منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة مقالات| المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛ (1) تـقديــم

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال

1- تـقديــم

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى ءاله وصحبة أجمعين، ومن اهتدى بهدبه إلى يم الدين.

المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، قال تعالى: “وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ”(الحديد:7). وقد جعله الله تعالى في يد الإنسان وسخره له، ليكون مؤتمناً عليه ويستعمله في منفعته ومنفعة الناس أجمعين. وأوجب كسب المال وجمعه بطرق مشروعة، وقيد طريق الحصول على المال بألاّ يأتي بطرق منافية للشرع والآداب التي تنفي عنه صفة الحلال.

ومعلوم أن وسائل تحصيل المال المشروعة خمسة، وهي: العمل والمعاوضة، والإنفاق الواجب، والتبرع، وحق الميراث، إلا أن الشرع الحكيم شرع أحكاما خاصة بالمعاملات المالية، من أجل حفظ المال، وتداوله، وتسهيل المعاملات وتيسيرها، ومنع الظلم، وترجيح جانب المصلحة الشريعة، كل ذلك من أجل تحقيق المقصد العام من التشريع المالي بما في ذلك المالية الإسلامية وهو إثراء الأمة وإغنائها وعزتها، فردا ومجتمعا ودولة.

ومقاصد الشريعة في الأموال بالجملة خمسة سأوردها مجملة[1]، على أن أفصل القول فيها في المقالات الموالية بإذن الله، مستدعيا نصوص الشريعة وأقوال الفقهاء وعلماء الأصول والمقاصد.

أولا: حفظ الأموال؛

حفظ المال من الضروريات الخمس، ويقصد به حفظ المال العام والخاص، قال الله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ”(النساء: 29). وعن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)[2].

وفي ما يخص مقصد الحفظ عند الطاهر بن عاشور، فقد أكد على ما اتفق عليه الأصوليون، وهو؛ إيجاد المعدوم و فظ الموجود، وهو ثلاثة أمور أساسية:

1- حفظ مال الأمة من الإتلاف.

2- حفظ أجزاء الأموال المعتبرة من التلف بدون عوض.

3- حفظ المال من الخروج إلي أيدي أعداء الأمة بدون عوض.

والحفظ يكون أيضا من جهة الوجود ومن جهة العدم؛ أما من جهة العدم فيكون بحفظ الأموال من جهة العدم وهي بدرء الفساد الواقع والمتوقع فيه. وأما من جهة الوجود، فيكون بالتملك، والتكسب.

وأسباب حفظ المال ثلاثة وهي إحياء الأرض الموات والعمل في الشيء بعوض مع مالكه، كالبيع والقراض والشركات بأنواعها. والتبادل بلا عوض عن طريق انتقال المال بالتبرع أو الإرث، وغيرها من النفقات الواجبة.

ثانيا: إثبات الأموال؛

ويعني إقرارها لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا يفضي إلى خصومة.

ومقاصد الشريعة من ثبات التملك والاكتساب، هي:

1- حرية مالك المال في التصرّف فيه تصرفاً لا ضرر فيه على الغير، ولا اعتداء فيه على أحكام الشريعة.

2- ألا ينتزع المال من مالكه بدون رضاه، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق).

3- اختصاص المالك بما تملكه بوجه صحيح ولذلك شرع الإشهاد، وعلى ذلك انبنت أحكام صحة العقود وحملها على الصحة والوفاء بالشرط وفسخ ما تطرق إليه الفساد.

ثالثا: وضوح الأموال؛

حيث يجب إبعادها عن الضرر والتعرّض للخصومات، ولذلك شرع الإسلام الكتابة والإشهاد والرهن في التداين، فجاءت آية المداينة في سورة البقرة مفصلة وبينة لأحكام الدين. ووردت أحاديث الأحكام لتزيل كل لبس، وتحد من النزاعات.

رابعا: رواج الأموال واستثمارها؛

ويقصد به دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق، وذلك بالتجارة وغيرها، ويدلّ عليها قوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) الحشر: 7.

يقول محمد الطاهر بن عاشور: (الشريعة قصدت من تشريعها في التصرفات المالية إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة)[3].

ومن وسائل المحافظة على رواج المال واستثماره:

1- جعل الشرع الحكيم الأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط.

2- تشريع عقود المعاملات لنقل الحقوق المالية بمعاوضة أو تبرّع.

3- تسهيل المعاملات وترجيح جانب المصلحة فيها على ما يمكن أن يعترضها من مفسدة محتملة، ولذلك لم يشترط في البيع حضور كلا العوضين. مع التسامح بشيء من الغرر في بعض العقود كالسلم والاستصناع من باب التسهيل.

4- تيسير التعامل بالنقدين (الذهب والفضة) كبديل عن المقايضة، وذلك ليحصل الرواج بهما.

5- إيجاب النفقات كالنفقة على الزوجات، وتشجيع التبرعات والصدقات، وإباحة نفقات التحسين والترفه.

 خامسا: العدل في الأموال؛

وذلك بأن يكون حصولها بوجه مشروع، وتحريم الظلم في التعامل بالمالية، والاحتكار وكل أشكال أكل أموال الناس بالباطل، واتفق العلماء والخبراء على الأضرار الاجتماعية والاقتصادية لاقتصاد الريع.

ومن مراعاة العدل في المال أيضا؛ دفع الضرر، وحفظ المصالح العامة، فإن حرية المرء في التصرّف في أمواله مقيّدة بعدم الإضرار بالغير وألا تتعارض مع المصلحة العامة.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – يُـنظر: ابن عاشور؛ محمد الطاهر. “مقاصد الشريعة الإسلامية”. (دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 2011م). من ص:290 إلى ص:320.

[2] – حديث متفق عليه.

[3] – ابن عاشور؛ محمد الطاهر. “مقاصد الشريعة الإسلامية”. (مرجع سابق). الصفحة: 181.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.