منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دولة الإنسان (2) : مبدأ الشورى

0

مقدمة:

نستحضر ونحن بصدد تفكيك بعض مبادئ العمل السياسي الإسلامي، أن المجال التاريخي المقصود بهذا التبصر، هو فترة النبوة والخلافة الراشدة، على اعتبار أن هذه الفترة هي التي تجسد مرحلة الفقه السياسي المنزل، وهو المعبر حقيقة عن مقاصد الشريعة الإسلامية.

إن أي خلط بين هذه المرحلة والمراحل التي جاءت بعدها، يؤدي بالضرورة إلى حدوث خلل في النتائج، لأننا سنجد بسهولة ويُسر شواهدَ من تاريخ المسلمين في المراحل اللاحقة، تُثبت عكس ما نستنتجه من مبادئ سامية خلال المرحلة النبوية والراشدية.

هذا التدقيق غاية في الأهمية لأنه من جهة ينطوي على حكم ونقد ذاتي ولا يتقبل ببساطة جميع الممارسات السياسية التي تمت باسم الإسلام وهذا العنصر مهم في سياق الفهم وإعادة البناء؛ ومن جهة أخرى لأنه يحيل على المبادئ السامية المنزلة وهو بذلك يرسم الصورة المثلى للشريعة وينتصر لها ويؤكد على صلاحيتها.

في المقال الأول تحدثنا عن مبدإ العقد الاجتماعي، في هذا المقال حديث عن مبدإ سام ومهم جدا، هو مبدأ الشورى.

المزيد من المشاركات
1 من 70

 http://رابط المقالة الأولى: https://islamanar.com/le-principe-du-contrat-social/

 

المبدأ الثاني: الشورى

إذا كان مبدأ العقد الاجتماعي مرتبطا بالإنسان من حيث كونُه الإطار الذي يضمن له المشاركة بالاختيار والمحاسبة فإن مبدأ الشورى مرتبط بالإنسان من حيث أنه روحُ هذا التعاقد، ومن حيث كونه سبيلا للإشراك، والإشراف.

إن واحدة من نقائص الديموقراطية في بعض صورها الحالية، أنها قد تؤخر المحاسبة والمتابعة إلى غاية الموعد الانتخابي، وأن المنتخب يصير في حالة انتخابه وإن على أرضية تعاقد واضحة، في حِلٍّ من الإشراك ومنأى عن المتابعة والإشراف، وهذا مظهر قصور من جهتين: من جهة إمكانية جعله العقد صوريا فقط، ومن جهة تحمل الحاكم وحده المهام التي كلف بها، والحال أن الشورى هي نوع من المتابعة الحثيثة للعقد، كما هي إشراك للمستشار في المهام..

هذا المبدأ الهام، يرتكز في الفقه السياسي المنزل على قواعد واضحة نذكر منها قاعدتين اثنتين:

1ـ الإلزام

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

إذا كانت الشورى مظهر الاختيار الحر، ينتج عنها الرضى التام، فإن الفقه السياسي المنزل جعلها بذلك مرحلة إلزامية مُلزمة، ولا معنى لأي عقد بدونها، وهي بهذه القاعدة تتميز عن أن تكون سياسة تنميق وتزويق وادعاء للإرادة الحرة، وتُحقِّقُ مساهمة الجميع في الرأي مباشرة أو عبر “العُرفاء” وهم ممثلو الأمة كما سيأتي، وقد كانت هذه القاعدة واضحة في تصور المسلمين وممارستهم، يفهمون هذه الإلزامية تلقائيا من قول الله تعالى:” وأمرهم شورى بينهم” (الشورى:38) ومن أمره جل وعلا لنبيه الكريم: “وشاورهم في الأمر” (آل عمران 159) ، جاء في تفسير الآية:” واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق في الحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها”[1].

لقد كانت إلزامية الشورى خلال هذه المرحلة من الأولى من تاريخ الفقه السياسي، واضحة جلية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا”.[2] وفي نص آخر “من دعا إلى إمارة نفسه من غير مشورة المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه”.[3] وإن من الانتكاسات التي عرفها الفقه السياسي الإسلامي، الحديثُ لاحقا عن حمل الأمر الوارد في الآية “وشاورهم في الأمر” على الاستحباب بدل الوجوب، وصرفها إلى الإعلام بدل الإلزام.

هذا الإلزام كما نرى، لا يستثني أحدا، بل إنه في بعض مظاهره الرائدة، يشمل استشارة غير المسلمين من أهل الحصون التي يعاهد حكامها المسلمين، فيستشارون في العهد إن كانوا يرضون به أم يجبرون عليه، كما يشمل المرأة والكبار والصغار ..كان عمر رضي الله عنه “يستشير في الأمر حتى إنه كان يستشير المرأة، فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به”[4]  وكان له مجلس شورى يحضره الكبار والصغار من أهل العلم، قال الزهري: “كان مجلس عمر مغتصا من القراء شبابا كانوا أو كهولا، فربما استشارهم”[5]

2 ـ الإشراك

إن وظيفة الشورى لا تقتصر على اختيار الحاكم، بل تتعدى ذلك إلى مشاركته مهامه ووظائفه، وهي بذلك تضمن المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، فتكون آلية لصناعة حيوية المجتمع وتهممه وفاعليته، ولترسيخ سموه ورفعته، لا تحجبه مقامات الحكام عن أن يدلي برأيه في جميع ما يهم الأمة بلا قيد ولا شرط، ولا خطوط حُمر أو صُفر، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جلَّى للأمة على الحقيقة معنى “وشاورهم في الأمر”، في سنته المبينة للقرآن الشارحة له المُوضِّحة، فكان لا يقطع أمرا دون شورى الأمة فيما كان أمرا عاما، وكان يُشركهم في القرار ويأخذ برأيهم وإن خالف رأيه، ففي غزوة أحد مثلا، كان رأيه أن يبقى في المدينة، وكان رأي الأغلبية أن يخرجوا إلى القتال، فنزل على رأيهم، وفي ذلك يقول ابن كثير: “وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه” وقال أيضا:” فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل ولبس لامته، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك.”[6]

إن من مظاهر الإشراك المثالية، نظامُ العرفاء، أو ما يصطلح عليه اليوم بممثلي الأمة، ومن النصوص المؤسسة لهذا النظام، استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس جميعا في رد أموال هوازن عليهم، فقد قام فيهم خطيبا فقال:”أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يُطَيِّب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيبنا بذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم” فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا”[7]

هذا الحديث، بالإضافة إلى كونه دليلا على الشورى وإلزاميتها وعمومها وقاعدة الإشراك فيها، يؤصل لنظام العرفاء، وقد جعله البخاري رحمه الله ضمن باب بعنوان (العرفاء للناس) في كتاب الأحكام، وقال ابن بطال في شرحه: “في الحديث مشروعية إقامة العرفاء، لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه..”[8]

والعرفاء هم ممثلو الأمة والنواب عنها.

خاتمة:

لقد كان واضحا في مبادئ الفقه السياسي المنزل، المطبق في عهد النبوة والخلافة الراشدة تحديدا، أن “الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ـ وأنَّ ـ من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا مما لا خلاف فيه”[9] وإن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تفعيلها في صغير الأمر وكبيره مع عامة الناس وممثليهم وحرص صحابته بعده على ذلك، ليؤكد على إلزاميتها.. إن هذا المبدأ يؤكد مركزية الإنسان في القرار السياسي وأنه مبدأ الحكم ومعاده، وهو ما يفضي إلى تأكيد الفرضية التي ننطلق منها، وهي أن دولة الإسلام، دولة إنسان. وإننا اليوم وسط هذا التيه أحوج ما نكون في سياق إعادة البناء إلى الحرص على تفعيل هذا المبدأ في جميع المراحل وكل المكونات، بدءا من الأسرة الصغيرة، إلى مهام الفرد والمؤسسات، فالشورى روحٌ أخلاقية أكثر منها إجراء قانوني شكلي.

[1]  أبو عبد الله، القرطبي. الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1964 م، ج4 ص250

[2] رواه البخاري عن عبد الله بن عباس، رقم الحديث 6830

[3]  المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، 1981م ج5 ص 778

[4]  أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، ط3، 2003 ج10 ص 193

[5] أبو محمد البغوي، شرح السنة، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثانية 1983م، ج10 ص 120

[6] ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان الطبعة: الأولى، 1997 م، ج5 ص 349

[7]  رواه البخاري عن المسور بن مخرمة، رقم الحديث 2307

[8]  ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة – بيروت، 1379، ج13 ص 169

[9] شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية – القاهرة الطبعة: الثانية، 1964 م، ج4 ص 249

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.