منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لكي لا تكون النصوص الشرعية مطية للأهواء الخفية

لكي لا تكون النصوص الشرعية مطية للأهواء الخفية/ د. عبد الباسط المستعين

0

لكي لا تكون النصوص الشرعية مطية للأهواء الخفية

د. عبد الباسط المستعين

 

نشر بمجلة منار الهدى العدد 3 ربيع 2003م/1424ه، صفحات من 24 إلى 27

 

يحلو لكثير من الهمم الخائرة أن تجعل من نصوص الشرع متكأ لضعفها وأريكة لأريحية تحرص على ضمانها. بأية وسيلة كانت لذلك، تستغرق في التنقيب على بعض النصوص الشرعية تعمل على انتقائها وحفظها لاستعراضها عند الحاجة والإدلاء بها عند الاقتضاء.

ولئن كانت هذه النصوص صحيحة وليست محل طعن أو شك فإن سوء توظيفها وجعلها مطية لأهواء دفينة يفقدها مدلولها الحقيقي. وإن أخطر ما يخشى على الدين الإسلامي هو هذه الفئة التي تنبري باسم الدين إلى هد أسسه، وقد يتجاوز الأمر حد الأمراض الفردية والنفوس العزلاء إلى تصورات جماعية ومنظومات مشتركة تحتضن وتربي غيرها على تلك التفسيرات الواهنة والتأويلات المبتذلة عن قصد أو عن غير قصد، وهنا يكمن خطر الانحراف الفكري الناجم عن إرادات هوت أمام إكراهات الواقع وعقبات الطريق، وتجد عزاءها في ترسبات تاريخية مشابهة تراكمت عن قرون العض والجبر.

إن بعض الناس لا يحفظون من كتاب الله سوى آيات معدودة يتم الاستناد إليها عند الضرورة لتسويغ أي إحجام والإدلاء بها لكل مخالف أو منافح. ودون أن يكلف هؤلاء أنفسهم عناء البحث عن سياق تلك الآية أو سبب نزولها أو تفسيرها الحقيقي أو وضعها في موضعها الشمولي مع بقية النصوص الأخرى، فإنها تستحم عندهم بقصد إفحام الخصوم ورد كل اتهام محتمل.

وهكذا نجد آيات قرآنية مثل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)[1] و(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)[2] و(لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)[3] و(ولا تنس نصيبك من الدنيا)[4] و(المال والبنون زينة الحياة الدنيا)[5] و(إن الله غفور رحيم)[6] و(كنتم خير أمة أخرجت للناس)[7] هي ملاذ تلك الفئة ومرجعها في السلوك والعمل والإفتاء دون تقيد بما يسبقها أو يلحقها من أحكام وبإهمال بقية الآيات والأحاديث التي تفصل مجملها أو تقيد مطلقها أو تبين مشكلها.

فمثلا آية (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) كثيرا ما كانت مضجعا لمواقف تخشى تبعات الجهاد وثمن الكينونة في صف المؤمنين (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)[8] وإن محاولة التخلص من واجبات الرسالة المنوطة بكل مسلم والاحتياط المفرط ضد كل أدى قد تتحول من موقف الإحجام الشخصي عن الجهاد إلى اتهام كل مجاهد بأنه متهور يلقي بنفسه إلى “التهلكة” والتهلكة في سياقها القرآني عكس ما يقصد هؤلاء تماما، فقد حذر منها الأنصار رضي الله عنهم لما استثقلوا الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما استثقلوا الإنفاق من أموالهم في سبيل الله كذلك.

ورد في أسباب نزول هذه الآية عند السيوطي أن البخاري روى عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي أيوب الأنصاري قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو قمنا إلى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله -يرد علينا ما قلنا- (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو.

وأما آية (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فلا تخلو من توظيف سلبي. فالوسع كما عرفه العلماء هو أقصى ما تستطيع النفس إتيانه وليس ما يوهم به البعض ذاته وينزع إلى الإقناع به أن يقعد المرء مع القاعدين ويحتج بأن الله لم يكلفه إلا وسع النفس، فهل بذل من ذلك الوسع مثقال حبة، أم أنه استلقى على ظهره مستندا إلى الآية الكريمة التي لا تحتمل ذلك الموقف؟

آية أخرى لم تسلم من ذلك التفسير التعسفي وتتخذ ذريعة لاعتزال هموم الناس وقضايا المجتمع وللتنصل من مسؤولية الفرد نحو أمته بما تقتضيه من واجبات التنظيم ومتطلبات الدعوة وأعباء الجهاد، هذه الآية هي (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه” رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة. الواضح من تفسير الصديق رضي الله عنه أن العزائم المشلولة تميل دائما إلى الأفهام التي تناسبها ولو على حساب مقصد النص وحقيقته وكنهه.

وأما آية (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فتستعمل لتسلية النفس وتوهم الظفر المجاني بهذه الخيرية بمجرد الانتماء الجغرافي أو النسب التاريخي لأمة الإسلام دون البحث في معنى هذا الانتماء ومستلزماته ومع نسيان الشرط الملازم له في بقية الآية المرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وينسى أمثال هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرأ من أصناف حدد أوصافهم واعتبر أفعالهم نافية لانتمائهم إلى أمة الإسلام وإن وجدوا ضمنها مقاما وجسدا في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “من غشنا فليس منا” جزء من حديث في الصحيح وفي رواية: “من غش فليس منا” وقوله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه حذيفة: “من احتكر طعام المسلمين فليس منا” وقوله كذلك: “ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا” وكثيرا ما كانت الصيغة التالية في السنة النبوية المطهرة: من فعل كذا فليس مني ولست منه.

إن هدفي هنا ليس الوقوف على تفسير هذه الآيات المباركة، فإن هذه المهمة قد أغنت عنها كتب التفسير الكثيرة ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة، ولكن حسبي أن أثير هذه القضية، أي كيفية التعامل مع الآيات القرآنية وسوء فهمها وتوظيفها، وأنبه كذلك إلى الخطورة التي تشكلها تلك الإرادات الواهنة أو المنحرفة والتي تسخر في النهاية العقول لتبرير أحوالها، والعقل البشري لا تعوزه الحجج حتى لو تطلب ذلك لي أعناق النصوص وتحميلها ما لا تحتمل وإن اقتضى الأمر أحيانا التدليس قصد إثبات حقيقة باتت واهية أو حجة بدت غير مقنعة..

وكما يحصل مع كتاب الله تعالى يتكرر مع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكثيرة هي الأحاديث النبوية الشريفة التي توظف في غير محلها وكثيرة هي السنن التي يتم العض عليها بالنواجد دون غيرها. ومن الأحاديث التي يكاد يحفظها الجميع ويحرص على تمثلها تلك الخاصة بتعجيل الفطور بعد الصيام، إذا حضر الطعام فلا صلاة، الدين يسر، الدنيا متاع، إنما الأعمال بالنيات، الإيمان في القلب… وهناك أحاديث أخرى لها أبعاد أكثر خطورة، فإذا كانت الأحاديث السابقة لا يتجاوز ضرر تأويلها النفعي الأفراد، فإن سوء تفسير بعض الأحاديث الأخرى ينعكس سلبا على المجتمع بأكمله، بل الأمة في مجموعها، ومنها أحاديث الحث على طاعة أولي الأمر التي تدرج في الغالب مجردة من القيود التي تتضمنها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة” رواه البخاري. وفي رواية لمسلم والترمذي والنسائي “إن أمر عليكم عبد مجدع (…) يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا”. هذا الحديث غالبا ما يحرف عن المقصد النبوي في إقرار الطاعة وعدم ربطها بميزان التفاضل العصبي لقبيلة أو دم أو جنس، وليس في الحديث ما يدل على طاعة العبد الحبشي في معصية الله أو في حال تعطيل شرع الله، بل إن فيه قيدا يتم السكوت عنه وهو “يقودكم بكتاب الله” فضلا عن النصوص الأخرى التي تعضده كقوله صلى الله عليه وسلم: “السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”. رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة لم عصى الله”، “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” كنز العمال.

وهنا تعاني نصوص أخرى غربة الإغفال والتغييب كتلك التي تجيب بوضوح “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم” قالوا وما نفعل يا رسول الله؟ قال: “كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير فوالذي نفس محمد بيده لموت في طاعة خير من حياة في معصية” رواه أبو نعيم في دلائل النبوة. كما روى الإمام أحمد وابن ماجة والطبراني في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: “سيلي أموركم رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها” فقلت يا رسول الله: إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: “تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل! لا طاعة لمن عصى الله”.

فالمقابلة بين الأحاديث السابقة هي مقابلة تكامل لا تعارض كما يتبادر إلى بعض الأذهان الضيقة ذات النظرة الأحادية الذرية المنقبة عن سند للموقف الذي تطمئن إليه…

وهناك نصوص أخرى لا تندرج ضمن التشريع العام وإنما ترتبط بوصية شخصية تهم فردا بعينه أو تعالج حالة خاصة، تخضع عسفا لمحاولة التعميم كما في الأمر النبوي لأحدهم بالعزلة ولو بالعض على جذع شجرة. أو أمره صلى الله عليه وسلم للذي عنده والدان “ففيهما فجاهد”. كما تنزلق النفوس في تمثل السنة النبوية إلى الاتكال على دائرة الرخص دون العزائم، فالعديد من الناس لا يرون في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحافلة بالجهاد والعطاء في سبيل الله سوى بعض المواقف (الرخص) المظروفة بظرفها والتي تبرز جانب المرونة في دعوته صلى الله عليه وسلم، فيتم تسليط الضوء مثلا على صلح الحديبية نزول الرسول صلى الله عليه وسلم عند رغبة المشركين في تلك المعاهدة، ويحاول البعض أن يجعل من هذه الاستثناءات في مسيرة الدعوة أصلا ومنطلقا لك مواقفه يبني عليه خطة عمله كلها ويجعلها مدار دعوته وحركته التغييرية.

خلاصة القول أن التعامل مع كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تقتضي تجرد النفوس الكامل عن جميع أمراضها وأهوائها ويتطلب إقبالا على النصوص الشرعية لا اتخاذها دليل عمل ومرجعا للسلوك إسوة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان قرآنا يمشي بين الناس لا أن نجعل من نصوص الشرع ملجأ لتبرير أي سلوك نقدم عليه أو نهجا نختاره سلفا، وهذه مهمة ليست هينة في واقع تعطلت فيه الأحكام الشرعية في الشؤون العامة والقوانين الجارية في وضع يحرسه المستكبرون بالحديد والنار، لكن سلعة الله غالية وما كان غاليا لا ينال في طبق من ذهب وإنما دونه أشواط من الجهاد (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)[9].


[1] البقرة 285

[2] البقرة 195

[3] المائدة 157

[4] القصص 77

[5] الكهف 46

[6] النساء 24- الفرقان 70 – الأحزاب 50 – الفتح 14 …

[7] آل عمران 110

[8] العنكبوت1

[9] محمد 8

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.