منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لغة التدريس عنوان اضطراب المنظومة التربوية

لغة التدريس عنوان اضطراب المنظومة التربوية/ د. خالد البورقادي

0

لغة التدريس عنوان اضطراب المنظومة التربوية

د. خالد البورقادي

تقديم:

عرفت المنظومة التربوية المغربية سلسلة متواصلة من الإصلاحات التربوية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا؛ وما تزال عملية الإصلاح مستمرة وتحت عناوین مختلفة، كلها تعلن أنها تهدف إلى بناء مدرسة وطنية ذات جودة، تحقق الإنصاف وتكافؤ الفرص وتسهم في الارتقاء بالفرد والمجتمع. ولا شك أن أهم أسس ومرتكزات السياسة التعليمية في أي نظام تربوي في العالم هو لغة التدريس المعتمدة في العملية التربوية.

فما مكانة لغة التدريس في المنظومة التربوية المغربية من خلال حزمة المشاريع الإصلاحية المتوالية؟وما أهم سمات السياسة اللغوية التي اعتمدتها حتى تربط الحاضر بالماضي؟ وما الآثار البيداغوجية المترتبة على طبيعة السياسة اللغوية المعتمدة؟

1- اضطراب السياسة اللغوية في المشاريع الإصلاحية

تشكلت أول لجنة الإصلاح التعليم بالمغرب سنة 1957 سنة واحدة بعد الاستقلال، والحديث جار حينها عن المذهب التعليمي ومبادئه الأربعة: التعميم التوحيد، المغربية، ثم التعريب. هذا المبدأ الرابع ( التعريب ) شکل عنوان السياسة اللغوية لمنظومة طموحة في طور البناء، وبخبرات وطنية متحمسة تريد أن تحقق الاستقلال اللغوي بعد الحصول على الاستقلال السياسي الجغرافي. فكانت الشعارات والحماسة سمة مرحلة 1956-1958، إذا تميزت بإقرار مبادئ السياسة التعليمية؛ وفي مقدمتها التعريب. وبذلك شرع في تعريب مقررات التعليم الابتدائي تعريبا شاملا على مستوى القسم التحضيري والقسم الأول[1]. بحيث قسمت حصتي العربية والفرنسية بين باقي الأقسام بالتساوي ( 15 ساعة لكل لغة )، كما تميزت هذه المرحلة بإجماع شعبي ورسمي على وجوب التعريب. استشعارا للذات الوطنية والكرامة المسترجعة التي جرحت من طرف المستعمر الفرنسي.

لكن بداية الاضطراب ستبدأ مع المشاريع الإصلاحية الموالية؛ وخاصة مرحلة: 1958-1964 التي عرفت تصميمين تنمويين:

التصميم الثنائي 1958-1956، والتصميم الخماسي: 1960-1964؛ حيث اجتمعت اللجنة الملكية لإصلاح التعليم لتدارس مشاكل التعليم الابتدائي بشكل خاص[2]

ومن بين ما أوصت به اللجنة في تقريرها الختامي:

التشبث بمبدأ التعريب، والرجوع إلى استعمال اللغة الفرنسية لغة التدريس مادة الحساب وجميع المواد العلمية ابتداء من القسم التحضيري. رغم اعتبار اللجنة السابقة أن اللغة الأساسية للتعليم بالمغرب هي اللغة العربية وإقرار ها بناء على ذلك بميدا التعريب[3].

وهذا ما زكاه المخطط الخماسي: 60-64 حيث اعتبرت لجنة إعداد المخطط في تقريرها أن: ” اللجنة ترى بأنه لا يمكن أن نتصور مواطني بلد واحد يتكلمون ويكتبون ويفكرون بلغة أو بعدة لغات أجنبية وبالتالي فإن دراسة اللغة العربية تعتبر ضرورة حتمية”[4]، لكن نجد أن التقرير يوصي بتدريس المواد العربية والإسلامية باللغة العربية وترك تدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية. تحت علة وحجة قلة الأطر المغربية القادرة على التدريس بالعربية. لتعيش المدرسة المغربية صراعا لغويا غير معلن منذ انطلاقتها، ولا يخفى على الباحثين المختصين؛ التداعيات السيكولوجية والبيداغوجية على التلميذ المغربي الذي يوضع في بؤر توتر لغوية منذ بداية مساره الدراسي.

وبناء على ذلك قرر المخطط الاحتفاظ بالازدواجية منذ القسم الثالث من التعليم الابتدائي مع تعريب للقسمين الأول والثاني بشكل كامل، والاحتفاظ بالعربية والفرنسية مناصفة في الأقسام الأخرى. في أفق إعداد أطر مغربية معربة تقوم بتعميم التعريب.

في نهاية المخطط المذكور آنفا، تم عقد ” مناظرة المعمورة”[5] سنة 1964 حول التعليم، لتخرج في مقرراتها بخلاصات من أهمها أن: ” الدستور المغربي ينص على أن العربية هي لغة البلاد، ومفہوم ذلك أن العربية لغة تلقين التعليم والإدارة وجميع مرافق المجتمع… وحيث أن التعريب يضمن المغربية وتوفير قسط مهم من ميزانية الدولة حسبما ورد في تصميم اللجنة الفنية للمجلس الأعلى للتربية لسنة 1963، فإن اللجنة تؤكد أن من واجب الدولة أن تشرع في تعريب تدريجي ابتداء من أكتوبر 1964 ضمن تصميم عشاري، بحيث يتم تعريب السلك الابتدائي في ثلاث سنوات ( 1964-1967 ) والسلك الثانوي في سيع سنوات ( 1960-1974)، على أن يتم اعتبار اللغة العربية لغة تلقين إجبارية لكل طالب مسجل في المعاهد والكليات التي ما زالت تدرس باللغة الأجنبية، واعتبار اللغة الفرنسية منذ القسم الابتدائي الثاني مؤقتا مجرد د لغة ثانية لا لغة تلقين. مع ضمان تكوين أساتذة الثانوي المعربين في ظرف ثلاث سنوات المقبلة الكفالة الاستمرار في تعريب السلك الثانوي، وتلاحظ هنا أن انخفاض المستوى في التعليم بالمغرب الآن راجع لأسباب مختلفة، ومن بين أهم أسبابه الازدواجية المتعادلة بين اللغتين

كما أكدت اللجنة على ضرورة تكوين لجنة فنية دائمة تسهر على التعريب وتواكبه في مختلف مراحل التطبيق، مع تعريب جميع شعب التعليم الثانوي والعمل على تهييئ الإطارات لذلك، والاحتفاظ باللغات الأجنبية كلغات ثانوية، والسعي في هذا الإطار إلى تدريس التاريخ والجغرافيا باللغة العربية عاجلا، علاوة على إقرار اللغة العربية كأداة حية لتلقين سائر المواد التي تدرس في التعليم العالي، وجعلها منذ الآن من جملة المواد الإجبارية في مختلف الكليات ” [6].

لكن بعد هذه الفترة المتسمة بالدفاع عن تعريب التعليم رغم ما شابها من اضطراب؛ فإن المرحلة الموالية التي عرفت عدة إصلاحات تعليمية؛ اتسمت بالتراجع عن التعريب، اتضح ذلك مع إعلان حالة الاستثناء وتشكيل حكومة جديدة تسلم فيها محمد بنهيمة حقيبة التعليم حيث صاغ ما صار يعرف ب ” المذهب الجديد للتعليم “: وكان من نتائجه:

– حرمان آلاف التلاميذ الذين تابعوا دراستهم الابتدائية باللغة العربية من ولوج الثانوي الذي كان يعتمد اللغة الفرنسية في امتحان الدخول[7]، وفي تدريس المواد العلمية؛

– الاستغناء عن سياسة تكوين الأطر باللغة العربية؛

فدخلت سياسة التعريب في سيات قسري؛ خاصة بعد محاولة الحصول على تفويض شعبي لذلك من خلال عقد مناظرة إفران الأولى سنة 1970 التي ذهبت إلى التراجع المؤقت عن المبادئ الأربعة ومن بينها التعريب. لكن مع المخطط الثلاثي 1978-1980 سنجد صناع القرار السياسي والتربوي يرجعون مرة أخرى إلى اعتماد سياسة لغوية سمتها العودة إلى تعريب الإدارة والتعليم. إذ من الطبيعي حسب المخطط ( أن يتمكن التلميذ والطالب المغربي من أن يستعملا بالدرجة الأولى لغتهما الوطنية في جميع مراحل دراستهما خاصة بعد أن أضحي التعريب الشامل للتعليم ضرورة تربوية ملحة يفرضها انخفاض مستوى التلاميذ في الفرنسية بشكل مطرد “[8]

كما أعلن وزير التربية الوطنية بمناسبة الدخول المدرسي 1978-1979 عن إصلاحات تهم تعريب باقي مستويات التعليم الابتدائي وإطلاق مخطط عشاري للتعريب يمتد من 1978 إلى 1988.

لكن عملية التعريب ستتوقف عند السلك الثانوي دون التعليم العالي، بل إن الدعوة إلى إنشاء الجنة لإصلاح التعليم سنة 1994 كان المطلوب منها هو التراجع عن التعريب ومجانية التعليم.

ولمعرفة طبيعة القرارات السياسية التي تتخذ حاليا بخصوص قطاع التعليم لابد للمرء أن يعرف سیاق ومسار أهم القرارات التي اتخذت طوال مسلسل الإصلاحات المستمر منذ الاستقلال، فبخصوص الجنة 1994 السابقة؛ فقد ” عين الملك الراحل الحسن الثاني ممثلين عن القوى السياسية والنقابية ضمن اللجنة الخاصة بميثاق التربية والتكوين ليعطي صفة الإجماع على إصدار ” الميثاق الوطني للتربية والتكوين “ سنة 1999، للإشارة فإن الوثيقة كانت من مخرجات عمل ثلاثة أشهر!!؟؟

وقد جاءت الوثيقة على أنقاض مشروع الميثاق المؤرخ في 17 أبريل 1994 والمنجز من قبل اللجنة الوطنية المختصة بقضايا التعليم، والمشكلة من 330 عضوا خبير يمثلوا جميع أطياف المجتمع، تم اختيارهم تحت إشراف وزارة التربية الوطنية، وتضمن المشروع التأكيد على المبادئ التي يجب أن يرتكز عليها أي إصلاح للتعليم ( التعميم، والإلزامية والمجانية ومحو الأمية والتوحيد والتعريب وتدريس اللغات).

القرار السياسي للملك الراحل استهدف بالأساس المبادئ التي سطرت من طرف زبدة خبراء أطياف المجتمع المغربي وعلى رأسها المجانية والتعريب والتوحيد[9].

2- وتستمر أزمة لغة التدريس:

ستبقى حالة الاضطراب سمة السياسة اللغوية في النظام التربوي المغربي مع دخول المنظومة التربوية مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ وقد كان المجلة النداء التربوي رأي علمي تربو حينها؛ أثبتت الأيام صدقه[10]، حيث كرس الميثاق سياسة التراجع عن اللغة العربية اللغة الرسمية للبلد، فجاءت بنوده ومواده ملتبسة عامة، لكن الأخطر هو تكريس الازدواجية اللغوية Bilinguisine وإفساح الطريق لهيمنة اللغة الفرنسية على تمفصلات المنظومة.

فقد أشار الميثاق إلى:

– تمكين المغاربة من التواصل باللغة العربية والتفتح على اللغات الأجنبية[11]؛

– يتم تجديد تعليم اللغة العربية وتقويته مع جعله إلزاميا لكل الأطفال المغاربة، وفي كل المؤسسات التربوية العاملة بالمغرب[12]؛

– الاستعداد لفتح شعب للبحث العلمي المتطور والتعليم العالي باللغة العربية[13]؛

– فتح شعب اختيارية للتعليم العلمي والتقني والبيداغوجي على مستوى الجامعات باللغة العربية[14].

هذه الإجراءات وغيرها تعد تراجعا خفيا عن التعريب؛ وإعطاء الأولوية في تدريس اللغات الأجنبية للإتقان في حين نصيب اللغة العربية هو تحسين التدريس. بل إن جل تلك الإجراءات لم تر النور ولم تعرف سبيلها للتطبيق ميدانيا.

لنصل إلى التخلي غير الصريح عن اللغة العربية لغة للتدريس الأساسية في المنظومة؛ والمشكلة الفكر التلميذ المغربي، والدخول في عصر التعددية اللغوية في معارضة واضحة للنصوص القانونية الدستورية من جهة؛ وللدراسات البيداغوجية والتربوية من جهة ثانية. اتضح هذا الأمر مع وثيقة الرؤية الاستراتيجية 2015 -2030، فهي رغم اعترافها بأن ” اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ومقوم أساس من مقومات الهوية المغربية، علاوة على كونها اللغة الأساس والأولى للتمدرس، وأن تعزيزها وتنمية استعمالها ( الدستور- الفصل 5 ) في مختلف مجالات العلم والمعرفة والثقافة والحياة كان ومازال طموحا وطنيا ( الميثاق الوطني للتربية والتكوين – المادة 110 ): يتعين تقوية وضعيتها وتنميتها؛ وتحديثها وتبسيطها؛ وتحسين تدريسها وتعلمها، وتجديد المقاربات البيداغوجية ذات الصلة بها “[15].

لكن يبدو أن ” الرؤية الاستراتيجية ” جعلت هذه الديباجة الأدبية جسرا تعبر منه نحو المزيد من تهميش العربية ومزاحمتها باللغات الأجنبية تحت يافطة التنوع اللغوي تارة؛ والهندسة اللغوية تارة أخرى والتعدد اللغوي والتناوب اللغوي أحايين أخرى.

وهذا ما أعلنته الوثيقة دونما موارية ولا تورية، ففي نفس الصفحة نقرأ: ” انطلاقا من ذلك، فإن الهندسة المقترحة أسفله، تنوخي بلوغ الأهداف التالية:

– تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص في التمكن من اللغات[16]: فهما وشفهيا وقراءة وكتابة وتعبيرا؛ ومن ثم جودة التعلمات.

– جعل المتعلم عند نهاية التعليم الثانوي التأهيلي ( البكالوريا ) متمكنا من اللغة العربية؛ قادرا على التواصل باللغة الأمازيغية؛ متقنا للغتين أجنبيتين على الأقل؛ وذلك ضمن مقاربة متدرجة تنتقل من الازدواجية اللغوية ( العربية لغة أجنبية ) إلى التعدد اللغوي ( العربية + لغتين أجنبيتين أو أكثر )؛

– اللغة العربية لغة التدريس الأساس. ويتم تفعيل مبدأ التناوب اللغوي بالتدرج على أساس تدریس بعض المضامين أو المجزوءات باللغة الفرنسية في التعليم الثانوي التأهيلي على المدى القريب، وفي التعليم الإعدادي على المدى المتوسط، وباللغة الإنجليزية في التعليم الثانوي التأهيلي على المدى المتوسط.

– تنويع لغات التدريس، لاسيما باعتماد التناوب اللغوي لتقوية التمكن من الكفايات اللغوية لدى المتعلمين، وتوفير سبل الانسجام في لغات التدريس بين أسلاك التعليم والتكوين “[17]. وتمضي ” الرؤية “ في تقديم رؤيتها لهذه الهندسة المؤسسة على التعدد اللغوي منذ التعليم الأولي حيث فرض اللغة الفرنسية على الطفل من السنوات الثلاث الأولى؛ إضافة إلى العربية ثم اللغة الأم ( الدارجة أو إحدى اللهجات )!!

وفي السلك الابتدائي تتحدث الرؤية عن إلزامية اللغة العربية وإلزامية اللغة الأمازيغية وإلزامية اللغة الفرنسية وإدراج اللغة الإنجليزية!!! أي تلميذ يستطيع تحمل أربع لغات إلزامية إضافة إلى اللغة الأم ( لغة الأسرة والمحيط ) في سن مبكرة من العمر؟؟

وما هي الدراسات البيداغوجية المستندة إلى علم النفس المعرفي وإلى علوم اللسانيات واكتساب اللغات التي تقر بذلك وتسوغ هذه ” البعثرة ” اللغوية ( وليست الهندسة )؟؟ أليس هذا ” عنفا مقنعا ممارسا على المتعلم المغربي؟! ما هي المرتكزات العلمية التربوية في تشريع -هكذا- قرارات مصيرية متعلقة باللغة واكتسابها وفرضها على المتعلم المغربي؟

الأمر لا يقتصر عند هذا الحد، بل إن ما ميز سلوك صانع القرار التربوي هو نهج سياسة فرض الأمر الواقع؛ ويظهر ذلك جليا مع مشروع ” التدابير ذات الأولوية 2015-2018 ” والذي قيل إنه تطبيق للرؤية الاستراتيجية 2015-2030 على المدى القريب؛ فتم إقرار المسالك الدولية للبكالوريا بشكل فوري وسريع وتعميمها على جميع المؤسسات التعليمية؛ وحتى قبل المصادقة على القانون الإطار 17.51، فيدأ التعميم مطلع موسم 2016/2015 والقانون لم يصدر بالجريدة الرسمية إلا في 19 غشت 2019!!

كل ذلك تحت لافتة ” توسيع العرض التربوي “ وتنويع خيارات ومسارات التعلم، لكن تبقى النزعة الإدارية المنفذة هي المهيمنة مع إبعاد رؤية التوجيه التربوي والتخطيط التربوي والرأي التربوي البيداغوجي.

وهذا ما أكده القانون الإطار 17.51 وأضفى عليه صبغة الإلزام القانوني مکرسا للهيمنة اللغوية الأجنبية في سن مبكرة لدى المتعلم. جاء في المادة 31 من وثيقة القانون الإطار:

– إرساء تعددية لغوية بكيفية تدريجية ومتوازنة تهدف إلى جعل المتعلم الحاصل على البكالوريا متقنا للغتين العربية والأمازيغية، ومتمكنا من لغتين أجنبيتين على الأقل؛

– إعمال مبدأ اللغوي في التدريس كما هو منصوص عليه في المادة 2 أعلاه؛

– العمل على تهيئة المتعلمين من أجل تمكينهم من إتقان اللغات الأجنبية في سن مبكرة، وتأهيلهم قصد التملك الوظيفي لهذه اللغات، وذلك في أجل أقصاه ست سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون الإطار حيز التنفيذ “[18]. وفي واقع الحال هناك توجه محموم متسارع نحو الفرنسة والفرنكفونية؛ وإن كان تحت مسمى التعددية اللغوية. فما آثار هذه الاختيارات المضطرية في السياسة اللغوية على المتعلم والمنظومة ككل؟

3- المآلات المتوقعة: ضعف في المخرجات؛ وتأثير على القيم

هذا ليس حكم قيمة ولا رجما بالغيب؛ ولا نظرة سوداوية تينيسية، بل هي النتائج المتوقعة بناء على المقدمات المعلن عنها؛ وهذه تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ناطقة فصيحة صريحة بضعف مخرجات المنظومة التربوية في مجال اللغات كلها: العربية الرسمية والأجنبية.

في ظل الهندسة البيداغوجية القائمة، أما إذا أضفنا إلى ذلك إجراءات الهندسة اللغوية الجديدة، وتفاصيل التناوب اللغوي والتعدد اللغوي، فإن ذلك سيكون على حساب مزيد من تقليص عدد ساعات اللغة العربية؛ ولا يخفى على المتخصص ما يحدثه ذلك على المستوى الديداكتيكي في بناء المعارف اللغوية وتدریس مکونات العربية من تعبير وقراءة وكتابة وتراكيب وصرف وإنشاء، ثم هذه أيضا نتائج الاختبارات الدولية ماثلة أمامنا تبين ترتيب التلميذ المغربي في اكتساب اللغة.

ناهيك عن الإرهاق النفسي والعقلي والجسمي الذي يسببه إفحام تعلم أربع لغات بالسلك الابتدائي للمتعلم، فالبحوث والدراسات التربوية تثبت أن التعليم باللغة الأم خاصة بالسلك الابتدائي هو الأجدى، ومعلوم في الأدبيات التربوية أن تعلم المفاهيم واكتسابها بلغة أجنبية يمر بالمراحل التالية:

– فهم سياق النص باللغة الأجنبية؛

– تحويله وترجمته ذهنيا إلى اللغة الأم للمتعلم؛

– فهم المحتوى العلمي للنص بلغته الأم؛

– اختصار النص بلغته الأم ووضعه في قالب صالح للكتابة؛

– ترجمة النص إلى اللغة الأجنبية لتدوينه.

وفي هذا من العسف والعنف الممارس على نفسية وذهن المتعلم ما لا تخفي آثاره وعواقيه التربوية اکتسابا وتحصيلا للكفاية اللغوية والتواصلية.

كما أن اللغة هي وعاء للفكر، واللغة حمالة قيم بنصوصها ومعجمها وتركيبها وصورها السيميائية والدلالية، ولا ينكر هذا منكر، فالتمكين اللغة الفرنسية في المنظومة التربوية والإدارة والمرافق العامة: أكثر بكثير من لغة أجنبية أو لغة تعليم محايدة، ” إنها تؤطر وتطبع العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها القديمة، خاصة في المغرب العربي؛ حيث تمثل فرنسا الشريك الاقتصادي والسياسي- الاستراتيجي الأول والمستثمر الأول والمكون الأول للأطر العليا المغربية بالخارج، وتظل الفرنسية أداة التواصل الاعتبارية وأداة الانتقاء التعليمي والاجتماعي والمهني. وتمثل النخب التي تكونت في المدارس الفرنسية: الأطر المتحكمة في السياسة والاقتصاد والأمن والجيش، وهي متشبعة باللغة الفرنسية وثقافتها في مختلف المجالات؛ بما في ذلك التدبير الإداري “[19].

إن هذه الاختبارات اللغوية المنمقة بعبارات براقة؛ يضر باللغة الوطنية الرسمية، كما يعمل على ضرب المخزون القيمي الاستراتيجي للمجتمع المغربي، ولعل الناظر الفاحص يلمح تراجعا في مدخل القيم المعتمد في الوثائق الرسمية؛ فرغم اعتراف الرؤية بمرجعية الميثاق وما تلاه من وثائق متهاجية؛ خاصة ” الكتاب الأبيض “ وتنصيصه على مدخل التربية على القيم وفي مقدمتها: قيم العقيدة الإسلامية السمحة، نجد تغييبا لها في وثيقة الرؤية أو القانون الإطار والاكتفاء بذكر القيم الوطنية فقط! فهل الأمر مجرد سقط وسهو؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

كما أن إقرار الفرنسة منذ السنوات الأولى كلغة للتعليم والتدريس يضر بالاختبار العالمي الذي يقر بوجود لغة أخرى للعلم؛ لغة عالمية شاملة global language؛ تسلم بذلك جميع الدول المتقدمة بما فيها دول الاتحاد الأوروبي. مما يضرب العدالة اللغوية والإنصاف اللغوي في الصميم.

إن السياسة اللغوية من صلب السياسة التعليمية؛ وإذا لم تتصالح هذه الأخيرة مع الهوية الحضارية والثقافية للمجتمع المغربي؛ وتنطلق من الأسس والمرتكزات الناظمة لهذه الهوية، وفي مقدمة ذلك اللغة العربية والدين الإسلامي الحنيف، فإن الحالات الناتجة عن مقدمات فاقدة للبوصلة؛ وغير منسجمة، مرتكزات هذه الهوية توشك أن تكون غير مبشرة. ولا سارة. وتخشى أن نبقى أساری تضس نتائج المشاريع السابقة التي لم تستو على سوقها ولم تؤت أكلها.


[1] – كان يطلق عليه الأبتدائي الأول

[2] – مادي الحسن، السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل. ص: 48

[3] – غزالي محمد، الإصلاحات التعليمية بالمغرب، دراسة على مستوى الوظائف والمكونات 1956-2001. منشورات جامعة الحسن الأول. سطات. الطبعة الأولى 2014 ص: 187

[4] – السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل، مرجع سابق، ص 51

[5] – عقدت بمركز المعمورة ضواحي الرباط بإشراف الحكومة ووزارة التربية الوطنية منتصف شهر أبريل 1964. وضعت ازيد من 400 معتل المختلف التنظيمات السياسية والاجتماعية النداء التربوي

[6] – المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، قرارات المناظرة الوطنية حول التعليم أبريل 1964. نقلا عن غزالي محمد، الإصلاحات التعليمية بالمغرب، ص: 188. والنظر المكي المروئي، الإصلاح التعليمي بالمغرب 1956-1994. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط الطبعة الأولى 1994 ص: 41

[7] – انظر حمداوي محمد، إصلاح التعليم في المغرب: أين الخلل؟ الفتاه التربوي، أول النداء، العدد 18، 1432 ه / 2011 م

[8] – المملكة المغربية، الوزير الأول، كتابة الدولة في التخطيط والتنمية الجهوية مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ( 1980- 1978. منشورات کوئر، الدار البيضاء ص 246 النداء التربوي

[9] – العطار عبد الرحمن، الارتباك والتخبط سعة القرار السياسي التعليمي بالمغرب، دراسة منشورة بموقع النقابة الوطنية لمفتشي التعليم، www.synd_inspect.hostmaroc.net تاريخ الاطلاع 1 نونبر 2019 على الساعة 00: 14h

[10] – انظر مجلة النداء التربوي: العدد 14218 ه / 2000

[11] – المركز الثاني

[12] – المادة 111 من الدعامة التاسعة.

[13] – المادة 112 من المادة التاسعة.

[14] – المادة 114 من الدعامة التاسعة.

[15] – المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030 ( 2015 )، ص: 37 الرافعة 13 )

[16] – يلاحظ الحديث عن اللغات ” على قدم المساواة؛ لا فرق بين اللغتين الوطنيتين الرسعيتين واللغات الأجنبية

[17] – الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، ص: 38.

[18] – المملكة المغربية، الجريدة الرسمية عدد 6805 بتاريخ 17 ذو الحجة 1441 ه / 19 غشت 2019 م

[19] – د. الفهري الفاسي عبد القادر، ثلاثية لغات الألفية الثالثة في المدرسة المغربية وثلاثية الإنصاف والفعالية والشجاعة مجلة عالم التربية عدد 2016/26 ص: 26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.