منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرباط

محمد فاضيلي

0

 

إذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية[1] لحصر المعاني التي تدل عليها كلمة “رباط” فإنه يمكن تصنيفها إلى قسمين:

1- ما يشد به،

2- المواظبة على الأمر وملازمة الثغر.

وجاء في فتح الباري[2] “الرباط (…) ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، وقد بوب البخاري في كتاب الجهاد والسير بقوله: باب فضل رباط في سبيل الله، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون). وأورد حديثا في هذا الباب: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها”.

المزيد من المشاركات
1 من 44

أما الطبري فقد أورد في تفسير الآية السابقة رأيين، الأول غلب النزعة الجهادية فوجه الآية لإثبات مقصوده والثاني فضل تأويلها بالمداومة على العبادة لأنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه[3]. أما ابن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن  فيعرف الرباط بكونه عبارة عن احتباس النفس في الجهاد والحراسة[4].

من خلال هذه التعاريف يتضح أن الرباط يعني لزوم المكان والمواظبة على الأمر، وله دوران أساسيان هما:

الجهاد في سبيل الله والعبادة، وهذا يتفق مع رأي الدكتور محمد ضريف الذي قال: عرف الرباط كمؤسسة تحولات عديدة على مستوى مضمونه، وذلك انطلاقا من المجال الجغرافي والتاريخي الذي نشأ فيه. ففي الشرق الاسلامي كانت كلمة “رباط” تعني المكان الذي يرابط فيه المسلمون للدفاع عن بلادهم، وقد استبدلت فيما بعد بكلمة “ثغر” لذلك فقد كان الرباط يشكل الحدود الفاصلة بين دار الاسلام ودار الحرب.

في شمال افريقيا أضحى للرباط مضمون آخر يتجسد في المكان الذي يتم الاعتزال فيه قصد العبادة، رفضا لكل مذهب مخالف للسنة. أما في المغرب الأقصى فقد تخلى عن مضمونه السلبي الذي كان سائدا في شمال إفريقيا ليكسب مضمونا عمليا، حيث غدا يعني حالة التهيؤ لمحاربة المذاهب الضالة[5].

وهو بهذه المعاني يلتقي مع مضمون الزاوية، وهو أسبق منها. وقد أسس سيدي شاكر أول رباط في المغرب على ضفه وادي نفيس بحوز مراكش، وبه دفن، وهو من أصحاب عقبة بن نافع الفهري[6].

أما محمد ضريف فيقول بأن أول من بنى رباطا بالمغرب هو القاسم بن إدريس قرب أصيلا، وهو من الأدارسة[7].

وقد ظهر بالمغرب رباطات كثيرة منها رباط الفتح الذي أنشئت حوله عاصمة المغرب، ورباط ماسة وهو من أقدم الربط بالمغرب، ويقع بالسوس الأقصى، ورباط آل أمغار بتيط، ورباط مولاي بوشعيب بآزمور، ورباط سيدي بنور، وغيرها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 56

يقول الأستاذ عبد الجواد السقاط: “وقد عرف المغرب مجموعة من الرباطات منذ عهوده الأولى كرباط تيط تفطر من بلاد آزمور، وهومن أقدم الرباطات بالمغرب، قبل المرابطين، من أهله أبوعبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق بن إسماعيل بن سعيد الصنهاجي المعروف بابن أمغار (…) ولقد اشتهر الموحدون بإقامتهم لرباطات مختلفة كانوا يتخذونها معقلا لجيوشهم، ومنطلقا لهم في القيام بمهمة الجهاد، كرباط تازا الذي حصنه عبد المومن الموحدي عام 528 هـ، والذي منه خرج لقتال المرابطين، ورباط الفتح الذي كانت تتجمع فيه جيوش الموحدين لعبور البحر نحو الأندلس (…) ورباط سلا الذي نوى عبد المومن الموحدي أن ينطلق منه إلى الجهاد، ولكنه مرض فمات، فلم تتحقق رغبته”[8].

“وقد خصص الخطيب ابن مرزوق (781 هـ) الباب التاسع والثلاثين من كتابه المسند الصحيح الحسن… للحديث عن الربط التي أنشأها السلطان أبو الحسن المريني على السواحل المغربية والجزائرية، وكانت الربط تمتد من آسفي جنوب المغرب إلى تونس، إذا أوقدت النار في إحداها تصل في الليلة الواحدة إلى رباط الفتح، بل إلى آخر رباط وعلى مسافة تسير فيها القوافل نحوا من شهرين”[9] “ولا ننسى عبد الله بن ياسين الذي ربى مرابطيه تربية رجولة وفروسية على التقلل والتعفف كما تريد السنة النبوية وكما هو شأن أصحاب الربط الصادقين”[10]. حتى استطاع أن يصنع بهم أقوى دولة عرفها عصره، ونشر بهم الإسلام في مختلف ربوع إفريقيا.

يقول الدكتور حسن أحمد محمود: “كان أهل الربط يتقللون من الطعام، فلا يكاد يزيد على الشعير والزيت (…) كانوا يتقشفون في الملبس كتقشفهم في المأكل، لا يلبسون إلا الخشن الذي يستر العورة (…) وقد خدمت هذه الرباطات الإسلام أجل الخدمات، وأسدت إلى السنة المحمدية أياد بيضاء، فعصمت أهل المغرب، لم تعبث بهم يد الفتنة، في وقت انتشرت فيه المذاهب الضالة… كما عمل المرابطون على نشر الإسلام والدفاع عن حوزته وإعلاء كلمته، وكانت الرباطات ملاجىء يعتصم بها الناس وقت الفتنة (…) حتى إنه ليخيل إلينا أن أهل الرباطات هؤلاء هم الذين حملوا لواء المقاومة السنية، وهم الذين دكوا صرح الفتن المذهبية في إفريقيا والمغرب”[11].


[1] تاج العروس مادة ربط

[2] فتح الباري ج 6 ص 10

[3] تفسير الطبري ج 4 ص 222

[4] محمد مفتاح: الخطاب الصوفي: مقاربة وظيفية ص 32

[5] محمد ضريف: مؤسسة الزوايا بالمغرب الإسلامي ص27

[6] عبد السلام غيلان لمحات من تاريخ زاوية أولاد غيلان

[7] المرجع السابق ـ ص 2

[8] مجلة دعوة الحق، العدد 264 ـ ص 50 نقلا عن كتاب التشوف ـ ص 209

[9] عبد السلام غيلان ـ المرجع السابق ـ ص 3

[10] عبد السلام ياسين: الإسلام بين الدعوة والدولة ـ مطبعة النجاح ـ الدار البيضاء: ص 434/435

[11] المرجع نفسه ـ الصفحة نفسها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.