منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المهارة (3): ترك الفضول

المهارات التربوية لبناء الشخصية الإيمانية القوية من خلال السنة النبوية-مصطفى بوهبوه

0

ترك الفضول مهارة تربوية جليلة ما أحوجنا إلى اكتسابها لتنظيم حياتنا وعلاقتنا مع الآخرين، ووصية نبوية عظيمة جدير بنا الأخذ بها وتطبيقها وغرسها في الناس؛ لأنها علامة على حسن إسلام المرء واستقامة دينه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”[1]. قال ابن رجب ومعنى هذا الحديث: “أَنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ ومعنى يعنيه: أَنَّهُ تَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بِهِ، وَيَكُونُ مِنْ مَقْصِدِهِ وَمَطْلُوبِهِ، وَالْعِنَايَةُ: شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ عَنَاهُ يَعْنِيهِ: إِذَا اهْتَمَّ بِهِ وَطَلَبَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَا لَا عِنَايَةَ لَهُ بِهِ وَلَا إِرَادَةَ بِحُكْمِ الْهَوَى وَطَلَبِ النَّفْسِ، بَلْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا جَعَلَهُ مِنْ حُسْنِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ الْمَرْءِ، تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ”[2].

فترك الفضول خلق محمدي راقٍ يعكس رقي الدين ومقاصده النبيلة، وقاعدة تربوية جليلة، ما أحوجنا إليها في أسرنا ومجالسنا وفي حياتنا بصفة عامة.

فما معنى الفضول؟ ومن هو الفضولي؟ وما هي آفات الفضول؟ وما ثمرات ترك الفضول؟ وكيف السبيل إلى اكتساب هذه المهارة؟

معنى الفضول:

كلمة الفضل مشتقة من (فضل) أي: زاد، قال الراغب في المفردات: الفَضْلُ: الزّيادة عن الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود: كفضل العلم والحلم، ومذموم: كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه. والفَضْلُ في المحمود أكثر استعمالا، والفُضُولُ في المذموم[3]. والتَّفَضُّل: التَّطوُّل عَلَى غَيْرِكَ[4].

المزيد من المشاركات
1 من 58

معنى الفضولي:

الفضولي هو الذي يتدخل في شؤون الأخرين. وقال الزبيدي صاحب تاج العروس: “الفُضولِيُّ، بالضَّمّ: المُشتَغِلُ بِمَا لَا يَعْنِيه، وَقَالَ الرَّاغِب: الفُضول: جَمْعُ الفَضْلِ، وَقد استُعمِلَ الجمعُ استعمالَ المُفردِ فِيمَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلِهَذَا نُسِبَ إِلَيْهِ على لفظِه، فَقيل: فُضولِيٌّ، لمن يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يعنيه لأنّه جُعِلَ عَلَمَاً على نوعٍ من الكلامِ فنُزِّلَ مَنْزِلةَ المُفرَد، والفُضولِيُّ فِي عُرفِ الفُقَهاءِ: مَن لَيْسَ بمالكٍ وَلَا وَكيلٍ وَلَا وَلِيٍّ[5].

وفضول الكلام من الأشياء المكروهة وقديما قالوا: “فضول النظر من فضول الخواطر، وفضول النظر تدعو إلى فضول القول، وفضول القول تدعو إلى فضول العمل، ومن تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، وإن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول”[6].

آفات فضول الكلام:

  1. يؤدي إلى قساوة القلب ووهن في البدن وتعسير في الرزق

إن الكلام فيما لا يعنيك يؤدي إلى قساوة القلب ووهن في البدن، قال مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه: “إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك”.[7]

  1. يؤدي إلى مضيعة للوقت فيما لا طائل من ورائه
مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ: ” َنَّ رَجُلًا مَرَّ بِلُقْمَانَ – وَالنَّاسُ عِنْدَهُ – فَقَالَ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى. الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى عِنْدَ جَبَلِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا الَّذِي بَلَغَ مَا أَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَطُولُ السُّكُوتِ عَمَّا لَا يَعْنِينِي”[8].

  1. فضول الكلام مضنة الخطأ

كثرة الكلام والفضول فيه مظنة للخطأ، وفي هذا الصدد نذكر أثرا جميلا يقول: “من كثر كلامه كثر سقطه”؛ أي أخطاؤه وزلاته.

  1. فضول الكلام يجعل الإنسان مبغضا من قبل الناس

من الواضح أن الناس لا يحبون من يدس أنفه في خصوصياتهم، فيصير ثقيلا على قلبهم، ولا يتحملون مجالسته، قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لجلسائه لم صَار الثقيل أثقل على الْقلب من الْحمل الثقيل، فَلم يجب مِنْهُم أحد وَقَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم فَقَالَ لِأَنَّهُ يجْتَمع على الْحمل الثقيل الرّوح وَالْبدن والثقيل تنفرد بِهِ الرّوح[9].

ثمرات ترك الفضول

إذا كان فضول الكلام يؤدي إلى آفات وعواقب وخيمة للمرء، فإن في تركه ثمار وفضائل جميلة على المرء، ومن جملة هذه الثمار؛ ما يلي:

  1. ترك الفضول علامة على حسن الإسلام

أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ترك الفضول علامة على حسن الإسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”[10].

  1. ترك الفضول من علامة أهل الجنة

عن كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ هَذَا الْبَابَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: فَأَخْبِرْنَا بِأَوْثَقِ عَمَلِكَ فِي نَفْسِكَ تَرْجُو بِهِ، قَالَ: إِنِّي لَضَعِيفٌ، وَإِنَّ أَوْثَقَ مَا أَرْجُو بِهِ لَسَلَامَةُ الصَّدْرِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي”.

  1. ترك فضول الكلام دليل على الحكمة

فعَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ قَالَ: “قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا حِكْمَتُكَ؟ قَالَ: لَا أَسْأَلُ عَمَّا كُفِيتُ وَلَا أَتَكَلَّفُ مَا لَا يَعْنِينِي”[11]. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: “إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يُطِيلُ الصَّمْتَ وَيَهْرُبُ مِنَ النَّاسِ فَاقْرُبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ”[12].

كيف السبيل لاكتساب مهارة ترك الفضول؟

لعل البعض يتساءل كيف السبيل لاكتساب مهارة ترك الفضول؟

وجوابا عن السؤال نقول: إن ذلك يحتاج إلى تربية، وجهاد النفس. ومما يعين على ذلك ما يلي:

1 ــ محاسبة النفس: فالمرء يحتاج دائما إلى وقفة مع نفسه ليحاسبها، قبل أن تحاسب، ويزنها قبل أن توزن، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة: 18]”[13].

2 ــ استغلال الوقت فيما ينفع: الوقت خير ما يملك الإنسان فينبغي أن يملأه فيما ينفعه من قراءة القرآن أو طلب العلم أو الرياضة، ولا يترك الفراغ الذي يمنحه الوقت لمراقبة شؤون الآخرين والتدخل فيما لا يعنيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ”[14].

3 ـــ تذكر حضور الملائكة الكاتبين: قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) {سورة ق: الآية 18}.

4 ـــ 2 ـــ إدراك المرء أن السكوت أعظم من الكلام: ونذكر هنا قولة مشهورة على الألسن تقول: “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”. وقد حثنا الإسلام على حفظ اللسان، والإكثار من الصمت إلا فيما فيه خير وإرشاد وصلاح، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بحفظ ألسنتهم، فيقول: “أمسك عنك هذا” ويشير إلى لسانه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت”[15].

وأختم كلامي بقول الشاعر:[16]

الحلم زين والسّكوت سلامة… فإذا نطقت فلا تكن مكثارا

ما إن ندمت على سكوتي مرّة… إلا ندمت على الكلام مرارا

والله أسأل أن يحفظ لساننا، ويرزقنا العلم والفهم والحكمة وفصل الخطاب.


 

[1] ــــ أخرجه الترمذي، رقم الحديث: 2317، ج4، ص 558. صححه الألباني.

[2] ـــ جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط – إبراهيم باجس، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: السابعة، 1422هـ – 2001م، ج1، ص 288.

[3] ــ المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: 502هـ)، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية – دمشق بيروت، الطبعة: الأولى – 1412هـ، ج1، ص 639.

[4] ــ لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414هـ، ج11، ص 525.

[5] ــ تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، ج30، ص 178.

[6] ــ البيان والتبيين، عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: 1423هـ، ج1، ص 169.

[7] ــ فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر، الطبعة: الأولى، 1356هـ، ج1، ص 286.

[8] ــ الصمت وآداب اللسان، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281هـ)، تحقيق: أبو إسحاق الحويني، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 1410هـ، ص 96.

[9] ــ ذم الثقلاء، محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام، أبو بكر المحولي (المتوفى: 309هـ)، تحقيق: د. مأمون محمود ياسين، الناشر: مؤسسة علوم القرآن، دار ابن كثير – الشارقة، الطبعة: الأولى، 1412هـ، ج1، ص 31.

[10] ــــ سبق تخريجه.

[11] ــ الصمت وآداب اللسان، ابن أبي الدنيا، ص 96.

[12] ــ لتبصرة لابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1406 هـ – 1986م، ج2، ص 289.

[13] ــ أخرجه محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، تحقيق: المسعتصم بالله أبي هريرة مصطفى بن علي بن عوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ – 1986م، د1، ص22.

[14] ــ أخرجه البخاري، في كتاب: الاستئذان، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة. رقم: 6412.

[15] ــــ أخرجه البخاري في كتاب الأدب (6018)، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (172 و174)

[16] ــ العقد الفريد، أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ، ج2، ص 303.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.