منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القيادة اصطفاء وصناعة

د. رشدي بويبري/القيادة اصطفاء وصناعة

0

القيادة اصطفاء وصناعة

رشدي بويبري

تقديم:

يقع الاهتمام بموضوع القيادة حاليا في صلب الدراسات السياسية والاستراتيجية بل صار في زماننا علما مستقلا تساهم فيه تخصصات معرفية عديدة مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم الإدارة والتدبير وغيرها وتنجز فيه دراسات وأبحاث كثيرة. لكنه أيضا موضوع من الأهمية بمكان في دين الإسلام فقد اعتنى المولى جل وعلا بهذا الموضوع من خلال اختيار الأنبياء والإشراف على تأهيلهم وإعدادهم لقيادة أممهم وشعوبهم، لهذا كان طبيعيا أن ترد في القرآن الكريم إشارات كثيرة لهذا الموضوع، منها قول الله عز وجل مخاطبا نبيه موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾(سورة طه الآية 39). كما اعتنى الأنبياء والمرسلون عليهم السلام هم أيضا بإعداد قادةٍ من شعوبهم لتحمل أعباء الدعوة معهم  وتوَلّيها بعدهم، ومنهم سيدنا محمد ﷺ، بل إنه عليه الصلاة والسلام ترك منهاجا فذا في صناعة القادة وتأهيلهم وتوظيفهم ظهر أثره في الصحابة رضوان الله عليهم في حياته وبعد مماته. والخلاصة إذن أن الاهتمام بقضية القيادة ومناهجها وطرائق وممارستها من صلب الدين، وركن فيه ركين.
ويعرف مفهوم القيادة تعريفات متعددة ليس حولها كبير اتفاق كما هو الشأن بالنسبة لكثير من المفاهيم التي تنتمي لحقل العلوم الاجتماعية، وقد ارتأينا أن نعتمد التعريف التالي، وذلك لبساطته ووضوحه: “القيادة هي القدرة على التوجيه والتنسيق والاتصال واتخاذ القرارات والرقابة بهدف تحقيق غرض معين، وذلك باستخدام التأثير والنفوذ أو استعمال السلطة الرسمية عند الضرورة”[1]. أما في الفكر الإسلامي فيحمل مفهوم القيادة أحد الدلالات الآتية: الإمامة أو الإمارة أو الولاية والرعاية. وحين نتعمق في دراسة هذا المفهوم ضمن المجال المعرفي الإسلامي وخلال التجربة التاريخية، نستنج أن مفهوم القيادة الإسلامية يختلف في طبيعته ومنهجه ووسائله والقيم التي تحكمه والغاية والمقاصد التي توجهه عن طبيعتها في الفكر الإنساني العام والتجربة البشرية المعاصرة. فالقيادة في الاسلام تستمد مقاصدها وقيمها من دين الإسلام وتخضع لتعاليمه، كما أن وسائلها لا تتعارض مع مبادئه. وبناء عليه يمكن صياغة التعريف الآتي للقيادة في دلالتها الإسلامية: “هي أمانة التوجيه والقدوة التي يتحملها المسلم في موقعه، ليحقق أهداف جماعة المسلمين الدينية والدنيوية المنبثقة من شرع الله”[2].

وتنقسم أصناف القيادة من زاوية وظيفية إلى ثلاثة أولها القيادة العامة أو ما يطلق عليه في الاصطلاح الاسلامي الإمامة العظمى، ثم القيادة المتخصصة في مجال معين كالقيادة التربوية والسياسية وغيرها، وأخيرا القيادة المؤقتة أو الوظيفية وهي المكلفة بمهام محددة ومحكومة بسقف زمني معين تنتهي الصفة بانتهاء المسؤوليات والتكليفات المرتبطة بها. وقد ذكرنا سابقا عناية النبي ببناء أصناف من القيادات من صحابته، وهي السُنَّة التي حافظ عليها الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم وفي مقدمتهم سيدنا أبو بكر الصديق الذي سنقف في هذه المقالة على نموذج من اهتمامه بهذا الموضوع من خلال وصية مهمة يتعهد من خلالها هذا الإمام الفذ أحدَ القادة الذين كلفهم بالمسؤولية عن إمارة جيش المسلمين في إحدى غزوات فتوح الشام.
 

سنستعرض  في هذه المقالة متن الوصية، وسنتتبع ما ورد فيها من توجيهات، ثم نستنبط منها الخصال الأساسية، والصفات الضرورية التي يجب أن تتوفر في كل من ابتلي بالقيادة، سواء كانت قيادة دعوة وتربية أو قيادة جهاد ودولة، مركزين على الخصائص العامة دون الوقوف على المواصفات المرتبطة بالجانب العسكري لأنها تكتسي خصوصية خارج اهتمام هذا المقال.

 متن الوصية:

                  جاء في كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير: “وكان مما قاله أبو بكر [3] رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان[4] رضي الله عنهما: إني وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك. فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله. وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها. وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا. وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها. وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خيلك ويعلموا علمك وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيختلط أمرك. وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك. واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عنك الأستار وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنهما أيسرهما لقربهما من النهار ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذلها مدفعا. ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسدهم ولا تتجسس عليهم فتفضحهم ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم. ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس. واجتنب الغلول (الخيانة في المغنم) فإنه يقر بالفقر ويدفع النصر. وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له[5]. وقد ورد عند ابن قتيبة في عيون الأخبار  رواية أخرى لوصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان ورد فيها قوله: “أوْصَى أبو بكر رضي اللّه عنه يزيدَ بنَ أبي سفيان حين وَجَّهَه إلى الشام. فقال: يا يزيد، سِرْ على بركةِ اللّه، إذا دخلتَ بلادَ العدوِّ فكنْ بعيداً. من الحملةِ، فإني لا آمنُ عليك الجَولَة، واسْتَظْهِرْ بالزَّاد، وسِرْ بالأدِّلَّاء، ولا تُقاتِلْ بمجروح، فإنّ بعضَه ليس منه، واحْترِسْ من البَيَات، فإنّ في العربِ غِرَّة، وأقْلِلْ من الكلام فإنما لكَ ما وُعِيَ عنك، وإذا أتاكَ كتابي. فأَنْفِذْه فإنما أعملُ على حسبِ إنفاذِه، وإذا قدمَتْ عليكَ وُفودُ العجم. فأَنْزِلْهُم معظمَ عَسْكرك، وأسْبِغْ عليهمُ النَّفقةَ، وامْنَعِ الناسَ عن مُحادَثَتِهم. لِيَخْرُجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين، ولا تُلِحَّنَّ في عقوبة فإن أدناها وَجَعٌ، ولا تُسْرِعَنَّ إليها وأنتَ تَكْتَفي بغيرها، واقْبلْ من الناسِ علانِيَتَهم وكِلْهُم إلى اللّهِ في سرائِرِهم، ولا تَجَسَّسْ عسكرَكَ فَتَفْضحَه، ولا تُهْمِلْه فَتُفْسِدَه. وأَسْتَوْدِعُكَ اللّه الذي لا تضيعُ ودائِعُه”[6].

 

أهم التوصيات:

يفتح لنا النظر في الوصية لصاحبها الصديق، صفوة تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدبر التوجيهات التي تضمنتها، اكتشاف العناصر الأساسية التي ينبغي توفرها في الشخصية القيادية، سواء كانت قيادة مُربية ومُرشدة، أو قيادة منتخبة لوظيفة أو عمل طارئ. وقاعدة هذه المواصفات وأُسُّها الربانيةُ والإخلاصُ لله تعالى، والتجردُ من حظوظ النفس، والتطهُر من أهوائها، واليقظةُ وفقهُ الواقع، ثم فقه تربية الناس وتعبئتهم للعمل الصالح وخدمة الدين والتفاني في ذلك. وجماع الأمر الشعور بالمسؤولية وإعطاء القدوة من النفس في كل ما ينتدب إليه القائد غيرَه من الناس. وفيما يلي بسط لهذه الأسس وما يرتبط بها من  قيم ومبادئ سامية:

 

  • الأساس التربوي:

                  إن القائد المسلم هو أولا وقبل كل شيء عبدٌ مؤمن اصطفاه الله ثم انتدبه إخوانه من المسلمين للقيام بمهام والإشراف على وظائف تخدم الدين وتحقق مصالح العباد، لذا ينبغي أن يكون همه الأول والأساس إرضاء ربه و التقرب منه لنيل الزلفى والحظوة من جنابه العظيم. ولن تتحقق هذه الغاية إلا إن أرسى دعائم شخصيته على أساس تربوي متين عماده التقوى وقاعدته العبادة فضلا عن الاخلاص لله والتجرد من هوى النفس والتحرر من سلطانها والعمل على ذلك على الدوام. لأجل ذلك نجد في هذه الوصية الربانية تذكيرا من سيدنا أبي بكر  لسيدنا يزيد بن سفيان بالأساس التربوي الذي يجب استحضاره واستصحابه في كل الأحوال، ومن أركان هذا الأساس ما يلي:

                  ـ  تقوى الله عز وجل:

وهي استجابة طوعية للنداء الرباني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران الآية 102)، وتظهر  هذه الاستجابة في مراعاة الله جل وعلا في كل شيء، في النية والقول والعمل واتقاء سخطه وتجنب مقته. وهي كذلك استجابة للأمر النبوي الذي ورد في الحديث الذي روي عن مُعاذِ بْنِ جبلٍ رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:  “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ”[7]. وفائدة التقوى أنها تَحَقُقٌ بالعبودية ومجلبة  لنصر الله سبحانه وتعالى وتأييده وتسديده ومعيته، وهي المعية المذكورة في قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة الآية 194) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (سورة النحل الآية 128)، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير  هذه الآية: أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهذه معية خاصة . كما أنها سبب للحفظ من كيد الأعداء ومكرهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (سورة آل عمران الآية 120). والتقوى أيضا مدخل لتوفيق الله للعبد وتيسير أمره وتوفيقه في اختياره قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾(سورة الطلاق الآية 4). فهو سبحانه مطلع على كل شيء فمن اتقاه في سره فهو أولى أن يتقيه في علانيته وبهذا يتم تجنب كل عوامل الفساد والإفساد.

                   ــ العبادة:

                  وهي الغاية الرئيسة من خلق الانسان قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات الآية 56). وعمود العبادة وأُسُّها إقامة الصلاة كاملة مظهرا ومخبرا وتعظيم شأنها في النفوس والحرص على أداء فرضها ونفلها بشروطها وآدابها وخشوعها وحضور القلب مع الله عز وجل فيها. فالصلاة الكاملة قوام ذكر الله في الأرض وعلامة رئيسة على عبودية المسلم. يقول الله عز  وجل آمرا نبيه والمؤمنين بإقامة الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (سورة هود الآية 114). وقد نبّه الرسول الكريم ﷺ لخطر التفريط في هذا الركن الركين من الدين حيث قال: “إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر “[8]. وهذا ما حرص عليه الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم ونَجِدُه في هذه الوصية الثمينة لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه في قوله: “وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها”. ونفس الحرص نجده عند الخليفة الراشد الثاني سيدنا عمر بن الخطاب، فقد ورد في موطأ الإمام مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع وحدثني عن مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع”. ومن أهم ما أكد عليه الإمام عبد السلام ياسين في وصيته الأخيرة إقامة الصلاة يقول: “وأوصي بالصلاة، إقامتها في المسجد والجماعة مع التحري الجميل في الطهارة اتّباعا منتبها لسنة رسول الله ﷺ في الحركات والسّكنات والمواقيت والكيفيات. الصلاة! الصلاة! الصلاة! الصلاة عمود الدين وعماده. فسطاط الدين وأوتاده. إقامة الصلاة دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لنفسه ولذريَّته قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾.

                 ــ صدق الولاء لله ولدينه:

                  يقول الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(سورة المجادلة الآية 22). وعن عمرو بن الجموح رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: “لا يُحِقُّ العبد حقَّ صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ويُبغض لله. فإذا أحب لله تبارك وتعالى وأبغض لله تبارك وتعالى فقد استحق الولاء من الله. وإنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم”[9]. هذه من أهم الخصال التي ينبغي أن يتحقق بها القائد المسلم، فولاءه الكامل لا يكون إلا لله ورسوله ودينه، وصدقه في هذا الولاء يجنبه مهلكة التعصب سواء للرأي والتقدير أو للأقرباء والمناصرين. إذ عليه أن يكون دائما مناصرا للحق أينما كان وعنه يجب أن تصدر قراراته ومنه تنبع اختياراته. أمّا التعصب فهو انحراف عن الطريق المستقيم وإضعاف لرابطة الولاء لله ورسوله والحق و الأخوة في الله.

                 ــ القدوة الحسنة:

                  تجعل مرتبة القيادة الفرد محل أنظار الناس وقبلة جاذبة لهم منها يستمدون خصال الخير أو يتشربون معاني الشر. لذا فمن خصائص القائد المسلم، التي يجب أن تتجلى بوضوح في شخصيته، أن يسعى ليكون قدوة لغيره في الالتزام بدينه أحكاما وأخلاقا وآدابا وهمة وعزيمة وخدمة؛ وكذا كان نبي الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (سورة الأحزاب الآية 21). فكلما أصلح القائد المسؤول نفسه وشذب عيوبه جعل من نفسه نموذجا صالحا وقدوة حسنة وسببا في صلاح من معه من الناس. يوضح الإمام عبد السلام ياسين هذه القضية بقوله: “هؤلاء هم المجاهدون، وهم أصحاب القيادة الجهادية. يعسوبهم القائد المجاهد أكثرهم نصبا فيما يخدم الأمة، أمرا من أمر الله لنبيه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. القائد المجاهد الراغب في ربه لا يفرغ من عمل إلا لعمل فينصب ممثلا الجهاد في أروع نماذجه”[10].

ــ الحرص على الصحبة الصالحة:

من الأمور الخطيرة التي على القائد المسؤول الانتباه لها وإيلائها أهمية بالغة قضية الصحبة والرفقة. فصحبة الصالحين خيرٌ وبركة في الدُّنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾(سورة الزخرف الآية 67). أما رفقة جُلَساء السوء فحسْرةٌ وندامة يوم القيامة؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (سورة الفرقان الآيات 27 – 29). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي ﷺ قال: “الرجل على دِين خليله، فلينظرْ أحدُكم مَن يخالل”. وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما أعطي العبد بعد الإسلام نعمة خيراً من أخ صالح، فإذا وجد أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به”. لأجل ذلك نبه سيدنا أبوبكر لهذه القضية في الوصية وأكد وجوب حرص القائد على مجالسة أهل الصدق والوفاء والحكماء وإن صدرت عنهم انتقادات وتصويبات تخالف ميوله ورغبته. فصدق النصيحة ينفع المسؤول ويساعده في اتخاذ القرارات الصائبة ويجنبه الانحرافات والأخطاء. كما حذرت الوصية من مجالسة القائد لأصحاب اللهو والمطامح الدنيوية والاستكانة لهم، إلا من موقع  الواعظ والمرشد والمربي لأنهم  يمنعونه عن الجد ويستدرجونه للغفلة عن الله والانشغال عن حسن تدبير مصالح من يشرف عليه من الناس.

                  ــ الأمانة:

قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال الآية 27). الأمانة من الصفات العظيمة التي يؤدي التحلي بها، خاصة من قبل القادة، إلى حفظ حقوق الناس وأعراضهم وأموالهم وأسرارهم، كما يؤدي إلى حفظ الجماعة من أن تنتهك حرماتها وحقوقها. والإخلال بالأمانة غدر وخيانة وهي من خصال الشر الخطيرةِ عواقبُها في الدنيا والآخرة. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: “لكل غادر لواء عند إسْتِه يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره. ولا غادر أعظم غدرا من أمير جماعة”. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الْأَمَانَةَ، قَالَ: يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقَالُ: أَدِّ أَمَانَتَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، وَيُمَثَّلُ لَهُ أَمَانَتُهُ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ دُفِعَتْ إِلَيْهِ، فَيَرَاهَا فَيَعْرِفُهَا فَيَهْوِي فِي أَثَرِهَا حَتَّى يُدْرِكَهَا، فَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ خَارِجٌ زَلَّتْ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَهُوَ يَهْوِي فِي أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَانَةٌ، وَالْوُضُوءُ أَمَانَةٌ، وَالْوَزْنُ أَمَانَةٌ، وَالْكَيْلُ أَمَانَةٌ، وَأَشْيَاءُ عَدَّدَهَا، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ الْوَدَائِعُ”[11]. ومن صور الأمانة التي نصت عليها الوصية أن يتجنب القائد الغلول وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾(سورة آل عمران الآية 161)، وهو كما قال سيدنا أبو بكر يُقَرِّب من الفقر. فالتجلي العملي للأمانة يظهر في تعفف  القائد وتحرجه أشد الحرج من الجرأة على أموال الأمة والجماعة وأن يتجنب تحويلها إلى مغنم دنيوي لا يحل له شرعا أو ذوقا، مثل أخذ الهدايا التي تشم منها رائحة الرشوة أو جعل المسؤولية مطية لتحقيق الأغراض الشخصية والمصالح الخاصة، والتي قد تكون سببا في فساد الذمة واستدراجه لاستمراء الحرام وخلق مبررات واهية للاستمرار في قبوله، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ : “خُذُوا الْعَطَاءَ مَا دَامَ عَطَاءً، فَإِذَا صَارَ رِشْوَةً فِي الدِّينِ فَلَا تَأْخُذُوهُ..”[12].

 

  • اليقظة الجهادية:

اليقظة استفاقة من نوم أو انتباه من غفلة أو حذر من خطر، يقول تبارك وتعالى ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظَاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾( سورة الكهف الآية 18).  وترتبط اليقظة بالجسم والذهن والنفس كلها، ولها معاني حسية ومجردة. واليقظة المقصودة في هذا السياق هي اليقظة الإيمانية الجهادية التي ترفع المسلم من أسفل مراتب الغفلة والعبث والتسيب والهامشية إلى مصاف الرجولة والفاعلية والحضور والتأثير. وهي الصفات الأساس المطلوبة في شخصية القائد أو المسؤول، فلا يتصور أن ينجح في مهامه أو يحقق الغايات من تكليفه من كان غافلا عن واقعه لاهيا عن المرغوب منه وغير مشمر  لأداء مهامه. واليقظة الإيمانية الجهادية هي انتفاضة عقل وقلب معا، يقظة العقل تقتضي إدراك القائد لمقتضيات مسؤوليته على وجه الدقة والإحاطة بمتطلبات المهام التي نيطت به وتبعاتها، ويقظة القلب هي صَحْوُه الدائم وانتباهه المستمر  بالذكر  والعبادة والصحبة لكيلا يقع في براثين الغفلة فيتشتت همه ويضيع تركيزه على الأمانة الموكلة إليه. وقد ألح سيدنا أبوبكر رضي الله عنه في هذه الوصية على أهمية تحلي القائد باليقظة الجهادية الدائمة، قلبا وعقلا، وحدد لها تجليات جمعناها في ثلاث وهي:

ــ المسؤولية:

المسؤولية صفة لازمة لكل عاقل مكلف وليست قاصرة عل مجال دون آخر أو على فرد دون غيره، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر الآية 38) وقال النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”[13]، وتقوم المسؤولية على مبدأ أن الإنسان المالك لزمام نفسه مُحاسَبٌ على جميع تصرفاته. وبطبيعة الحال ترتبط السلطة في الإسلام بالمسؤولية ارتباطاً وجوديا تراتبيا فكلما كبرت سلطة القائد كبرت مسؤوليته وتطلب منه ذلك إعطاءها حقها وتحمل تبعاتها في الدنيا والآخرة، قال ﷺ: “إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته”[14]. وما جاءت هذه الوصية وشبيهاتها إلا لتُذكِّر  كل من يتقلد أية مسؤولية بثقلها وخطورة التفريط في القيام بما يتوجب لأدائها على الوجه الأكمل بما يرضي الرب جل وعلا ويحقق المصالح المرادة منها، طبعا في حدود القدرة والاستطاعة، فالله سبحانه تعالى هو القائل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة الآية 286).

– حماية المعطيات:

                  من أهم تجليات الشعور بالمسؤولية ومن أبرز علامات الصدق في تحملها حرص القائد والمسؤول على حماية المعطيات الخاصة بالصف المسلم وعدم التهاون في إفشائها وتقدير خطورة الأسرار  التي يطلع عليها والمعلومات التي تصل إليه والتحرز من  إفشائها بأي صورة من الصور، وتحت تأثير أي ظرف من الظروف. فأكثر ما يستهدفه الأعداء هو الأسرار والمعطيات التي تجعل الأمة أو الجماعة منكشفة مما يسهل استهدافها بالاختراق والإضعاف ثم التفكيك والهزيمة. لأجل ذلك يجب أن لا يكتفي القائد بالصرامة مع نفسه في حماية المعطيات بل عليه أن يرفع مستوى الوعي داخل الصف للتعامل بحساسية مع الأسرار والمعلومات والحذر من تسربها للأعداء وعدم التساهل في ذلك.

                  – الاهتمام بأمر حراسة المسلمين:

وهو ما يسمى بالأمن الوقائي ولا بد من اختبار الأصلح لذلك من ذوي اليقظة والهمة وامتحانهم وعدم وضع الثقة المطلقة بهم بل لابد من إخضاعهم للرقابة بصورة مستمرة حتى لا يؤتى المسلمون من قبلهم.


  • حسن التدبير والمعاملة:

                  من اختصاصات القائد تدبير مجموعة من المهام فيها تنسيق بين عدد من الوظائف والأدوار تجمع بينه وبين من يشرف عليهم. كما يرتبط بحكم وضعيته بشبكة من العلاقات الأفقية والعمودية لأجل ذلك كان من الضروري امتلاك المسؤول لمجموعة من الكفاءات وتوظيفه لعدد من الآليات تعينه على حسن التدبير  وتنظيم العلاقات وبالتالي تحصيل النجاح في مهماته والتفوق في أداء رسالته، وقد نبهت الوصية لعدد منها نرتبها كالآتي:

                 – التعاقد في التكليف بالمسؤولية:

كان أول ما استهل به سيدنا أبو بكر وصيته قوله ليزيد: “إني وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك”. هذا الوضوح في التعبير  يقر مبدئا مهما في التكليف بالمسؤوليات وتعيين القيادات ومقتضاه أن المسؤوليات والمناصب ليست حقا ثابتا ودائما للمكلفين بها وإنما الحفاظ عليها والبقاء فيها مرهون بالإحسان والنجاح في تأدية المهام الموكلة إليهم. لذا كان من الضروري أن يتأسس التكليف على مبدأ التعاقد والاتفاق بين المُكلِّف والُمكلَّف فهذا الأخير عليه أن يتيقن بأنه معرض للعزل والإعفاء إذا أساء التصرف أو تهاون في إنجاز مهامه، وهذا الشعور سيدفعه إلى بذل الوسع ومضاعفة الجهد. أما إذا ضمن القائد الاستمرار  دون حسيب أو رقيب فهذا يفتح الباب للإخلال بالمسؤولية والفوضى والتنازع.

                 – حسن التواصل :

من الكفاءات الأساسية والمهارات الضرورية التي تصنع نجاح أي قائد وتمنحه القدرة على التأثير في الناس وتعبئتهم لقضيته، حسن التواصل. والتاريخ البشري مليء بنماذج القادة الخطباء الذين ألهبت خطبهم الجماهير وحركت مشاعرهم وعبأتهم لصناعة الانتصارات وتحقيق الأمجاد. وقد كان النبي ﷺ مضرب الأمثال في فصاحته وبلاغته وكان يوجز المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، وصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون”[15]. ومعنى جوامع الكلم أنه ﷺ “أوتي ملكة يقدر بها على إيجاز اللفظ، مع سعة المعنى، بنظم لطيف لا تعقيد فيه يعثر الفكر في طلبه، ولا التواء يحار الذهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلا ومعناها أسبق إليه”[16]. وقال العز بن عبد السلام: “ومن خصائصه ﷺ أنه بعث بجوامع الكلم، واختصر له الحديث اختصاراً، وفاق العرب في فصاحته وبلاغته”.. فلا بد للقائد المسلم من أن يكون فصيحاً بليغاً وأن يكتسب من مهارات التواصل والتأثير ما يجعله قادراً على إيصال معانيه إلى الآخرين بكل سلاسة ووضوح والنفاذ إلى عقولهم ونفوسهم والتأثير فيها. ومن التوجيهات التي قدمها سيدنا أبو بكر في الوصية الاختصار في النصيحة والايجاز في مضمونها وزمنها لئلا تَمُجَّها العقول وتنفر منها النفوس.

                ــ الشورى بقواعدها وآدابها:

من الضوابط الصارمة التي أقرها الإسلام في ما يرتبط بالقيادة أن حرم جعلها وسيلة للتسلط على الناس أو تسخيرهم، واعتبرها مشاركة وتفاعلا بين القائد ومن يتعاون معهم. من هنا كانت الشورى مبدأ أساسيا موجها لعمله وضابطا له، فالشورى مدخل رئيس لاتخاذ القرارات الرشيدة لأنها تمحص الرأي وتسدده. فالقائد المسلم مطالب بإشراك من معه من أهل الاستحقاق من الحلماء والعقلاء والخبراء والمختصين في صنع القرار وجمع المعلومات. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الشورى الآية 38)، وقال جل وعلا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران الآية 159). وإتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها، وهو ما بَيَّنهُ سيدنا أبو بكر رضي الله عنه في وصيته حين قال: “إذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك”. فإن المستشار وإن كان ثاقب الفكر لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتى يستكمل المعلومة عن الموضوع المستشار بشأنه، ويوضع في صورة القضية بوضوح، فيصدر في شوراه ومشورته عن رؤية واضحة تعود بالنفع العميم على القائد، وتكون له عونا على إنفاذ قراراته وقوةً تعزز عزماته.

                  ــ  تقصي أحوال الناس واحتضانهم:

من أخطر ما يهدد القيادة ويكون سببا في فشلها، انعازلها عن الجمهور التي تتحمل المسؤولية عنه وانشغالها عنه وتعاليها. فعلى القائد الانتباه لكل ما يجري في نطاق المسؤولية المناطة به، ومن الضروري مخالطته لمن يلي أمورهم باختلاف فئاتهم ليكون مطلعا على حقيقة أحوالهم وتصور مشكلاتهم ومعالجتها وامتلاك الخبرة الدقيقة لإصلاح أمورهم، حتى يُشعِر من معه بأنه مهتما بأمورهم فيزيد المحسن إحسانا ويُقصر المسيء عن الإساءة. أما ذلك الذي يعيش في برج عاج ويكتفي بتلقي المعلومات عن طريق من حوله من المسؤولين أو بعضهم فقط فلا يستطيع معالجة المشاكل ولا تتكشف له الأمور بكل تفاصيلها بل قد تصله معلومات غير صحيحة. لذلك أوصى سيدنا أبوبكر  المسؤول بتقصي أحوال من معه واحتضانهم وتبشيرهم فهذا من صميم اختصاصاته حيث قال: “وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه.. واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عنك الأستار”. ويقتضي الاحتضان مراعاة حاجات الناس والاستجابة لتطلعاتهم وهو مدخل لتعبئتهم وحسن توظيفهم مع مراعاة عدم التجسس عليهم وهتك أستارهم والتشهير بهم.

                  ــ الرحمة والعدل:

قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران الآية 159). من أخلاق القائد المسلم الحلم والرحمة وعدم التسرع وسعة الصدر والعفو عن المسيئين في حدود رضى الله تعالى. فتعميق الألفة والمحبة بينه وبين من معه سر عظيم من اسرار التفوق والنجاح. وليس هناك مثال أفضل من محمد ﷺ وصحبه حيث يقول الحق فيهم الله سبحانه وتعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ﴾ (سورة الفتح الآية 29). ومع الرحمة والحلم لابد أن يتحقق القائد بمبدأ العدل الذي هو مطلب رئيس في الإسلام وواجب على جميع أصناف المسؤولين كالحكام والولاة والقضاة والقياديين والمديرين وغيرهم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل الآية 90). بل إن هذا الدين العظيم أكد على العدل حتى مع الأعداء قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (سورة النساء الآية 58)، و قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (سورة المائدة الآية 8). ومن تجليات العدل أن يسلك المسؤول في معاقبة مرتكبي المخالفات مسلكا وسطا فلا يتهاون في إنزال العقوبة بمستحقها لأن هذا قد يدفعه لارتكاب المزيد ويجرأ غيره فتسود الفوضى. ولا يجب أن يتشدد المسؤول في العقوبة أو يشتط في إنزالها فيَنْفُر  الناس ويتضررون فيتذمرون وربما يتمردون، لذلك ينبغي أن تتم المعاقبة دون وَجَل أو تردّدٍ لكن بحكمة واتزان وبُعْد نظر بحيث تؤدي وظيفتها التربوية دون إثارة ضجة أو تدفع إلى نقمة.

                  ـــ  الشجاعة والحزم:

إذا كانت القيادة في الإسلام تقوم على مبدأ الشورى فإن الشورى تنتهي بقرار حازم لا يقبل التردد أو المساومة أو التأخير، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (سورة الآية). قال النبي ﷺ للصحابة قبل معركة أُحد بعد أن أَعَدَّ العُدّة ولبس لباس الحرب: “ما كان لنبي لبس لَأْمَتَهُ للحرب أن يخلعها حتى يقاتل”[17]، ليضرب لهم المثل في الحزم وعدم التردد. فالقائد ينبغي أن يتصف بالجدية والحزم وعدم التردد والتناقض في القرارات لأن ذلك يُفقده المصداقية في عيون مرؤوسيه وعامة من يتولي أمرهم. كما أن عليه أن يتصف بالشجاعة في كل المواقف فيصدق في مواجهة الأعداء ولا يجبن ولا يضعف فيسري جبنه وضعفه في قلوب من معه وتموت الجندية فيهم فيعم الفشل والهزيمة ويسري الخور.

                  خاتمة:

تظهر لنا هذه الوصية العظيمة عظمة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان متحققا بهذه الوصايا وغيرها، إذ لا تقتصر صفات القادة فيما ذكر بل تتنوع وتتعدد، وتبرز أيضا أهليته للإمامة العظمى (الدين والدنيا) لأنه كان يعيش كلية مع واقع المسلمين ويدرك قضاياهم بل يملك القدرة على تصور ما قد يتعرضون له. وظهر هذا خصوصا مع القادة الذين كان ينتدبهم لمهام معينة إذ لم يكن يبخل عليهم بالتذكير  وتزويدهم بما يمكن أن يساعدهم على معالجة الأوضاع التي قد تواجههم أثناء تأدية مهامهم الجهادية والدعوية.  وفي الحقيقة فإن ما تضمنته هذه الوصية ليس مجرد تعليمات يصدرها قائد أعلى لأحد قادة جيوشه بل هي منظومة متكاملة من الخصال يفرض على كل قائد مسلم التحلي بها وأي إخلال بها أو بإحداها يخرُم شخصية القائد خرما واسعاً وسينتصب بالتالي عقبة كؤودا أمام قيامه بمهامه على النحو المرضي. وقد صار من نافلة القول أن القيادة ليست مجرد اصطفاء بل هي صناعة أيضا، فبالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية والقابليات النفسية والمؤهلات الشخصية التي تمنح الفرد إمكانية تبوء مرتبة القيادة يظل هذا الأخير  بحاجة دائمة إلى مدرسة بشرية يتأهل فيها ويكتسب داخلها المعارف والمهارات التي تُعينه على أداء مسؤولياته وإنجاز مهامه، كما أنه بحاجة ماسة أيضا إلى واقع حقيقي يصقل فيه مكتسباته  ويطورها  ويرقيها. فالقيادة تفاعل مع واقع بشري وطبيعي معقد فالإشراف على بناء القيادات وتكوينها وترشيدها بدءا من حيث مرحلة التأسيس والاحتضان إلى مرحلة التدريب ثم مرحلة التوظيف والمتابعة، أمر ملح وضرورة لا غنى عنها لأي  عمل دعوي جهادي بل هو حكمة بشرية راسخة.


[1] ـ أنور أحمد رسلان، أصول الإدارة العامة، ص 273 ، دار النهضة العربية، القاهرة،1995 م.

[2]ــ رمضان الزيان، خصائص القيادة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، الجامعة الإسلامية بغزة، 2005، فلسطين.

[3]ـ أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، اسمه عبد الله ويقال عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه. روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين، من آخرهم: أنس بن مالك وطارق بن شهاب وقيس بن أبي حازم ومرة الطيب. كان أعلم قريش بأنسابها.. وكان أبيض نحيفا خفيف العارضين معروق الوجه، غائر العينين ناتئ الجبهة، يخضب شيبه بالحناء والكتم .وكان أول من آمن من الرجال… وعن عائشة قالت: ما أسلم أحد من المهاجرين إلا أبو بكر… وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة، وأنه أنفق أمواله على النبي ﷺ وفي سبيل الله، قال رسول الله ﷺ: “ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر”. وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله أي الرجال أحب إليك؟ قال: أبو بكر”… وقال أبو سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: “لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن، ولا يحبهما منافق”.. وقال ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ: “لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا”.. روى مثله ابن عباس، فزاد: “ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة (باب صغير كالنافذة) في المسجد غير خوخة أبي بكر”.. وقال إسماعيل بن سميع عن مسلم البطين عن أبي البختري قال: قال عمر لأبي عبيدة: ابسط يدك حتى أبايعك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: “أنت أمين هذه الأمة”، فقال: ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا، فأمنا حتى مات رسول الله ﷺ”( شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ، تحقيق شعيب الأرناؤوط و بشار معروف وآخرون مؤسسة الرسالة، 1402 – 1982، الجزء الأول ص: 16/24. بتصرف)

[4]ـ هو “يزيد بن أبي سفيان ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي
أخو معاوية من أبيه، ويقال له يزيد الخير، وأمه هي زينب بنت نوفل الكنانية، وهو أخو أم المؤمنين أم حبيبة. كان من العقلاء الألباء والشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وشهد حنينا فقيل: إن النبي ﷺ أعطاه من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة. وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الروم وعقد له  ومشى معه تحت ركابه يسايره ويودعه ويوصيه وما ذاك إلا لشرفه وكمال دينه. ولما فتحت دمشق أمره عمر عليها.له حديث في الوضوء رواه ابن ماجه وله عن أبي بكر . حدث عنه أبو عبد الله الأشعري ، وجنادة بن أبي أمية . وله ترجمة طويلة في تاريخ الحافظ أبي القاسم .وعلى يده كان فتح قيسارية التي بالشام. توفي يزيد في الطاعون سنة ثماني عشرة ولما احتضر، استعمل أخاه معاوية على عمله، فأقره عمر على ذلك احتراما ليزيد، وتنفيذا لتوليته”( شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، المرجع نفسه، الجزء الأول ص: 329 /330) .

[5]ـ محمد رشيد رضا، أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الثانية، 1369/1950 ص133. نقلا عن الكامل لابن الأثير الجزء الثاني عند ذكر فتوح الشام.

[6]ـ عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عيون الأخبار لابن قتيبة، دار الكتب المصرية، 1925، الجزء 1، ص108.

[7]ـ رواهُ التِّرْمذيُّ وقال حديثٌ حسنٌ.

[8]ـ رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[9]ـ رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده.

[10]ـ عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص 103/104.

[11]ـ خرجه الطبرانى في الكبير، وهو حديث حسن.

[12]ـ هذا جزء من حديث طويل أخرجه الطبراني في الكبير من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة في الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: في سنده يزيد بن مرثد وهو لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.

[13]ـ أخرجه البخاري.

[14]ـ أخرجه ابن حبان.

[15] ـ رواه الامام مسلم.

[16] ـ فيض القدير للمناوي: 1/563.

[17]ـ رواه البخاري عن جابر بن عبد الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.