منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استقلال العقود والوثائق في عقد الإجارة

استقلال العقود والوثائق في عقد الإجارة/ د. محمد جعواني

0

استقلال العقود والوثائق في عقد الإجارة

د. محمد جعواني

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ورد في المادة27: يعتبـر عقد الكراء وعقد شراء العيـن من طرف المؤسسة والوعد بالكراء الأحادي الصادر عن العميل ثلاث وثائق منفصلة ولا يجوز اشتراط عقد الإجارة في عقد شراء العيـن من طرف المؤسسة.[1]

وفي المادة 28: تطبيقا للفقرة 2 من البند (ب) من المادة 58 من القانون رقم 103.12 السالف الذكر، تنقل ملكية العقار أو المنقول موضوع عقد الإجارة المنتهية بالتمليك بموجب عقد منفصل عن عقد الإجارة ولا يجوز إبرام عقد التمليك إلا بعد انتهاء الإجارة.[2]

يعتبـر عقد الإيجار المنتهي بالتمليك من العقود المركبة -كما أسلفت – ومن أبرز أدلة المانعيـن لهذه المعاملة كونه يتضمن “عقديـن على عيـن واحدة في زمن واحد” و”بيعا وشرطا”، لذلك نصت هاتيـن المادتيـن على ضرورة الفصل بيـن العقود المكونة لهذه المعاملة. وهي ثلاثة:

الوعد الأحادي بالكراء، وعقد شراء البنك للعيـن، وعقد كرائها للمتعامل.

وأيضا منع اشتراط الإجارة في عقد تملك البنك للعيـن.

ثم عند نهاية مدة الإجارة يجب إبرام عقد جديد لتمليك العيـن للمتعامل.

وهذا التأكيد على الفصل بيـن العقود كتابة وتوثيقا وترتيبا يجنب المعاملة الوقوع في تلك محذور البيعتيـن في بيعة التي سلف ذكرها.

ولمزيد من البيان سنتطرق لمسألة اجتماع العقود في معاملة واحدة.

اجتماع عقديـن في معاملة واحدة:

إن النهي عن اجتماع العقود في المعاملات ليس على إطلاقه. فالمنهي عنه هو اجتماع العقود المتنافية المتضادة أحكاما ومقاصدا.

قال ابن العربي:” ويتركب عليها(يقصد معاملة بيع وسلف) أصل بديع من أصول المالكية، وهو أن كل عقديـن يتضادان وضعا ويتناقضان حكما، فإنه لا يجوز اجتماعهما، أصله البيع والسلف، فركبه (الإمام مالك) عليه في جميع مسائل الفقه ومنه البيع والنكاح، وذلك أن البيع مبني على المغابنة والمماكسة، خارج عن باب القُرب والعبادات، والسلف مكارمة وقربة. ومن هذا الباب: الجمع بيـن العقد الواجب والجائز، ومثله بيع وجعالة…وأمثال ذلك لا تحصى”.[3]

ثم قرر قاعدة مفادها أن:”كل عقديـن يتضادان وصفا لا يجوز أن يجتمعا شرعا”.[4]

وأكدها القرافي بقوله:” كل عقديـن بيـنهما تضاد، لا يجمعهما عقد واحد”.[5]

وقال الشاطبي شارحا:” ولأن الاستقراء من الشرع عرف أن للاجتماع تأثيـرا في أحكام لا تكون حالة الانفراد، ويستوي في ذلك الاجتماع بيـن مأمور ومنهي، مع الاجتماع بيـن مأموريـن أو منهييـن. فقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف وكل واحد منهما لو انفرد لجاز.

ونهى الله تعالى عن الجمع بيـن الأختيـن في النكاح مع جواز العقد على كل واحدة…وذلك يقتضي أن للاجتماع تأثيـرا ليس للانفراد، واقتضاؤه أن للانفراد حكما ليس للاجتماع يبيـن أن للاجتماع حكما ليس للانفراد”.[6]

وتأسيسا على هذا الأصل تحدث فقهاء المذهب عن العقود التي يمتنع اجتماعها مع عقد البيع، ورمزوا لها بقولهم: «جص مشنق»[7] ونظمت في بيتيـن، فقال الناظم[8]:

عقـود منعناها مع البيع ستـــــــــــة

ويجمعها في اللفظ جَصٌّ مُشَنَّقُ

فَجُعْل وصرف والمساقاة شِركة

نكاح قراض منعُ هذا مُحقـــــــــــــــــــق

وأضاف أبو الحسن الصغيـر عقد القرض إلى هذه العقود لتصيـر سبعة، ويصيـر الرمز «جقص مشنق».[9]

وكما لا يجتمع البيع مع واحد من السبعة، لا يجتمع اثنان منها في عقد.

ونظم ذلك التتائي فقال[10]:

نكاح شركة صرف وقــــــــرض

مساقاة قـراض ثم جعـــــــــــــل

فجمع اثنيـن منها الحظر فيه

وجمع البيع معها لا يحـــــــل

والعلة في منع اجتماع تلك العقود «تضاد أحكامها وأحكام البيع».[11]

وكون «الشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يـناسب المتضادَّيـن».[12]

ولأن «تنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات».[13]

والقول بالمنع ليس مجمعا عليه، فقد خالف أشهب وقال بالجواز.[14] واستدل بأن العقد قد احتوى على أمريـن كل منهما جائز على انفراده، وأنكر أن يكون مالك حرّمه.[15] ورجّح ابن رشد رأي أشهب لكونه «أظهر من جهة النظر، وإن كان خلاف المشهور».[16]

وعلى كل حال، فمسألة اجتماع العقود فيها تفصيل وتدقيق، ولا يصح إطلاق القول فيها بالمنع.

اجتماع البيع مع الإجارة:

بناء على القاعدة السابقة التي تنص على أن علة المنع في اجتماع العقود هي “التنافي والتضاد”، جَوّز المالكية اجتماع العقود التي سَلِمت من تلك العلّة، ومن ذلك اجتماع عقدي البيع والإجارة. قال العلامة ابن الشاط:” وأما نحو الإجارة والهبة مما يماثل البيع في الأحكام والشروط ولا يضاده، فإنه يجوز اجتماعه مع البيع، كما يجوز اجتماع أحدهما مع الآخر في عقد واحد لعدم التنافي. [17]

وصرّح بهذا المعنى عدد من فقهاء المذهب.

قال ابن حبيب:»لا بأس باجتماع بيع وإجارة»[18] وقال العلامة ميارة: «يجوز جمع البيع مع الإجارة أو الكراء، لأنهما من باب واحد».[19]

وقال الشيخ خليل عند حديثه عن ما تفسد به الإجارة:» وفسدت…كَمَعَ جُعْلٍ لا بَيع»[20] وتابع الشراح شيخهم، فقال صاحب منح الجليل:» لا تفسد الإجارة المجتمعة مع بيع في عقد واحد لاتفاقهما في الأحكام».[21]

وقال العلامة الدرديـر بأن الإجارة إذا كانت مع البيع في» صفقة واحدة فلا تفسد لعدم منافاتهما، سواء كانت الإجارة في نفس المبيع، كشرائه ثوبا بدراهم معلومة على أن يخيطه البائع، أو جلدا على أن يخرزه. أو في غيـره، كشرائه ثوبا بدراهم معلومة على أن يـنسج له آخر».[22]

فدليل الجواز «عدم منافاتهما» و»أنهما من باب واحد»، وأنه لما «كانت الإجارة معلومة لم يكن الثمن مجهولا».[23]

وهذا التأصيل المالكي يفيد كثيـرا في مسألتنا، وإن كان المنشور نص على الفصل بيـن العقود أخذا بالأحوط، وتفاديا لكل اعتراض.

كما نسجل حرص المنشور على تفادي تحول الإجارة إلى بيع تلقائيا من غيـر عقد جديد، وهي من الصور الممنوعة.

لذلك نص على إبرام عقد تمليك بعد نهاية مدة الإجارة.

لكنه لم يوضح كيفية التمليك، وهل تكون ببيع أو هبة؟

وإذا كانت ببيع هل يكون الثمن حقيقيا أم رمزيا؟ واكتفى المنشور بالإحالة إلى ما وقع الاتفاق عليه سابقا بيـن البنك والمتعامل.

وفصَّل معيار الإجارة في كيفيات نقل الملكية إلى المستأجر، وحصرها في «وعد بالبيع بثمن رمزي، أو بثمن حقيقي، أو وعد بالبيع في أثناء مدة الإجارة بأجرة المدة الباقية، أو بسعر السوق. أو وعد بالهبة، أو عقد هبة معلق على شرط سداد الأقساط».[24]

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص 587

[2]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص 587

[3]–  انظر: القبس لابن العربي 3/295- 296

[4]–  المصدر نفسه 3/206

[5]–  انظر: الفروق 3/927، الذخيـرة 4/392

[6]–  الموافقات للشاطبي 3/192- 193

[7]–  انظر: الفروق 3/927، ورمز لها البعض ب» جص نقش قس» بزيادة السلم والإقالة. انظر: مواهب الجليل للحطاب 6/146

[8]–  انظر: حاشية العدوي 2/212، مواهب الجليل 6/145، شرح التحفة 2/14

[9]–  انظر: الشرح الصغيـر للدرديـر 3/54، تهذيب الفروق 3/178

[10]–  انظر: شرح تحفة الحكام للتاودي 2/9

[11]–  انظر: المصدر نفسه 6/145

[12]–  الفروق 3/927، وانظر: الذخيـرة 4/392

[13]–  حاشية الدسوقي 3/32، الشرح الصغيـر 3/53

[14]–  انظر: شرح التاودي على التحفة 2/9، شرح ميارة على التحفة 1/457

[15]–  انظر: حاشية الدسوقي 3/32، الشرح الصغيـر3/53

[16]–  انظر: حاشية الدسوقي 3/32، الشرح الصغيـر 3/53

[17]–  تهذيب الفروق والقواعد السنية 3/178

[18]–  انظر: النوادر والزيادات 7/16

[19]–  شرح ميارة على التحفة 1/457

[20]–  مختصر خليل ص 244

[21]–  منح الجليل 7/443

[22]–  الشرح الكبيـر 4/5

[23]–  بداية المجتهد 5/11

[24]–  المعاييـر الشرعية ص 254، وانظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 5، السنة 1996.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.