منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(10) القضية الفلسطينية والمشترك الإسلامي المسيحي | طباع اليهود ومخاطر التطبيع

الدكتور عبد الحليم أيت أمجوض

0

ليس من المبالغة القول بأن الجدل العقيم استبد بالقضية الفلسطينية زمنا طويلا جاعلا من هويتها قضية بدل القضية، فأغرق الناس في فلسفة الواقع والبحث عن عنوان، فما لبثت أن استنزفت الساحة الفكرية وتبددت الجهود المبذولة حين سعى كل طرف إلى تعليبها لتخدمه، لا ليخدمها، فقضي في نهاية المطاف على الكثير من حرارة القضية وحيويتها في الواقع؛ لولا شرارة القدس وصمود المقاومة.

إنها قضية إسلامية مسيحية مشتركة لا ينبغي أن تتنازعها العناوين بقدرما يجب البحث عن الخيوط التي تربط بينها لتنسيق الجهود من أجل إنقاذ شعب غريق يكاد يختنق من التنظير السلبي المجرد الذي استمر لأزيد من نصف قرن، بينما تحصد آلة الدمار الأرواح كل يوم[1].

وقد كان لهذا المطلب صدى أثمر تعاونا تجلى بوضوح أكثر في الدفاع المشترك عن القدس، نظرا لأولويتها ورمزيتها ولما تبين سلفا من مكانتها، فخصصت لها العديد من اللقاءات والمؤتمرات الإسلامية المسيحية، مثل “الندوة العالمية حول القدس الشريف وتراثها الثقافي في إطار الحوار الإسلامي المسيحي”[2]، “والندوة الدولية لشؤون القدس”[3]، “ومؤتمر مسلمون ومسيحيون من أجل القدس”[4]، وغيرها كثير…

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الحضور الباهت للمسيحية الغربية في النضال من أجل فلسطين، بل حتى القدس بالرغم من مكانتها، مقارنة مع نظيرتها العربية؛ إذ غالبا ما تكون مطالبات الطرف المسيحي الغربي شعارات عامة من قبيل: ضرورة تضافر جهود القادة السياسيين والدينيين من أجل السلام، وأن تكون القدس مفتوحة أمام أتباع الديانات السماوية الثلاث من أجل ممارسة شعائرهم المرتبطة بإبراهيم عليه السلام، مع شجب في بعض الأحيان للإجراءات الصهيونية التعسفية والاستيطان وعمليات تهويد القدس[5]، بل جاء في نشرة الفاتيكان الاكتفاء بالقول: “لا نملك وسائل لحل هذه القضية المستعصية[قضية فلسطين][6].

ولذلك نعيد طرح السؤال حول موقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية، وعن موقف السيد المسيح من الفلسطينيين المشردين المطالبين بحق العودة إلى ديارهم المغصوبة، مع العلم بأن الفاتيكان من وجهة نظر الكاثوليك يمثل كلمة السيد المسيح التي هي كلمة الله عندهم[7].

المزيد من المشاركات
1 من 62

ومع أن بعض المسيحيين الغربيين، حتى البروتستانت منهم، يقرون في بعض الحوارات الخاصة بمشروعية القضية وفداحة تسلط اليهود[8]، فإن هناك من يصر على أن الكيان الصهيوني بات أمرا واقعا، وينسى هؤلاء بأن الشيطان أيضا أمر واقع في اعتبار جميع الأديان السماوية، ومع ذلك لا يقر أحد بالاعتراف بمشروعية وأحقية ما يدعو إليه، بله شرعنة اتباعه.

ولهذا يرجى أن يعمل المسيحيون العرب على إقناع إخوانهم الغربيين باتخاذ موقف واضح من الاحتلال اليهودي، وإيقاف الدعم المقدم للصهاينة المعتدين، لأنه اعتداء بالواسطة[9]، خاصة وأن اليهود عملوا على تشريد المسيحيين وتهجيرهم من مناطق كانت تضم أكثرية مسيحية، كي تقدمها للعالم الغربي على أنها مناطق يهودية ينازعهم عليها المسلمون في سياق ما يوصف به الإسلام زورا من إرهاب وظلامية[10].

وأيا كان فلا ينبغي، من باب الإنصاف، مؤاخذة المسيحيين العرب بجريرة تخاذل إخوانهم، بل لا بد من تثمين الجهد الذي يبذلونه لمناصرة القضية الفلسطينية ومدينة القدس، بما في ذلك أنشطة وبيانات الهيئة الإسلامية المسيحية التي اعتبرت قضية القدس والسيادة العربية عليها من أبرز القضايا التي جعلت من الحوار الإسلامي المسيحي أحد المرتكزات الوطنية والاجتماعية في مواجهة مختلف الأحداث والقضايا التي تمر بها الأمة العربية[11]، ومن هذا المنطلق اعتبر آخرون أن للإسلام والمسيحية العربية في القدس قاعدة مشتركة لتعميق التلاقي وتأصيله في مواجهة مخطط التهويد الذي يستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية معا[12].

ولهذا أكدت الهيئة الإسلامية المسيحية على أن إعادة السيادة العربية على المدينة المقدسة هو التعبير الحقيقي عن جوهر السلام العادل الذي تؤمن به شعوب الأمة العربية من مسلمين ومسيحيين[13]، وأجمعوا بالمثل على اعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وعليه أدانت اللجنة الإسلامية المسيحية، في اجتماعها في 17/4/1990م، موقف الكونغرس الأمريكي بشأن القدس واعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني[14]، وفي السياق نفسه أكد مؤتمر”مسلمون ومسيحيون معا من أجل القدس” أنه لن يعترف بشرعية أي ممثلية أو بعثة أجنبية لدى الكيان الصهيوني تتخذ من القدس مقرا لها، وإن حصل ذلك فإنه يعتبر عملا عدائيا عند الجميع، كما دعا مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي في الإسكندرية الولايات المتحدة الأمريكية خاصة إلى عدم نقل سفارتها إلى القدس[15].

ومع ذلك فينبغي أن تسند الأقوال الأفعال، ولا يكتفى ببيانات الشجب والإدانة على أهميتها، بل لابد من الوقوف سدا منيعا أمام الاعتداءات الصهيونية على المقدسات، واستمرار بناء المستوطنات وعملية تهويد القدس؛ إذ بالرغم من دخول الكيان الصهيوني في اتفاقيات السلام، ما زالت مستمرة في بناء المستوطنات والتهويد المبرمج لمدينة القدس؛ بل مستفزة باستمرار لمشاعر الأحرار في العالم؛ ويحضرني هنا على سبيل المثال مشهد مؤتمر حوار الأديان الذي جرى في نونبر 2008م[16] بصبغة أممية في قاعة الأمم المتحدة بنيويورك، بدعوة من العاهل السعودي ومشاركة خمسين من زعماء الدول على رأسهم رئيس الدولة العبرية جزار قانا شمعون بيريس ورئيسة الوزراء ليفني التي قادت إبادة غزة بعد أيام من المؤتمر، فظهر بعد ذلك أنه كان حفل شكر للكيان الصهيوني على مجهوداته في سياق تطهير الأرض من المسلمين وتوقيع على بياض ومباركة للمجزرة والدمار الذي حدث من بعد[17]، ولذلك منعت وسائل الإعلام من التغطية الكاملة بالصوت والصورة احتراما لمشاعر الفلسطينيين والشعوب العربية… [18].

لم يجرؤ أحد، لا من زعماء المسلمين ولا من المسيحيين، على انتقاد القتلة الذين لبسوا أقنعة الحملان مسؤولي الدولة العنصرية المنتشين بعذابات المسلمين والمسيحيين من أهل فلسطين، ولم يجرؤ أي منهم على التنديد بالتطهير العرقي والتجويع والحصار الذي يتعرض له الفلسطينيون، ولا التنديد بالتحضير لهدم المسجد الأقصى، بل بارك الجميع إزالة مقبرة “مأمن الله” في القدس، والتي تضم قبور الصحابة الذين فتحوا القدس، ورفات المجاهدين من جيش صلاح الدين الأيوبي، وعدد من العلماء والقضاة والسياسيين المسلمين الذين تركوا بصماتهم في فلسطين، وذلك كله من أجل إقامة ما يسمى بمتحف التسامح بين الأديان، أي تسامح هذا يقع فوق جماجم المسلمين؟؟!![19].

وإنا إذ نثمن مواقف المسيحيين المناصرين للقضية الفلسطينية على الدوام؛ ندين الاصطفاف المخجل لبني جلدتنا مع بني صهيون؛ فهل يدرك المطبعون مدى فداحة الذنب، أم تأخذهم العزة بالإثم ؟؟؟ ألا فليسقط التطبيع قبل فوات الأوان…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

 ((يُتبع في المقال (11) بعنوان: “قدس الأقداس الصامدة الملهمة“))


[1] – محمد حسين فضل الله، حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع، إعداد وتنسيق نجيب نور الدين، ص:436-437.

[2] – المؤتمر الرابع للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية، إسيسكو، والمنعقد بالرباط في:19-21/10/1993م، تحت رعاية العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، المنتدى، نونبر/ دجنبر، 1994م، ص:18-21.

[3] – عقدت بروما بحضور عدد من ملتقى الكنائس في أوروبا وقادة المراكز الإسلامية، صحيفة الدستور، عدد:10669، ليوم:7/5/1997م، ص:4.

[4] – عقد في بيروت، 14-16/6/1996م، آفاق الإسلام، السنة الرابعة، عدد:3، شتنبر1996م، ص:17-19.

[5] – وليم سليمان، الحوار بين الأديان، ص:61-62.

[6] – بسام عجك، الحوار الإسلامي المسيحي، ص:389.

[7] – محمد حسين فضل الله، في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، ص:455.

[8] – انظر حوار منشور بجريدة النهار اللبنانية، بتاريخ: 25 ربيع الثاني 1413هـ/ 21 أكتوبر 1992م، بين السيد محمد حسين فضل الله وثلاث شخصيات من المسيحيين البروتستانت، وهم: المشرف العام في مؤسسة “الرؤيا العالمية” الأمريكي طوم غوتمان والقسيس الهولندي هرمان وأستاذ اللاهوت ليندل بولينغ.

[9] – صفوت وصفي، مؤتمر”مسلمون ومسيحيون معا من أجل القدس”، البيان، العدد:108، يناير1997م، ص:69.

[10] – محمد مهدي شمس الدين، الحوار الإسلامي المسيحي؛ نحو مشروع للنضال المشترك، ص:73-74.

[11] – مذكرة الهيئة الإسلامية المسيحية حول تصريحات جون أكونور بشأن قضية القدس في أرض الإسراء، عدد:162، 4/1992م، ص:92.

[12] – محمد السماك، مقدمة إلى الحوار الإسلامي المسيحي، ص:145.

[13] – مذكرة الهيئة الإسلامية المسيحية إلى المؤتمر الإسلامي الثالث والعشرين لوزراء الخارجية، صحيفة النهار، 19/12/1995م.

[14] – انظر: البيان، في أرض الإسراء، العدد:143، 6/1996م، ص:30.

[15] – نشرة اللجنة الملكية لشؤون القدس، رقم:254، 31/07/1995م، ص:67.

[16] – اختتم أعماله الجمعة 14/11/2008م.

[17] – في حرب غزة المروعة خلال دجنبر 2008م ويناير2009م، والتي راح ضحيتها الآلاف من الجرحى ومئات الشهداء، فضلا عن التدمير الكامل للبنية التحتية والأحياء السكنية…

[18] – علاء أبو صالح، التطبيع السياسي في مزاد حوار الأديان، منشور بتاريخ: 19 ماي 2009م، على الموقع:

http://hebron2007.maktoobblog.com/1463495.

[19] – صلاح حميدة، حوار الأديان وصلاح الدين الأيوبي، منشور بتاريخ: 05 يونيو 2009م، على الموقع:

http://www.aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.