منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

  التسرب من مدارس الحياة (2) أصول التعلّم في مدارس الحياة

  التسرب من مدارس الحياة (2) أصول التعلّم في مدارس الحياة/ الدكتور إدريس أوهلال

0

  التسرب من مدارس الحياة (2) أصول التعلّم في مدارس الحياة

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

السمكة في الحوض، والطائر في القفص، والطفل في المدرسة، والشاب في الجامعة، والراشد في الوظيفة، والماء عديم الشكل الذي يتدفق وفقًا للمنحدر المقدم له؛ كلهم بلا ذاكرة وبلا وعي.. طالما أنك تعيش في حوض السمك الذي سَجَنُوك فيه ستصطدم مائة مرة في اليوم بالزجاج الذي ستستمر في الاعتقاد بأنه ماء!

السجين لا يتعلم لأن التعلم يحتاج إلى حرية، وإلى سياحة وسباحة في أرض الله الواسعة.. سجين المدرسة لا يتعلم وإنما يستر عورة جهله بشهادة قريبا ستفقد ما بقي من قيمتها وشرعيتها (التوجه مستقبلا نحو التوظيف على أساس الكفاءة لا الشهادة)، وسجين الوظيفة لا يعمل وإنما يستر عورة عجزه براتب قريبا سيُصرف لكل البشر (التوجه مستقبلا نحو راتب عجز عالمي)، ولسمكة الحوض أن تستمر في الاعتقاد أنها حرة مثل الطيور المولودة في القفص.

سجن وسجين وسَجّان.. عبد ومعبود ومعبد.. منظومة متكاملة للعبودية أُتقن تصميمها، ومع ذلك تجد الكل يسأل، في غيبوبة سعيدة وعبث، كم نسبة الفاقد المدرسي وكم نسبة الهدر الجامعي وكم نسبة بطالة الوظائف، ولا أحد يسأل كم نسبة التسرب من مدارس الحياة وسبب عدم التحاق الغالبية العظمى بمدارس الحياة! التسرب من المدارس والجامعات وبطالة الوظائف أهون بكثير من التسرب من مدارس الحياة وبطالتها.

صباح كل يوم نشاهد هَوَس التحاق الأطفال بالمدارس والشباب بالجامعات والراشدين بوظائفهم في أوقات الدوام، ونلعب بدورنا اللعبة وننخرط فيها بصدق وتفاني دون أن نسأل كم نسبة منهم لم تلتحق بدوام الحياة ومدارسها!

متى نفهم اللعبة وننتبه أن المجتمعات المعاصرة يُراد لها التسرب من الحياة ومدارسها.. متى نفهم أن التحكّم يقتضي الترويض مع إخفائه لمضاعفة مفعوله، وأن الترويض بأنواعه (ترويض الأجساد والعقول والإرادات والقدرات) يحتاج إلى مؤسسات متخصصة كالمدرسة والوظيفة.

آن الأوان لنميّز بين السجن والحرية.. بين المدرسة والتعلّم، وبين الوظيفة والعمل؛ المدرسة والوظيفة فصلان دراسيان يتيمان، أما التعلّم والعمل العابران لمدارس الحياة المتعددة فمسار دراسي كامل ومنهاج تعليمي متكامل.. الذكاء في المدرسة هو ألا تقع في الخطأ، أما الذكاء في الحياة فهو أن تقع في الخطأ وتتعلم منه. الذكاء في المدرسة هو أن تستخدم عقلك بنجاح، أما الذكاء في الحياة فهو أن تستخدم عقلك ومشاعرك وأفعالك بنجاح. الزمن في المدرسة والوظيفة يقاس بلحظات التنفس، أما في مدارس الحياة فيقاس بلحظات قطع الأنفاس!

آن الأوان لنضع المدرسة والوظيفة في حجمهما الطبيعي، ونتوقف عن الانشغال الغبي بالتسرب منهما، ونتحول إلى الانشغال بالتسرب من مدارس الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.