منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقائق شرعية ومواقف إيمانية ينبغي التذكير بها زمن “كورونا”

الباقة الأولى ـ د. ادريس يعكوبي

0

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ فإن هناك حقائق شرعية، ومواقف إيمانية، ينبغي التذكير بها في هذا الزمن الذي نعيشه؛ زمن كورونا، وتتميز هذه الحقائق بما قيدت به، وهو: كونها شرعية، مستندة إلى الشرع؛ كتاب ربنا، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما أحوج الناس اليوم إلى التذكير بهذه الحقائق، التي تربطهم بخالقهم ربنا سبحانه وتعالى، لتثمر مواقف إيمانية يتقرب بها إلى الله عز وجل.
وقد بدا لي أن أستجلي بعضا من هذا، في كلمات وسطور، بحسب ما يفتح الله سبحانه وتعالى به علي، راجيا منه عز وجل؛ التوفيق والسداد، وحسن القصد والصواب.

الحقيقة الأولى: وباء كورونا مرض، ويندرج في مرض الطاعون خاصة.

لا أحد ينكر: أن هذا الوباء مرض، وهل هو من الطاعون أم لا؟ الذي يظهر من كلام علمائنا رحمهم الله تعالى: أنه منه، وإن أنكر ذلك بعض الأطباء، وذلك: أن هذا الوباء يصيب غير واحد من الناس، وينتقل بصورة رهيبة وغريبة، حيرت المتخصصين بله العامة. ومما عرف به الطاعون الوارد في النصوص الشرعية الصحيحة التي سنراها بعد إن شاء الله تعالى، أنه هو: المرض العام، الذي يصيب عامة الناس. قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى بعد ما أورد نقولا في معنى الطاعون: “وحاصله: أن الطاعون مرض عام، يكون منه موت عام، وقد يسمى بالوباء”.
ومرض كورونا يعد وباء، من الأوبئة، لا أحد يجادل في ذلك، وقد عرف الخليل بن أحمد الوباء بالطاعون فقال: “الوباء، مهموز: الطاعون، وهو أيضا: كل مرض عام”. وقال ابن الأثير: “والطاعون: المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان”. وفي مختار الصحاح: “والطاعون: الموت من الوباء، والجمع: الطواعين”.

الحقيقة الثانية: ظهور هذا الوباء مراد من مراد الله عز وجل.

كل ما يقع في الكون من خير، أو شر، مراد لله سبحانه وتعالى، فمن صفاته عز وجل الواجبة: الإرادة، والكون كله ملك له عز وجل، ولا يمكن أن يقع شيء في ملكه إلا ما يريده. ولذلك سواء قلنا: إن ظهور هذا الوباء وراءه أياد بشرية، أو لم نقل ذلك، فهو من مراد الله عز وجل ومشيئته. جعل لظهوره أسبابا، قد نعلمها، وقد نجهلها. قال الله سبحانه وتعالى: “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين”. يقول الإمام الصاوي رحمه الله تعالى في حاشيته على تفسير الجلالين: “قوله: “وما تشاؤون” رجوع للحقيقة، وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده الله منه”.

المزيد من المشاركات
1 من 33

الحقيقة الثالثة: الطاعون رحمة وشهادة للمؤمنين.

إذا سلمنا بأن وباء كورونا يعد طاعونا من الطواعين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر في أكثر من حديث: أن الطاعون رحمة، وشهادة للمومنين. ومن هذه الأحاديث:
1 ـ روى الإمام البخاري في صحيحه، بسنده عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال لي أنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه: يحيى بم مات؟ قلت: من الطاعون، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطاعون شهادة لكل مسلم”. يحيى المذكور في هذا الحديث هو: ابن سيرين المكنى أبا عمرة، فهو أخو حفصة، وكانت وفاته في حدود التسعين من الهجرة.
2 ـ وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المبطون شهيد، والمطعون شهيد”. والمطعون هو: من مات بسبب الطاعون.
3 ـ وروى أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: “أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد”.
فهذه الأحاديث تدل على أن الطاعون بالنسبة للمؤمنين، والمسلمين، شهادة، ورحمة، لكن لا يكون رحمة لهم إلا بشروط ثلاثة، وهي:
أولا: المكوث في البيت؛ لقوله في الحديث: “فيمكث في بلده” وفي رواية عند الإمام أحمد: “في بيته”.
ثانيا: الصبر والرضى بقضاء الله وقدره؛ لقوله في الحديث: “صابرا”؛
ثالثا: الجزم والعلم بأنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له. لقوله في الحديث: “يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له”.
وفي هذه القيود الثلاثة يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: “قوله: “صابرا” أي: غير منزعج ولا قلق، بل مسلما لأمر الله، راضيا بقضائه، وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو: أن يمكث بالمكان الذي يقع به، فلا يخرج فرارا منه…وقوله: “يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له” قيد آخر، وهي جملة حالية تتعلق بالإقامة، فلو مكث وهو قلق، أو متندم على عدم الخروج، ظانا أنه لو خرج لما وقع به أصلا ورأسا، وأنه بإقامته يقع به، فهذا لا يحصل له أجر الشهيد ولو مات بالطاعون، هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث، كما اقتضى منطوقه: أن من اتصف بالصفات المذكورة، يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون، ويدخل تحته ثلاث صور: …من اتصف بذلك فوقع به الطاعون فمات به، أو وقع به ولم يمت به، أو لم يقع به أصلا، ومات بغيره عاجلا أو آجلا”.
وقال ابن العربي: “تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجزا أرسل على من كان قبلنا، وقد سماه شهادة، عندنا، فقال: “والمطعون شهيد”، وتحقيقه: أن الله جعله عذابا لمن كان قبلنا بحكمته، وجعله شهادة لنا برحمته”.
وقال في المفهم: “وحاصله: أن الطاعون مرض عام يكون عنه موت عام، وقد يسمى بالوباء، ويرسله الله نقمة وعقوبة لمن يشاء من عصاة عبيده وكفرتهم، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين من عباده”.
والمطعون الصابر المحتسب يعطى أجر الشهادة مرتين، فقد ورد في الحديث: أن المطعون شهيد، وورد في حديث آخر: أن من صبر…كان له مثل أجر الشهيد، وهذا يدل على أن من مات بالطاعون صابرا راضيا، له أجر شهيدين. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “واستنبط من الحديث: أن من اتصف بالصفات المذكورة، ثم وقع به الطاعون فمات به؛ أن يكون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدد الثواب بتعدد الأسباب، كمن يموت غريبا بالطاعون، أو نفساء، مع الصبر والاحتساب. والتحقيق فيما اقتضاه حديث الباب: أنه يكون شهيدا بوقوع الطاعون به، ويضاف له مثل أجر الشهيد؛ لصبره وثباته، فإن درجة الشهادة شيء، وأجر الشهادة شيء”.
هذا الجزاء الإلهي العظيم يستحقه غير العاصي من المؤمنين والمسلمين اتفاقا، وأما العاصي، فقد حكى فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قولين:
أحدهما: أنه يستحقه وإن كان عاصيا، وثانيهما: أنه لا يستحقه لتلبسه بالمعصية. وفي هذا يقول: “وأما العاصي من هذه الأمة، فهل يكون الطاعون له شهادة، أو يختص بالمؤمن الكامل؟ فيه نظر، والمراد بالعاصي من يكون مرتكب الكبيرة، ويهجم عليه ذلك وهو مصر، فإنه يحتمل أن يقال: لا يكرم بدرجة الشهادة؛ لشؤم ما كان متلبسا به؛ لقوله تعالى: “أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات…”. …ويحتمل أن يقال: بل تحصل له درجة الشهادة؛ لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما في الحديث الذي قبله عن أنس: “الطاعون شهادة لكل مسلم” …ومن رحمة الله بهذه الأمة المحمدية: أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنما عمهم ـ والله أعلم ـ لتقاعدهم عن إنكار المنكر”.
هذه حقائق ثلاث، يجب على المؤمن إزاءها أن يقف مواقف إيمانية، هي التي سنراها بعد في الباقة الثانية إن شاء الله تعالى.

كتبه عبد ربه: إدريس يعكوبي 14شعبان 1441/ 8ابريل 2020.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.