منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(5) مقصد رواج الأموال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

(5) مقصد رواج الأموال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

تحث الشريعة الإسلامية على رواج المال وتداوله في أوسع شريحة ممكنة، وعلى أوسع نطاق، وعلى العمل فيه بأمانة وبجدية، وتوزيع المهام بين أفراد المجتمع وفئاته، قال عز وجل: “وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّه”(الزمر:20). وورد في القرآن الكريم وعن النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة الكثير من التوجيهات التي ترسخ هذه السياسة المالية، وتحقق مقاصد رواج الأموال.

أولا: رواج الأموال؛

ويقصد به دوران المال بين أيدي أكبر عدد ممكن من الناس بوجه حق، وذلك بالتجارة وغيرها. ويقصد به أيضا؛ تحريك الأموال وعدم اكتنازها، حتى تتداوله فئة قليلة من الناس، قال تعالى: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ” (الحشر: 7). ويتحقق ذلك بإنتاج الثروة، يقول محمد الطاهر بن عاشور: (الشريعة قصدت من تشريعها في التصرفات المالية إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة)[1]، فالمقصد العام من التشريع المالي بما في ذلك المالية الإسلامية هو إثراء الأمة، أفرادا ومجتمعات ودولا، لأجل القيام بدور الاستخلاف على منهج رباني، ومنهاج نبوي رشيد. فمسألة كنز الأموال ليست مسألة شخصية وإنما هي مسألة تشريعية، والدولة مُـطالبة بمنعه ووضع القوانين المناسبة وتنفيذها؛ تحقيقاً لمقصد رواج المال وتداوله.

ومن أجل تفعيل مقصد الرواج وتيسيره:

1- جعل الشرع الحكيم الأصلَ في العقود المالية اللزوم، وليس التخيير إلا بشرطه. لقوله عز وجل: “أوفوا بالعقود”، وهو نص لقاعدة كلية.

2- تشريع عقود المعاملات لنقل الحقوق المالية بمعاوضة أو تبرّع.

3- شرعت بعض العقود، وقد تكون مشتملةً على بعض الغرر، كبيع السلم، والقرض، والمغارسة، والاستصناع؛ تيسيرا على العباد ورفعا للحرج، حيث قصد العلماء تسهيل المعاملات وترجيح جانب المصلحة فيها على ما يمكن أن يعترضها من مفسدة محتملة، مع التسامح بشيء من الغرر في بعض العقود.

4- تيسير التعامل بالنقدين (الذهب والفضة) كبديل عن المقايضة، وذلك ليحصل الرواج بهما، لذلك يرى بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استعمال الرجال للذهب والفضة لحكمة بالغة وهي؛ عدم تعطيل رواج النقدين بكثرة الاقتناء المفضي إلى قلتهما.

5- إيجاب النفقات: كالنفقة على الزوجات، وتشجيع التبرعات والصدقات، وإباحة نفقات التحسين والترفه، وذلك كلّه يساهم في دعم الطبقة الوسطى والدنيا.

6- تحريم الاحتكار ومنع كنز المال، قال تعالى: ” وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”(التوبة:34).

ثانيا: وسائل ترسيخ مقصد رواج المال:

1- من الناحية الأخلاقية:

* التربية على الإيثار والقناعة

* إشاعة معاني التضامن والتكافل والأخوة

* القضاء على ظاهرة الجشع.

2- من الناحية الميدانية:

* تكثير العقود وتطويرها وتنويعها، وحُسن تسويقها،

* تسهيل المعاملات المالية، وتعميمها.

3- من الناحية القانونية:

* توفير البيئة القانونية، وتوسيع مساحتها،

* التخفيف من الإجراءات الجمركية والالتزامات الضريبية،

 خــاتمـة:

لقد أبدع الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله في استنباط مقاصد المعاملات المالية في الإسلام، وأوضح ذلك بأصول عامة قررها في كتابه “مقاصد الشريعة”، وشرحها، وبيّنها، وجاء بالأمثلة المناسبة عليها، فهي قواعد تساعد الناظر في المستجدات.

أما المقصد الأساس للأموال فهو أن تكون قياما وقيمة. وكونها قياما بالمصالح هو الأصل، وكونها قيمة للناس والأشياء تبع لقيامها بالمصالح، فمن لا يملك مالًا يقوم بمصالحه لا قيمة له فيما من شأنه أن لا يُقضى إلا بالمال.

ورأينا في هذه السلسلة أنه؛ كلما  بنيت المعاملات على الوضوح، والثقة والأمان، وعلى العدل في المعاملات المالية تحسنت طرق أدائها، وتم التبادل العادل بين المتعاملين، وحصلت الثقة بينهم؛ لأن؛ العدالة في التصرفات المالية مصلحة لحصول الضبط بها وعدم الانضباط مع من لا يوثق بهم، وبهذا تتسع دائرة الأسباب والتجارات والصناعات والحرف النافعة، ويحصل التعاون بين المتعاملين، وتقل الخصومات والمشاجرات، وتحسم المنازعات.

إن حفظ المال قاعدة كليّة ترجع إلى قسم الضروري، وهي تقوم على نظام نماء المال، وتفعيل طرق دورانه والتي تعتبر مسألة حاجيّة. كما وضع الإسلام قواعد لحماية المال، وتحقيق العدل في التعامل به؛ فشرع الكتابة والرهن والضمان والكفالة، وأباح العقود التي تثمر تحوطاً مناسباً كبيع السلَم، والاستصناع والسلم والاستصناع الموازيين، وخيارات البيع[2]، وبيع العربون، والتأمين التعاوني، والمضاربة بشرط عدم المخاطرة بالمال، وحث على تنمية المال وعدم كنزه.

وفي ختام هذه السلسلة، أود التأكيد أنه؛ من أجل ترسيخ المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛ تحتاج الأمة إلى إعمال الفقه الاستثنائي، وإلى التكامل التخصصي لدى الباحثين ولدى المختصين في الإفتاء في نوازل المعاملات المالية.

وختاما؛ لنـتّق الله في معاملاتنا المالية، وفي أموالنا وأموال الآخرين، كسبا ورواجا وإنفاقا، ولنتذكر دائما أن الله سائل كل إنسان عن ماله؛ فيما كسبه وفيما أنفقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ؛ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ)[3].

والحمد لله رب العالمين.


[1] – محمد الطاهر بن عاشور(ت1393هـ)، مقاصد الشريعة. (الناشر: دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني). الصفحة:181.

[2] – ومنها خيار الشرط وخيار العيب وخيار المجلس.

[3] – رواه الإمام الترمذي في سننه، رقم الحديث: 2417.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.