختياري.

ويبدو أن مسألة الهوية ترتبط بما يسمى بـ”الرموز الثقافية” حيث “تتفوق عوامل اللغة والدين والثقافة… على العوامل الأخرى في تحديد هويات الأفراد والمجتمعات والشعوب”؛ ذلك أن “الجنس البشري يتميز عن غيره من الأجناس الأخرى بطريقة فاصلة وحاسمة بالرموز الثقافية (اللغة المنطوقة والمكتوبة والفكر والمعرفة/ العلم والدين والأساطير والقوانين والقيم والأعراف والثقافية)”(2) ، وهي –في الحالة المغربية- بارزة وكائنة ومستمرة عبر سيرورة زمنية وبنيوية طويلة.

لقد عاش المغاربة، منذ الفتح الإسلامي، في انصهار طبع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في بوتقة واحدة، اعتمدت مكون اللغة والدين مكونين أساسيين لهذا الانصهار الذي أفرز وحدة وطنية جعلت الجميع يشعر بالانتماء الموحَّد والموحِّد لأمة ناشئة سرعان ما تطورت ووسعت من وعاء هذه الوحدة لتوزعها على الشعوب والبلدان المجاورة شمالاً وجنوباً. ولم يكن “العرب” الفاتحين سوى قلة قليلة من هذا المجتمع الأمازيغي المغربي الكبير، لكن اللغة والدين وحدهم ومحا الفروق جميعها، وعلى رأسها العرقية من خلال التزاوج والتصاهر، من جهة، والالتفاف حول اللغة والدين الإسلامي، من جهة ثانية. لقد حمل المغاربة اللغة والدين بين جوانحهم وداخل قلوبهم حتى غدا مكوناً جوهرياً لديهم، دفعهم للاعتقاد بضرورة نشره إيماناً بعمق الغاية وأمانة الرسالة التي اعتقدوها وآمنوا بها؛ فأبدعوا في علوم العربية جميعها وبسطوا وشرحوا وفسروا وأجادوا وجوَّدوا…

كانت اللغة هي الموطن الذي آوى الجميع فقطنوا تحت سقف واحد عن وعي وإيمان يدفعان كل عصبية وعنصرية مقيتتيْن، وذلك انطلاقاً من القاعدة الكبيرة التي جاءت في الأثر، ونسبها بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليست اللغة العربية من أحدكم بأمٍّ ولا أب، وإنما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي”(3)، تماماً مثل ما فعل إخوانهم من أصول فارسية ورومية وحبشية منذ عهود العصر النبوي وما بعده، ما دامت وحدة اللغة والدين أضحت هوية الجميع وثقافته.

ويؤكد حسن حنفي، محددا العلاقة بين الهوية واللغة في الوطن، قائلاً: “الهوية واللغة موضوعان مرتبطان يتفاعلان في السلوك الفردي والاجتماعي داخل الأوطان، يؤثر كل منهما على الآخر، قوة وضعفا، إذا قويت الهوية قويت اللغة. وإذا ضعفت الهوية ضعفت اللغة. اللغة تعبير عن الهوية طبقا للقول المشهور (تحدث حتى أراك). وقد تحدث الله في الوحي حتى تُعرف ذاته العلية. وكلمة (لوغوس) في المسيحية كما هو الحال في إنجيل يوحنا تعني الكلمة والهوية والوجود في آن واحد”.(4)

إن هناك هوية جماعية تستمد مقوماتها من ثقافة المجتمع وتاريخه وسيرورته الحياتية وعاداته وتقاليده ولغته، فالمسألة ليست مرتبطة فقط بالجانب اللغوي بل بجوانب متعددة ومتداخلة، تفرض النقاش اللغوي وتوجهه نحو وجهة معينة. إن اللغة وعاء للفكر وأداة للتفاهم والتواصل وأيضا للحلم؛ إنها مرتبطة بهذا الإنسان ككيان، كفكر، كحلم، كعلاقات سواء داخلية مع ذاته أو على مستوى العلاقات الخارجية والاجتماعية، كما تعمل اللغة على تشكيل وبناء –كما إعادة بناء- هذه الأمور جميعها.

  • التعدد اللغوي والهوية الوطنية:

إن قضية التعدد اللغوي فرضتها مجموعة من الأسباب من بينها الإطار الخاص والعام للغة العربية وللتعدد اللغوي، وفرضتها، أيضا، العولمة ليست الاقتصادية، فحسب، وإنما العولمة الثقافية التي تعد من أخطر أنواع العولمة، تنضاف إليها عولمة القيم التي تعد أخطر وأكبر منها، وهذه المسألة تلاحظ بشكل كبير وجلي في مجتمعاتنا على مستوى طريقة الكلام والتفكير، وعلى مستوى النقاش، وعلى مستوى أزمة القراءة وما يتصل بها من خلال التعامل مع التكنولوجيا…

لم تكن قضية التعدد اللغوي في المغرب، كما في غيره من الدول العربية عامة والمغاربية خاصة، تُطرح، طيلة تاريخ ممتد، بالشكل الذي تُطرَح به اليوم، مما يمنحنا الحق في القول بأنها مشكل مفتعل لغايات كثيرة؛ بعضها ظاهر وبعضها الآخر الكثير عير مُعلَن. كما أنها في بعض أبعادها طريقة لتوجيه الشعوب عن قضايا أخرى أعمق بكثير. إن الحديث عن العدالة اللغوية، مثلاً، لا يجب فصله عن قضايا أخرى كالعدالة الاجتماعية بمفهومها العام: الفلسفي والسياسي والاقتصادي…

لقد كان عبد السلام المسدي، وهو الخبير بمجال الفكر والسياسة معاً، تنظيراً وممارسة، دقيقاً قاصداً حين قال: “إن اللغة أمر جليل، بل لولا خشية المظنَّات، وارتقاء انفلات التأويل، لقلنا إن اللغة أجَلُّ من أن تُتْرَكَ بيد السياسيين، والسبب في ذلك أن رجال السياسة يصنعون الزمن الجماعي على مرآة زمنهم الفردي، أما رجال الفكر فينحتون زمنهم الفردي على مقاس الزمن الجماعي”(5).

إن هناك هجوماً على الهوية الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية المغربية، وتكفي الإشارة إلى طريقة إدارة الدولة، من خلال أجهزتها، لمسألة التعدد اللغوي، بالإضافة إلى تناقض خطاباتها مع ما ينص عليه الدستور المغربي بشكل مباشر وواضح، ناهيك أن يكون هذا التدبير لصالح لغة أجنبية تتبوأ المكانة الكبرى والفئوية لطبقة معينة تسيطر على زمام السياسة والاقتصاد، وتسعى إلى المحافظة على مصالحها ولو على حساب الوحدة الهوياتية للمواطنين والوطن…

إن التعدد – كما يقول الدكتور الفاسي الفهري- “سمة إيجابية وسياسة لغوية معقولة وناجعة، ولا يمكن الاستعاضة عنها بسياسات لغوية احتكارية تفيد منها نخب معينة بدعوى أنها المدافعة عن اللغات الأجنبية وثقافتها وقيمها. وحتى المنظمات الدولية مثل اليونسكو فهي تشيد بسياسة التعددية اللغوية، ودورها في بناء الهوية الوطنية بعيداً عن اعتماد اللغة القاتلة”(6) .

  • على سبيل الختم:

إن قضية اللغة هي قضية المجتمع المغربي ككل، كما هي قضية كل مجتمع، وتجب إدارتها بشكل يضمن وحدة البلاد والشعب المغربي بمختلف فئاته وعناصره المكونة لنسيجه، وذلك في إطار الهوية الجماعية المشتركة والنسق العام والشامل الذي يمكنه احتضان الجميع؛ فالأمن اللغوي سبيل أساسي للأمن المجتمعي والوطني، ولا يمكن الحفاظ عليه إلا في ظل هوية جماعية متلاحمة ومتعاونة تسعى إلى خلق وإنتاج نموذج تنموي اجتماعي واقتصادي وسياسي يتجاوز الأزمات التي يتخبط فيها منذ عقود طويلة، وتُؤهله للإقلاع الحضاري سيراً على نهج البلدان الكثيرة التي تقدمت وتجاوزت أزماتها ومشاكلها، وعلى رأسها اللغوية…


الإحالات

(1)Le petit Larousse illustré (Dictionnaire encyclopédique), Edition Larousse, Paris 1996, P : 530.

(2)- محمود الذوادي: “المجتمع التونسي واحتضانه لمأزق الاستلاب: إعاقة اللغة وارتباك الهوية”، مجمع الأطرش للطبع والنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى: 2018، ص: 169.

(3)- رواه ابن عساكر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلاً. ورواه السلَفي أيضاً بإسَناده وغيرهما. وقد ضعَّفه كثير من العلماء. قال ابن تيمية: وهذا الحديث ضعيف؛ لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه.

(4)- حسن حنفي: مقال “الهوية والاغتراب في الوعي العربي”، ضمن كتاب: اللغة والهوية في الوطن العربي إشكاليات تاريخية وثقافية وسياسية” (بحوث المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية: الهوية واللغة في الوطن العربي، 2012)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، الطبعة الأولى: 1434هـ/ 2013م، ص: 185.

(5)- عبد السلام المسدي، مقال: “الهوية واللغة في الوطن العربي: بين أزمة الفكر ومأزق السياسة”، ضمن كتاب: (بحوث المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية: الهوية واللغة في الوطن العربي، 2012)، مرجع سابق، ص: 283.

(6)- عبد القادر الفاسي الفهري: “أزمة اللغة العربية في المغرب”، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة: 2010، ص: 61.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.