منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف نكون من الأخيَار

عبد الصمد الخزروني

0

 مقدمة

إن المتأمل في مخلوقات الله تعالى يدرك ظاهرة التنوع، وداخل كل نوع من أنواع هذه المخلوقات يجد الأفضلية والخيرية. سواء في نوع الحيوان أو النبات أو الجماد. وداخل نوع الإنسان تظهر الخيرية جلية على مستويين: الظاهر من حيث الخِلقة الحسنة وما دونها، والباطن من حيث الخُلق الحسن وما دونه. والخيرية التي لها القيمة عند الله هي التي لها ارتباط بالأخلاق الحسنة. وبهذا المعيار الأخلاقي شهد الله تعالى لأناس في تاريخ البشرية بالخيرية فاصطفاهم وهداهم واجتباهم، وعلى رأسهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. يقول الله تعالى: [واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار] (ص:47-48).

خير الأخيار وسيدهم

سيد الأخيار وخير الأخيار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن عمرو بن دِينار عن عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “بينما نحنُ جلوسٌ بفِناء رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذ مرَّتِ امرأةٌ فقال رجلٌ مِن القوم: هذه ابنةُ محمد، فقال أبو سفيان: إنَّ مَثَل محمد في بني هاشم مَثَلُ الرَّيحانة في وسط النَّتَن، فانطلقتِ المرأةُ فأخبرتِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فخرَج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعرَف الغضبُ في وجْهِه، فقال: “ما بالُ أقوال تَبلغُني عن أقوامٍ! إنَّ الله تبارك وتعالى خَلَق السمواتِ فاختار العُليا فأسكنها مَن شاء مِن خَلْقه، ثم خَلَق الخَلْق فاختار مِن الخلْق بني آدم، واختار مِن بني آدم العَرَبَ، واختار مِن العرب مُضرَ، واختار مِن مُضر قريشًا، واختار مِن قريش بني هاشم، فأنا مِن بني هاشم مِن خيارٍ إلى خيارٍ، فمَن أحبَّ العربَ فبحُبِّي أحبَّهم، ومَن أبغض العربَ فببغضي أبغضَهم”[1].

وعَنْ جَابِرٍ‏ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:‏ كُنَّا مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بذاتِ الرِّقَاعِ، فإذا أتينا على شجرةٍ ظَلِيلَةٍ تركناها للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فنزل رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فتفرَّقَ النَّاسُ في العَضَاةِ، يَستظلُّون بالشَّجرِ، ونَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تحتَ شجرةٍ، فعلَّق بها سيفَهُ‏. ‏قال جابرٌ‏:‏ فنمنا نومةً، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المشركينَ‏: فاخترطَ سيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ‏:‏ أتخافني‏؟‏ قال‏:‏ “لا‏”‏، قال‏:‏ فمن يمنعك مني‏؟‏ قال‏:‏”الله‏”.‏ قال جابر‏:‏ فإذا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يدعونا، فجئنا، فإذا عنده أعرابي جالس‏. ‏فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:‏ “إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا‏.‏ فقال لي‏:‏ من يمنعك مني‏؟‏ قلت‏:‏ الله، فها هو ذا جالس”، ثم لم يعاتبه رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

المزيد من المشاركات
1 من 35

وفي رواية أبي عوانة: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال:” تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟” قال الأعرابي: أعاهدك على ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس. وفي روايةِ البُخاريِّ‏:‏ قال مسدد عن أبي عَوَانةَ عن أبي بشرٍ‏:‏ اسم الرجل غَوْرَث ابن الحارث‏.

إذا شهد القريب بخيريتك ربما نقول قد جاملك، لكن أن يشهد لك العدو بالخيرية فهذا لا يكون إلا عن برهان وحجة من أصحاب المروءة ممن يعرفون قدر مكارم الأخلاق.

خير الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد بذلك الأعداء مثل الغوث بن الحارث، وإلا فالله تعالى شهد له قبل ذلك بأنه خير خلق الله وأكرمهم عنده. عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: هبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن ربك يقول لك: إن كنت قد اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا”[2].

خيرية الصحابة

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس اِسما ونسبا وخلْقا وخُلُقا وذِكْرا وفي كل شيء، فكان ولابد للذين صحبوه والذين صحبوا من صحبوه نصيبا من تلك الخيرية، “فالمرء على دين خليله”، وهذا ما شهد لهم به الله تعالى في كتابه العزيز: [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله] (آل عمران:110). وقال سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: ” إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيء”[3].

بنود الخيرية

حرصا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحظى أمته جميعا بهذه الخيرية بما في ذلك السابقين واللاحقين، ترك لها من الوصايا ما يخول لكل فرد من أفراد الأمة أو جماعة أو مجتمع ما يجعله من خير الناس ومن أخيارهم. ومن هذه الوصايا والتوجيهات النبوية ما نقله الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن عميرة زوجِ دُرة بنتِ أبي لهب عن دُرةَ بنتِ أبي لهب رضي الله عنها قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم:” خير الناس أقرأهم، وأتقاهم للّه عز وجل، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم”. وهذه الوصية جمعت كل الوصايا الأخرى التي وردت فيها الخيرية، لأنها وصية جامعة. بل هو مشروع متكامل وشامل لكل مجالات الحياة التربوية والعلمية والدعوية والاجتماعية والسياسية. وهذا المشروع يتكون من أربعة بنود:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

1- أقرأهم: هذا برنامج تعليمي منطلقه ومرجعيته القرآن لتخريج أفواج من العلماء الربانيين الذين ينتدبون لتعليم الأمة دينها في فرضه ونفله، حلاله وحرامه، أمره ونهيه.

2- أتقاهم لله عز وجل: برنامج تربوي لإعداد المحسنين والمحسنات والربانيين والربانيات الذين يسهرون على تربية الأمة على الإيمان والأخلاق الحسنة.

3- آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر: برنامج دعوي لتهيئ الدعاة الذين ينبرون لنصح الأمة وإرشادها إلى خيري الدنيا والآخرة، وللدفاع عنها وعن قضاياها وحرماتها ومقدساتها.

4- وأوصلهم للرحم: برنامج اجتماعي سياسي اقتصادي يتكون برنامجه من ثلاث محاور: أولا صلة الرحم الدموية وثانيا صلة الرحم الدينية، وثالثا صلة الرحم الإنسانية. وينبني هذا البرنامج على حسن القرابة وحسن الجوار وحسن التعاون وحسن التواصل والحوار.

خاتمة

وجميع من ذكرنا من الأخيار يبقى خيرهم نسبيا، أما الخير المطلق فهو الله تعالى، فهو خير الناصرين، وهو خير الرازقين، وهو خير الوارثين، وهو خير الغافرين، وهو خير الفاتحين، وهو خير الحاكمين، وهو خير الفاصلين، وهو خير الماكرين. خلقنا سبحانه وتعالى وخيّرنا بين أمور فاختار لنا أحسنها وأفضلها. فقال سبحانه: [وللآخرة خير لك من الأولى] (الضحى:4). وقال تعالى: [والآخرة خير وأبقى] (الأعلى:17). وقال الله عز وجل: [وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] (البقرة:197). وقال سبحانه: [وأن تصبروا خير لكم، والله غفور رحيم] (النساء:25).


[1]– رواه الحاكم في المستدرك.

[2]– رواه ابن عساكر رحمه الله.

[3]– أخرجه الإمام أحمد رحمه الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.