منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم الأصيل من خلال الإصلاح الجديد

الدكتور محمد الطريباق اليدري

0

بعد الإعلان عن استقلال المغرب، اتجه الوطنيون المغاربة إلى ضرورة توفر المغرب على تعليم وطني مستقل، باعتباره وسيلة لتحقيق التقدم والرقي، وأداة لبلوغ التنمية المنشودة.

في هذا الإطار تم وضع وصياغة مشاريع عدة لإصلاح هذا القطاع، ابتداء من سنة 1957 حيث إنشاء اللجنة العليا لإصلاح التعليم وإحداث كليات وطنية، مرورا بمجموعة من المحطات والمناظرات، ووصولا إلى الإصلاح الجديد المجسد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي رأى النور سنة 1999، وبدأ تطبيق بنوده سنة 2000.

ولقد احتل التعليم الأصيل موقعا ومكانة في كل من “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” ومن “الكتاب الأبيض” الذي يعد تدابير إجرائية ونقطا تفصيلية لبنود هذا الميثاق.

خلف موقع التعليم الأصيل ضمن المنظومة التربوية الجديدة جدلا وخلافا بين مجموعة من المهتمين والفعاليات ذات الصلة والارتباط بهذا النوع من التعليم.

وهذا ما سأتناوله في المبحثين التاليين.

المزيد من المشاركات
1 من 8

المبحث الأول: موقع التعليم الأصيل في الميثاق الوطني للتربية والتكوين

حدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين مكانة التعليم الأصيل ضمن دعامته الرابعة الخاصة بإعادة الهيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين، حيث جاء في المادة 88 ما نصه:

“- تحدث مدارس نظامية للتعليم الأصيل من المدرسة الأولوية إلى التعليم الثانوي مع العناية بالكتاتيب والمدارس العتيقة وتطويرها وإيجاد جسور لها مع مؤسسات التعليم العام.

  • تنشأ مراكز متوسطة لتكوين القيمين الدينيين، وتراجع التخصصات بناء على المتطلبات الآنية والمستقبلية.
  • يقوى تدريس اللغات الأجنبية بالتعليم الأصيل.
  • تمد جسور بين الجامعات المغربية ومؤسسات التعليم العالي الأصيل وشعب التعليم الجامعي ذات الصلة على أساس التنسيق والشراكة والتعاون بين تلك المؤسسات والجامعات”[1].

لقد أثار التنصيص على التعليم الأصيل في المادة 88 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتخصيصه بثمانية أسطر من مجموع ثلاث وثمانين صفحة منه، حفيظة ثلة من العلماء والمهتمين بالتعليم الشرعي عموما.

وفي هذا الصدد تم تنظيم مجموعة من اللقاءات والأيام الدراسية شاركت فيه مختلف الجمعيات والعلماء المهتمين بالتعليم الأصيل، بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية والشباب ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

يوضح الأستاذ عبد الله العلوي الشريفي هذا بقوله: “سبب عقد جمعيات علماء المغرب للقاءاتها مع وزارة التربية الوطنية هو أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين لم يهتم بالتعليم الأصيل، وجاءت المادة 88 تتحدث عنه فيما لا يتعدى 7 أسطر”[2].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وفي نفس السياق يعتبر الأستاذ محمد بن معجوز أن: الميثاق الوطني للتربية والتكوين همش التعليم الأصيل، وأقل ما يقال عنه (أي الميثاق) أنه وضع لدولة فيها أقلية مسلمة ينبغي أن يخصص لها المشروع بضعة أسطر لتعليمها الأصيل[3].

وفي موضع آخر يذكر ما نصه:” قلص هذا المشروع دور التعليم الأصيل، وتناسى أصحابه ما قام به وما يقوم به هذا التعليم رغم المضايقات من دور في المجتمع المغربي”[4].

أما الدكتور حميد فتاح فإنه يسجل ضمن ملاحظاته على الميثاق الوطني للتربية والتكوين تهميشه للتعليم الأصيل، والحديث عنه في سطور قليلة ضعيفة المبنى مشوشة المعنى[5].

لم تكن الإشارات الواردة بخصوص التعليم الأصيل في المادة 88 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين لترضي الغيورين على هذا النوع من التعليم. لذلك تم تنظيم مجموعة من اللقاءات محاولة من هذه الجمعيات تدارك الموقف وإعادة الاعتبار، وإحلال الموقع المشرف للتعليم الأصيل ضمن المنظومة التعليمية الحالية.

ومما يمكن تسجيله من الإيجابيات على الميثاق بخصوص التعليم الأصيل، يذكر الدكتور محمد يسف ما نصه: “إن الميثاق الوطني للتربية والتكوين حاول أن يكون وفيا لميراث الأمة، فيما انتهى إليه من رصد لنبض الحياة فيها. وكان للتعليم الأصيل في بنوده نصيب مذكور، إن لم يكن في حجم الطموح، فهو غير مجحف من حيث إنه اعترف لهذا التعليم بحيز ذي بال، كما هو واضح في البند 88 منه، إذ جعله قسيما للتعليم العام، له بداية ونهاية من الكتاب إلى البكالوريا، لاشك أنه مكسب لا يسع العلماء إلا أن ينوهوا به”[6].

وتعبيرا عن الموقف الرسمي للوزارة الوصية تجاه التعليم الأصيل يصرح وزير التربية الوطنية والشباب السيد الحبيب المالكي قائلا: “إن الميثاق الوطني للتربية والتكوين يجسد الاستمرار الفعلي للعناية الرسمية والشعبية بالمنظومة التربوية والتكوينية التي يمثلها التعليم الأصيل”.

ويمضي السيد الوزير مبينا مكانته إذ يقول: “ويحدد الميثاق المكانة اللائقة لهذا التعليم ضمن دعامته الرابعة الخاصة بإعادة الهيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين. بل يخصص له المادة 88 بصريح العبارة داعيا إلى تقويته وإغنائه وتطويره، وإيجاد جسور له مع مؤسسات التعليم العام. ونحن حريصون على ذلك أشد ما يكون الحرص، نواكب ما يرسمه الميثاق حول ما ينبغي للتعليم الأصيل أن يرتاده من آفاق وما ينبغي أن يحققه من غايات وأهداف”[7].

تباينت وجهات نظر الفاعلين التربويين حول موقع التعليم الأصيل في منظومة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بين منوه بمكانته وراض بمرتبته التي احتلها، ومتذمر مطالب بإعادة الاعتبار له وتفعيله مع محيطه كما كان الحال دائما وبروح سامية.

يقول الأستاذ محمد الرزكي:” ونحن إذا تأملنا في تموقع التعليم الأصيل خلال مجالات الميثاق يمكن أن نقول بأن تموقعه كان إيجابيا باعتبار، وسلبيا باعتبار آخر على وجه الإجمال:

  • إيجابيا:

من حيث التنصيص عليه باسمه كما ورد في الدعامة أثناء المادة 24 مثلا، وفي الدعامة الرابعة في المادة 88 بكاملها، وفي مسألة الجسور بينه وبين التعليم العصري في الثانوي بالسلك التأهيلي على مستوى السنة الثالثة، وفي العالي. وإن كان ينبغي أن تشمل كذلك السنتين قبلها والسلك الإعدادي والابتدائي في الهيكلة الجديدة لنظام التربية والتكوين”.

بعدما عرض الأستاذ نقطا تحسب من مزايا هذا الإصلاح الجديد تطرق إلى الجوانب السلبية التي تكمن في الميثاق تجاه التعليم الأصيل حيث يقول:

  • وسلبيا:

حين يغفل كما حصل في المادة 71 حيث يقول: يتوخى التعليم الثانوي (الثانوي العام، والتقني، والمهني) وكأن التعليم الأصيل ليس عاما، ولا حظ له في التعليم التقني والمهني، والحال أنه يعاني من قلة الروافد، ليس لقلتها أو عدم رغبتها في متابعة الدراسة به، ولكن لعدم العناية بها العناية المطلوبة، ومع العلم بأنه يطالب بأن يدعم بشعب، ومنها شعبة اللغات حتى يتفاعل مع محيطه بإيجابية كما الحال دائما وبروح سامية”[8].

وتمتد ملاحظات الأستاذ حتى تشمل هيكلة التعليم الأصيل في مشروع الميثاق إذ يقول: “أما عن هيكلة التعليم الأصيل في المجال الثاني من الدعامة الرابعة تحت عنوان: التعليم الأصيل في المادة المشار إليها برقم 88 فإننا نلاحظ فيما تضمنته حتى في جانب الإيجابيات اضطرابا واضحا، ومرده على ما أظن إلى عدم فهم عناصر مدرستنا الإسلامية، وإغفالا لجوانب وقع التنصيص عليها في التعليم الآخر بنفس المجال، والدعامة بالنسبة للتعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي، وكلها تهم التعليم الأصيل، إذ ما يجري على المثل يجري على المماثل كما يقال”.

“ونلاحظ ثالثا خلطا فيما نعرف أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تقوم به من تكوين القيمين الدينيين، ودون أن يكون هناك تنسيق بينها وبين وزارة التربية الوطنية”.

وثمة ملاحظة أخرى يسجلها على البند الرابع من المادة 88 الذي يقول: “تمد جسور بين الجامعات المغربية ومؤسسات التعليم العالي الأصيل وشعب التعليم الجامعي ذات الصلة على أساس التنسيق والشراكة بين تلك المؤسسات والجامعات” حيث يذكر ما نصه: “نلاحظ أن جامعة القرويين بكلياتها الثلاث في الشريعة وأصول الدين واللغة العربية [ودار الحديث الحسنية] والتي هي أم الجامعات المغربية إن لم تكن أم جامعات الدنيا تصبح مؤسسات. كما أن المدارس الابتدائية والإعدادية ومآوي الأطفال مؤسسات”[9].

وهكذا يبرز الموقع الذي يحتله التعليم الأصيل ضمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وكذا المواقف المختلفة لمختلف الفاعلين التربويين والعلماء تجاه المكانة التي تبوأها الميثاق.

مقتطف من كتاب:

التعليم الأصيل بالمغرب واستشراف إصلاحه وتجديده

رابط تحميل الكتاب:
https://www.islamanar.com/authentic-education/


[1]: الميثاق الوطني للتربية والتكوين. اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين. 1999. ص14.

[2]: أشغال اليوم الدراسي الأول عن التعليم الابتدائي الأصيل. المحجة. العدد 194-195. يونيو 2003.

[3]: أشغال اليوم الدراسي عن مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين. المحجة 124. 16 فبراير 2000.

[4]: المرجع نفسه.

[5]: كلمة شعب الدراسات الإسلامية في اليوم الدراسي عن مشروع الميثاق. من تنظيم جمعية “قدماء التعليم الأصيل بفاس” المحجة. العدد 124. 16 فبراير 2000.

[6]: كلمة جمعيات العلماء بمناسبة أشغال اليوم الدراسي الأول للتعليم الابتدائي الأصيل. الذي نظمته وزارة التربية الوطنية بشراكة مع جمعيات العلماء بالمغرب. نشرته جريدة المحجة. العدد المزدوج 194-195 بتاريخ 9 يونيو 2003.

[7]: كلمة وزير التربية الوطنية والشباب بمناسبة أشغال اليوم الدراسي الأول للتعليم الابتدائي الأصيل. جريدة المحجة. العدد 194-195. 2003.

[8]: الأستاذ محمد الرزكي. هيكلة التعليم الأصيل في مشروع الميثاق. جريدة المحجة. العدد124. السنة 2000.

[9]: محمد الرزكي. هيكلة التعليم الأصيل. جريدة المحجة. العدد 124. السنة 2000.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.