منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في الحاجة إلى القوة النقدية (4) أصول التعلّم في مدارس الحياة 

في الحاجة إلى القوة النقدية (4) أصول التعلّم في مدارس الحياة / الدكتور إدريس أوهلال

0

في الحاجة إلى القوة النقدية (4)

أصول التعلّم في مدارس الحياة 

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

 

التغيير صراع بين الماضي والمستقبل؛ صراع بين الاستراتيجيات المحافظة للذين يتمسكون بالماضي ويتمترسون خلف ما بقي من مكتسباته ويتملكهم الرعب من مجرد التفكير في التخلي عنها والاستعداد للمستقبل، واستراتيجيات التغيير للذين يتقدمون نحو المستقبل بكل ثقة وشجاعة وقدرة على تحمل المخاطر. وهو أيضا صراع داخل الذات الواحدة بين غريزة الخوف من الموت وغريزة حب البقاء.. عندما تهب رياح التغيير، البعض يبني جدرانا تفصل بينه وبينها، والبعض الاخر يبني مزارع للرياح لإنتاج الطاقة، وكل مُيسّر لما خُلق له!

أما ماهية هذا المستقبل وكيفية الدخول فيه فتكون بصناعته أو ركوب موجاته أو التأمين ضد مخاطره وذلك أضعف الإيمان. وفي كل الحالات يبدأ استقبال المستقبل والدخول فيه بنقد الماضي والحاضر.. إذا كنت لا تستطيع أن ترى حافة حدود الأرض التي أقمت نفسك فيها فلن تُدرك أبداً أرض الله الواسعة التي وراءها!

النقد (وهو غير الانتقاد) ليس توصيفاً جميلاً يتوسل باللغة بعيداً عن الواقع، أو أماني معسولة معلقة بجناحي الأمل في مستقبل أفضل، ولا هو سهل كما يزعم الكاتب الفرنسي فيليب ديستوشيز في قولته المشهورة.

النقد مهمة من أصعب المهمات، وحس لليقظة يحتاج إلى يقظةٍ فوق يقظة الحي اليقظان، ووسيلتنا الوحيدة نحو العمق في زمن التسطيح ونظام التفاهة العالمي، وسلاحنا ضد مرض فقدان المناعة الفكرية والنفسية والعملية المكتسب، وقلعة للمقاومة إن لم يكن آخر قلاعها.

النقد متى تأسس على الأسئلة الصحيحة والمنهج الفعّال فهو الفعّالية التي تسبق اختراع البديل وتمهد له وترسم المسارات الممكنة إليه..

نعم النقد.. نقد المؤسسات التي فتحنا أعيننا عليها ووضعنا ثقتنا فيها وراهنا على بناء مستقبلنا ومستقبل أبنائنا من خلالها، والتي انتهت صلاحيتها وأصبحت فاشلة!

والنقد المطلوب نوعان: نظري وعملي، وبعد النقد النظري يبدأ النقد العملي.

النقد النظري يكشف جوانب القصور الابستمولوجي والمنهجي والمعرفي والعملي في المؤسسات القائمة، ويفضح تواطؤ الأفكار والمناهج والبرامج والأنظمة مع المصالح. أما النقد العملي فيؤسس للبديل الجديد والمُجَدِّد الذي يتجاوز نقائص الواقع البئيس ويفتح آفاقاً فكرية وعلمية وعملية جديدة تمنح الأمل الحقيقي بدل أن تُسَوِّق الوهم وتُنَوِّر العقول وتشحذ الإرادات وتوجه الجهود.

النقد الأول صعب ويحتاج إلى مهارات تحليلية ونقدية وإلى تكامل معرفي ومنظومة متكاملة من القيم كالموضوعية والإنصاف والتجديد والإبداع والابتكار، أما الثاني فتحدٍ يحتاج إلى استعدادات خاصة كالاستيقاظ المبكر والشجاعة والمبادرة وتحمل المخاطر ووضوح الرؤية والمثابرة في العمل والصبر عليه والزمن الطويل والإحساس بالمسؤولية والجهود المشتركة.

ولا يلزم أن يبدأ النقد العملي بعد النظري مباشرة، ولا أن يقوم به نفس الشخص أو نفس الجماعة أو نفس الجيل؛ كل شيء بأجل، وكل مُيسّر لما خُلق له، ومشاريع التغيير الكبرى تحتاج دائما إلى تكامل الجهود والأدوار. وعندما تكون اللعبة أكبر منك عليك أن تنخرط في معركة الوعي وفي العمل المستمر الهادف العابر للأجيال، وعندما يكون الغموض والعجز هما سمات المرحلة تصبح حاجتنا الأولى الملحة هي القوة النقدية وصناعة الوعي، أما القوة الاقتراحية والتدبيرية للنقد العملي فنحتاج منها بمقدار تقدمنا نحو وضوح الرؤية وتحرر الإرادة ونمو القدرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.