منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مواصفات العالم الرباني القدوة

0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

الإسلام دين الله الخالد، حبلُه موصولٌ بين السماء والأرض بوصلة النبوة والرسالة، موصول بين الأجيال الإسلامية بواسطة ورَثةِ النبوة، حَمَلَةِ الرسالة، علماء الأمة الربانيين، الذين يذكُونَ فيها جِذوَةَ الإيمـان، ويُربون، ويُعلمون، ويُجددون ما بَليَ من عقيدة، وما فسَد من أخلاق، وما تبَلَّد من عقول، وما فَتَر من همم[1].

قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )[2]. عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِى دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ »[3].تَمْثِيل الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْثِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع، وَكَذَلِكَ النَّاس:

وَكَذَا النَّوْع الْأَوَّل مِنْ النَّاس، يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْم فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبه، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ غَيْره، فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ

وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي مِنْ النَّاس، لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة، لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَام ثَاقِبَة، وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْل يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَام، وَلَيْسَ عِنْدهمْ اِجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل بِهِ، فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم، أَهْل لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاع، فَيَأْخُذهُ مِنْهُمْ، فَيَنْتَفِع بِهِ، فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ.

وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ النَّاس، لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة، وَلَا أَفْهَام وَاعِيَة.

  تأصيل للمفهوم:

إطلاق صفة الرباني على العالم كان دارجا في القرون الأولى؛ عن كميل بن زياد قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال: يا كميل بن زياد القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للعلم، احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق[4].

قال علي رضي الله عنه: ” أنا ربانيُّ هذه الأمة “[5].

قال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة”[6].

الربانية من المفاهيم القرآنية العميقة متعددة المعاني والدلالات، وقد وردت في تعريفها نصوص وشواهد عن السلف تلتقي عند تفحصها حول معانٍ أربعة كبرى يكمل بعضها بعضاً، وتضعنا بمجموعها أمام تعريف دقيق للمفهوم، وهي كالآتي:

 المعنى الأول: الكمال الروحي.

الربانية لغة مصدر صناعي منسوب إلى «الرب»، قال علي رضي الله عنه: ” أنا ربانيُّ هذه الأمة ” والجمع ربانيون”[7].

ويطلق على الإنسان أنه «رباني» إذا كان وثيق الصلة بالله، كامل المعرفة والعبودية له سبحانه، قال الإمام الرازي رحمه الله: الرَبَّانِيُّ: المُتَأَلِّهُ العارف بالله تعالى[8].

فالمعنى المأخوذ هنا أن الربانية تعني إخلاص الوجهة لله تعالى نية وعملاً وكمال المعرفة وعلو الكعب في العبادة لله تعالى. على النحو الذي يصبح فيه الرباني بعقيدته وتفكيره وسلوكه دالا على الله، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»[9].

ومما لاشك فيه أن العالم عندما يصل إلى مرحلة أن يسمع بالله ويبصر بالله و..فإنه يقيناً سيكون داعياً إلى الله بحاله قبل مقاله، مربيا بمثال سلوكه مربيا بكلمته مربيا بفكره.

وهذا المعنى هو عينه المقصود من نسبة بعض علماء اللغة لفظ الربانية إلى (التربية)، من ربَّ يُرب، وربى يربي معناهما أنمى وزاد. فنفهم التربية بالمعنى الشامل وظيفةً للرباني الداعي إلى الله.

فبالجمع بين المعنيين نكون قد وقفنا على تعريف جامع للرباني، عبر عنه الأستاذ عبد السلام ياسين بقوله: “الرباني رجل مؤمن محسن، يربي الناس برفق، ويزيد في معنوياتهم ويبعث لهم حياة روحية”[10].

نقف هنا على أساس مكين للعالم الرباني ألا وهو التربية باعتبارها مفتاح أصيلا لباب العلم الواسع فهي تجلب له المدد والسند، والتوفيق الإلهي لعدة اعتبارات:

  • العلم الحق الذي مرية فيه، النافع دنيا وأخرى هو العلم بالله عز وجل:” فاعلم أنه لا إله إلا الله”[11].

فهذا هو العلم الجدير بحمل صفة العلم بصيغة المفرد وبـ” أل” الدالة على التعريف والتخصيص.

  • روح العلم وباعثه ودليله العبودية لله تعالى:

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[12].

ليس العلم النافع ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة. قال مالك رحمه الله: «ليس العلم بكثرة الرواية. إنما العلم نور يضعه الله في القلب». نور! وروى الإمام أحمد عن أبي جحيفة قال: «سألنا عليا رضي الله عنه هل عندكم (يعني آل البيت) من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن» الحديث. فهم!

العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية.

  • التربية ثم التربية ثم التربية هي المطلب المحوري للأمة.

من كان يوصي بمزيد من “الثقافة الإسلامية” ومزيد من المعاهد والكتب والعلم فنحن معه لا نعارض بل نحبذ ونشعر بالحاجة الملحة إلى تنوير العقل بالعلم. لكن الجهاز العلمي يتحول ركاما إن ابتعد في مفاهيمه ومقاصده، ويصُبّ في نهر داء الأمم تراكمه، إن حاد عن القرآن ومقعد القرآن وهدف القرآن، ألا وهو الإيمان والإحسان. في الفقه القرآني يستوطن الإيمان في القلوب فتَتَنَوَّرُ أو يدخلها ظلام الكفر والنفاق فتسود. والعقل بعد ذلك والعمل الفردي والاضطراب الجماعي في الأرض والتاريخ تَبَعٌ ونتيجة وجزاء[13].

  • التلازم بين العلم والإيمان:

المزيد من العلم و”الثقافة الإسلامية” دون تربية الإيمان المبنية على فقه القلوب قد يساعد على نوع من يقظة العقل ووعي العقل ونشاط العقل، ومتى لم يدخل الإيمان في القلوب فالأعرابية الفكرية لن تخدع الله سبحانه المطلع على القلوب المحاسب على نياتها السائق بسنته في التاريخ الناس جميعا إلى مصائرها[14].

  • الأسبقية الاعتبارية للاقتباس القلبي التربوي على التلقي العقلي التعليمي.

وقد كان جماعة من السلف يقصدون البعيد الصالح للنظر إلى سمته وهديه. لا لاقتباس علمه. وذلك أن ثمرةَ علمه هديُه وسمتُه”[15]، والواقف على كتب الطبقات، سواء منها طبقات الحنفية أوالمالكية أوالشافعية أوالحنابلة، يجدها تعج بذكر فطاحل العلماء الربانيين المبرزين في علوم الحديث والفقه والأصول الذين احتاجوا بعد استكمال طلبهم للعلم أو أثناء الطلب إلى من يرقق قلوبهم ويهذبها من العلل الباطنة الخفية.

فهذا إمام الحرمين مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، وارث حديث رسول الله صلى عليه وسلم، قال: ” كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأتعظ أياماً بنفسي”[16].

وهذا أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري رحمه الله تعالى، قال: عمرو بن قيس الملائي أستاذي. هو الذي أدبني وعلمني قراءة القرآن وعلمني الفرائض. وكان سفيان الثوري يجيء إلى عمرو ينظر إليه لا يكاد يصرف بصره عنه يحتسب في ذلك[17].

تواتر هذا الاحتياج الراقي عند علماء الدين الأولين نجد بعضاً من تفسيره عند الإمام الواعظ المحدث الحافظ عبد الرحمن بن الجَوزي رحمه الله تعالى حين قرر في كتابه” صيد الخاطر” الأسبقية الاعتبارية عند السلف للاقتباس القلبي التربوي على الاقتباس العقلي التعليمي: “رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين. لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء.وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم.وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟.وقد كان جماعة من السلف يقصدون البعيد الصالح للنظر إلى سمته وهديه. لا لاقتباس علمه. وذلك أن ثمرةَ علمه هديُه وسمتُه”[18].

ثم يمضي ابن الجوزي بأسلوبه الأخاذ في بسط الدليل الذوقي التجريبي على استنتاجه القيم الدقيق، والذي انتفعه من عِشْرَته لأصحاب القلوب النيرة الخيرة، الذين اقتبس منهم كنوز: المحبة والخوف والبكاء والصمت والتفكر والسمت الحسن واجتناب دقيق الإثم وجليله، حتى حصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط، يقول: ” لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبة العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه.

ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان ـ وأنا صغير السن حينئذ ـ يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد. وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقناً محققاً. وربما سئل الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت.

فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول”[19].

“الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول” قاعدة تربوية علمية ثمينة شيد على أركانها السلف الصالح عمران الوراثة القلبية الحُبِّيََّة الشاهدة الحية بين الناس. وكأنهم بسيرهم العطرة وتواضعهم الجم يرشدون الأجيال اللاحقة إلى أن التعليم العقلي اللساني جزء من المسألة لا كل المسألة. وأن ما قبله وما بعده تشرب نوراني قلبي متصل بين طالب صادق وعالم رباني متحقق ألقى الله عز وجل في قلوب المومنين حبه، ووضع له غاية القبول في الأرض.

    المعنى الثاني: الجمع بين العلم والعمل والتعليم.

جاء فيه قول الله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)[20]، قرأ أبو عمرو رحمه الله وأهل المدينة بالتخفيف من العلم. وقرأ سعد بن هشام بن عامر رحمه الله وأهل الكوفة ” تُعَلِّمُونَ” بالتشديد من التعليم[21].

فالربانية بنص الكتاب: علم وتعليم ودراسة، وعند الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: “قال الحسن وغير واحد: فقهاء”[22]. وقال أبو عبيدة: “سمعت عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة، وما كان وما يكون. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة”[23].

فنموذج الربانية هو ابن عباس رضي الله عنه في معرفته الكتاب وفي قدرته على تعليمه، ومعرفة الكتاب تقتضي معرفة بالسنة، فالمعنى المستفاد من تقييد العلم بالكتاب أن الربانية فقه وتعليم للدين، وليست كلاماً بشرياً أو فلسفة وضعية تناقض أصل الكتاب والسنة.

ثم يضاف إلى هذين المعنيين معنى آخر مكمل وملازم لهما، وهو العمل بمقتضى العلم، َقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ رحمه الله:”لَا يُقَال لِلْعَالِمِ رَبَّانِيّ حَتَّى يَكُون عَالِمًا مُعَلِّمًا عَامِلًا”[24]؛ إذ أن الرباني ما لم يكن متحققا بمقتضيات الأمر والنهي لا يستطيع أن يحققها في غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، ومجرد العلم بلا عمل إن لم يضر المؤمن لم ينفعه ولا ينجيه من عذاب الله؛ كذا تعليم الكتاب في عصر النبوة يدخل فيه تفهيمه والتحقق به، وذلك مقتضى الوراثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “من سمات الربانية الجمع بين العلم والعمل. أما العمل الضروري فهو الذكر والعبادة، وأما العلم فأعلاه معرفة الله تعالى، وقد يسلك طالب الحق الطريقَ بعد تحصيل العلوم العقلية والنقلية، ثم يفتح الله قلبه فيجمع له بين العلم المكسوب والعلم اللدني الموهوب…هذا الجمع هو كمال الكمال، وحاجة جند الله الناهضين لإعلاء كلمة الله في الأرض أشد ما تكون إلحاحاً إلى مربين ومعلمين ربانيين”[25].

على هذا النحو العملي تكون الربانية مرادفة لمعاني: العلم والتعليم والعمل.

  المعنى الثالث: الخلقية الحكيمة الرفيقة:

تأتي الربانية كذلك:

  • بمعنى الحلم، قال أبو رزين رحمه الله في الرباني: هو العالم الحليم[26].
  • وبمعنى الرفق، روي عن ابن عباس رضي الله عنه: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور”[27].
  • وبمعنى الحكمة. نقل عن سيدنا علي رضي الله عنه قوله:” الربانيون هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها”[28]. وروى شعبة عن عاصم عن زر رحمهم الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه “ولكن كونوا ربانيين” قال: حكماء علماء[29].

وواضح اتفاق هذه المعاني كلها على أصلٍ له مكان في التشريع الإسلامي، وهو مبدأ (التيسير والتدرج)، وقد بين الإمام ابن حجر رحمه الله هذا الأمر بياناً شافياً بقوله: ” وَالْمُرَاد بِصِغَارِ الْعِلْم مَا وَضَحَ مِنْ مَسَائِله، وَبِكِبَارِهِ مَا دَقَّ مِنْهَا. وَقِيلَ يُعَلِّمهُمْ جُزْئِيَّاته قَبْل كُلِّيَّاته، أَوْ فُرُوعه قَبْل أُصُوله، أَوْ مُقَدِّمَاته قَبْل مَقَاصِده”[30].

كما ربط الإمام الشاطبي بين الربانية ومعاني الحكمة والرفق..، فقال بعد كلام نفيس: “ويسمى صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ في العلم والعالم والفقيه والعاقل؛ لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره، ويوفي كل أحد حقه حسبما يليق به، وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه، وفهم عن الله مراده”[31].

الخلق الرفيق الحكيم كان حلية الأنبياء وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسيرته العطرة بطولها وعرضها شاهدة على كمال حلمه وشدة رأفته بالخَلْق، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ ».

ومن معاني الرفق والحكمة الصبر على تحمل مشاق التربية والتعليم، قال ابن القيم في سياق حديثه عن مراتب جهاد النفس: “الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين”[32].

وعلم هو الشر حين تكون النصوص سلاحا لتكفير المسلمين وتضليلهم[33].

هكذا تُحيط صفة الربانية من هذه الجهة بمعاني خلقية رفيعة: الرفق والحلم والحكمة والصبر والمثابرة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مبرزاً المقوم الخلقي للربانية:”الربانية إرادة مؤمنة تنظر إلى الله بالقلب المحسن وإلى الناس بالرحمة والمودة والرفق المربي”[34].

   المعنى الرابع: الشهادة والقيام بالقسط على النفس والواقع وعلى الناس أجمعين:

فطابقت أوصافهم الوصف الإلهي لأنبيائه في هذا البلاغ القرآني: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[35]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)[36].

تقول العرب “َرَبَّ زَيْدٌ الْأَمْر رَبًّا.. إذَا سَاسَهُ وَقَامَ بِتَدْبِيرِهِ”[37]. وقال أبو جعفر رحمه الله: وهذا القول حسن، لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة[38].

هذه الصفة الجامعة للرباني تنسجم إلى حدٍ بعيد مع مفهوم الشهادة والقيام بالقسط بين الناس المذكوَرين في آي القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)[39]، وقال عز وجل:(لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[40]. وقال سبحانه أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ)[41].

بهذا التحديد فقط تتخذ ربانية العالم معنىً غير معاني الرهبانية أو الدروشة أو الهروب من لفح الواقع؛ بل تتقمص بحسب نظر الأستاذ المرشد حفظه الله خاصية الحركية النشيطة الناجحة على كل المستويات، والحضور القوي المؤثر في كل مكان وفي كل ميدان، قال:”الرباني نموذج ماثل شاهد يملأ العين، ويملأ مجال الفكر والعمل بتؤدته وسمته ونورانيته”[42].

..وعلم هو عين الانسلاخ من آيات الله حين يرضي عالم السوء الناس بما يسخط الله، يريد ما عند الناس فتزل به القدم، فلا ينتبه إلا وقد أصبح لعبة للشيطان

ولما استقال العالم عن شهوده وشهادته على كتاب الله وانكفأ منزويا يتحرك في حدود ما يأذن له به هوى الحاكم المتسلط بالسيف وترضاه له نزواته يبتغي الأمن والسلامة في المال والجسد توقفت عجلة مواكبته للواقع المتموج بالأحداث والقضايا وتفتت بذلك عقد الشخصية العلمية الربانية الوارثة، وتمزق تبعا لذلك الإرث النبوي الذي كان مجموعا مزعا مفتتة، وأشتات متناثرة تجلت نتائجها القاسية في جسم الأمة الإسلامية وقلبها وعقلها وسلوكها.، وهو ما أدى إلى تضخيم جوانب علمية ـ لها أهميتهاـ تخص الفرد مقارنة مع قضايا الحكم والسياسة والإجتماع..

” ما نزل إلينا من اجتهاد حافل لا يكاد يتجاوز الفقه العبادي الفردي والمعاملات الاجتماعية. عكف فقهاؤنا رحمهم الله على ذلك بعد أن عزلهم السلطان عن الحياة العامة، وأفردهم للفتوى في شؤون الناس اليومية”.

فالعلماء يستحقون صفة الربانيين إن هم:

  • تمثَّلوا في حياة الناس نماذج شاهدة لله وقائمة بحق الأمر والنهي:

قال الإمام علي كرم الله وجهه: ” العالم الرباني قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا مما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمنظر الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، ودعاته إلى دينه. هاه هاه شوقاً إلى رؤيتهم”[43].

  • تفتحوا على الكون والإنسان والحياة:

لهذا السبب وغيره قُيِّد تعليم الرباني بالكتاب، وأطلقت دراسة الرباني: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)[44].

إذا كانت قلوبنا متعلقة بالله عز وجل ورسوله وكتابه، فإن تفتحنا على الواقع إنما هو تفتح ذو مغزى، ذو دلالة، ذو وجهة. إنه تفتح على آيات الله في الكون، لا نرى العالم حركة سائبة مستقلة، إنما نراه ونرى أنفسنا في قبضة الله عز وجل. الكون مسخر لنا، ومن هذا المنطلق نكسب إن شاء الله تعالى وضوح الرؤية وثبات الخطى وسلامة التقدير[45].

وبذلك يمتد تأثير الرباني ليشمل أبعد آفاق الكون الفسيح، وليتمَّ له فهم وتعليم الكتاب المسطور على ضوء استيعابه وتقليبه لصفحات الكتاب المنظور.

    خلاصة: مواصفات العالم الرباني هي:

  • الروحانية العالية.
  • العلم المتكامل.
  • الخلقية الرفيقة.
  • الشهادة بالقسط.

بالتحلي بهذه الخصال الروحية الخلقية العملية يكسب الرباني نموذج العالم القدوة المربي في كل حالاته، مربٍّ بمثال نورانيته الكاملة، مربٍّ بعلمه، مربّ بمواقفه، مربّ بسلوكه، وهو ما يسهل باذن الله امتلاك الأمة لناصية التمكين والشهود في الأرض الذي أساسه:

  • بناء الشخصية العالمة الوارثة قلبا وعقلا وإرادة.
  • ربط العلاقة بين الباعث العلمي الأخلاقي الإيماني المتمثل في أمانة العالم، وبين وازع السلطان الممثل في الإمام العادل، أي ربط الدعوة بالدولة.

[1] ينظر رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، ص42- 44.

[2] – [آل عمران/79].

[3] ـ صحيح البخارى – (ج 1 / ص 152)

[4] ـ جمال الدين ابن الجوزي (597هـ)، صفة الصفوة،1/329 ـ 330

[5] – غريب القرآن للأصفهاني 1/184.

[6] – تفسير القرطبي 4 / 122.

[7] – غريب القرآن للأصفهاني 1/184.

[8] – الصحاح في اللغة 1/ 234.

[9] – صحيح البخاري، كِتَاب الرِّقَاقِ، بَاب التَّوَاضُعِ، (6021)، عن أبي هريرة.

[10] – الإسلام غدا، ص

[11] ـ سورة محمد 19.

[12] – سورة الأنفال، الآية: 29.

[13] ـ سنة الله، ص 47ـ48.

[14] ـ نفسه.

[15] – صيد الخاطر، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي 1 / 71.

[16] – ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض 1/ 55.

[17] – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني 5 /101.

[18] – صيد الخاطر، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي 1 / 71.

[19] – صيد الخاطر 1 / 46.

[20] – آل عمران: من الآية 79، واختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها ” تدرسون ” ولم يقل “تدرسون ” بالتشديد من التدريس.

[21] – واختاربالتشديد أبو عبيد. قال: لأنها تجمع المعنيين ” تعلمون، وتدرسون “. قال مكي: التشديد أبلغ، لان كل معلم عالم بمعنى يعلم وليس كل من علم شيئا معلما، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح.

[22] – تفسير ابن كثير 2/66. وكذا رُوِي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، وعطية العوفي، والربيع بن أنس

[23] – تفسير القرطبي 4 / 122.

[24] – فتح الباري لابن حجر 1 / 108.

[25] – ينظر الإحسان2/177-178.

[26] – معاني القرآن للنحاس 1 /428.

[27] – تفسير القرطبي4 / 122.

[28] – مجموع الفتاوى 1/ 61-63.

[29] – تفسير القرطبي 4 / 122.

[30] – فتح الباري لابن حجر1 /108.

[31] – الموافقات، 4 / 232.

[32] – زاد المعاد 3/5.

[33] ـ المنهاج النبوي، ص….

[34] – الإسلام غدا، ص617.

[35] – [الحديد/25].

[36] – [النساء/135].

[37] – المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 3 / 331.

[38] – معاني القرآن للنحاس 1 / 429.

[39] – المائدة، من الآية 44.

[40] – [المائدة/63]

[41] – المائدة، من الآية8.

[42] – الإسلام غداً، عبد السلام ياسين، ص308.

[43] – ينظر حلية الأولياء، 1/42، وصفة الصفوة، 1/ 57.

[44] – آل عمران: من الآية 79، واختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها ” تدرسون ” ولم يقل “تدرسون ” بالتشديد من التدريس.

[45] – مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.