منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعدد اللغوي واللهجي بالمغرب وإشكاليات الهوية

إدريس شريفي علوي

0

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: التعدد اللغوي واللهجي بالمغرب وإشكاليات الهوية – إدريس شريفي علوي

مقدمة

يعد موضوع العلاقة بين اللغة أو اللهجة من جهة والهوية من جهة ثانية من أهم قضايا السوسيولسانيات، حيث يكون الربط بين اللغة أو اللهجة وبين الهوية، أو بين ما يسمى الوظائف التواصلية والوظائف الترميزية للغة. ولشدة الارتباط بين المفهومين رأى بعض اللسانيين أن الهوية هي وظيفة للغة تنضاف إلى وظيفتيها الأدائية والتواصلية[2]. وما يهمنا في هذا البحث هو استجلاء تمظهرات العلاقة بين الهوية والتعدد اللغوي واللهجي في جغرافية محددة هي المغرب. ولما كان المغرب دولة متعددة اللغات واللهجات كان ذلك مفتاحا لرسم حدود إشكالية البحث التالية: ما تأثير التعدد اللغوي واللهجي في المغرب على الهوية الوطنية؟ وتتفرع هاته الإشكالية إلى مجموعة من الأسئلة الفرعية من قبيل: ما المقصود بالتعدد اللغوي واللهجي والهوية؟ ما اللغات واللهجات التي تؤثث الفضاء اللغوي المغربي؟ ما الإشكاليات الهوياتية الناجمة عن وضع التعدد هذا؟ أسئلة وأخرى سنحاول الإجابة عنها من خلال محاور هاته الورقة المختصرة.

مفاهيم التعدد اللغوي واللهجي والهوية:

إن التفكير المنهجي يستدعي منا قبل كل شيء الوقوف عند مفاتيح هذه العلاقة بين عناصر الإشكالية، ونعني مفهومي الهوية (identité) والتعدد اللغوي واللهجي ((multilinguisme dialectal/ ونبدأ بمفهوم التعدد اللغوي الذي يعرفه محمد الأوراغي قائلا: “التعدد اللغوي المقابل العربي للفظ الأجنبي ((multilinguisme وهو يصدق على الوضعية اللسانية المتميزة بتعايش لغات وطنية متباينة في بلد واحد. إما على سبيل التساوي إذا كانت جميعها لغات عالمة كالألمانية والفرنسية والإيطالية في الجمهورية السويسرية، وإما على سبيل التفاضل إذا وجدت لغات عالمة كالعربية بجانب لغات عامية”.[3] وما يلاحظ على التعريف أنه مازج بين التعدد اللغوي والتعدد اللهجي، عندما مثل بالفرنسية والألمانية والإيطالية في الوضع اللغوي السويسري، ومثل بالعربية ولهجاتها في الوضع العربي.

المزيد من المشاركات
1 من 20

 والمجتمع المغربي يعرف ظاهرة التعدد اللغوي واللهجي، ويعدها نقطة قوة وتكامل. وهو ما نجده في الفصل الخامس من الدستور الذي ينص على اعتبار العربية والأمازيغية لغتين رسميتين للبلاد، واعتبار الحسانية جزءا من الهوية الثقافية للمغرب تعمل المؤسسات والأفراد على حمايتها، علاوة على اعتبار الدستور اللغات الأجنبية لغات علم وانفتاح وجب تعلمها وتعايشها مع اللغات الرسمية.[4]

هذا عن مفهوم التعدد اللغوي، أما التعدد اللهجي فيعني استخدام لهجات مختلفة في مجتمع واحد. والمغرب بلد التنوع اللهجي في شقيه العربي والأمازيغي، إذ نجد نوعيات الأول ممثلة في لهجة الشمال والجنوب، والشرق، والغرب وغيرها من النوعيات اللهجية. كما تتفرع الثانية إلى لهجات محلية هي ترفيت وتشلحيت وتسوسيت.

أما الهوية فهي من المفاهيم العسيرة الإحاطة، ومرد ذلك إلى تعدد المستويات التي تحدد المفهوم. لكن لا بأس أن نقف عند الدلالة اللغوية للكلمة ونحاول بعد ذلك أن نرصد مستويات الدلالة الاصطلاحية ومشروع تعريف للهوية.

الهوية في اللغة مشتقة من الضّمير هو. أما مصطلح “الهو هو” المركب من تكرار كلمة هو، فقد تمّ وضعه كاسم معرف بأل ومعناه ((الاتحاد بالذات)). ويشير مفهوم الهوية إلى ما يكون به الشيء “هو هو”، أي من حيث تشخصه وتحققه في ذاته، وتمييزه عن غيره؛ فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري، ومحتوى لهذا الضمير في الوقت نفسه، بما يشمله من قيم وعاداتٍ ومقوّمات تكيف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على كيانها.[5]

ويعرف قاموس لاروس ((larousse الهوية بكونها: “خاصية مستمرة وأساسية للفرد أو الجماعة، وتعني الهوية الاجتماعية قناعة الفرد بانتمائه إلى مجموعة اجتماعية، قناعة مبنية على الإحساس بالانتماء الجغرافي، اللغوي والثقافي المشترك، وما يستتبع ذلك من ممارسات خاصة”.[6]

وبتحليلنا لهذا التعريف يتبدى جليا أن الهوية تتحدد عبر مفهوم مطابقة النموذج الجماعي. ومادام مفهوم الهوية يستدعي مفهوم الغيرية فيمكننا القول: إن الهوية تتشكل عبر مرحلتين رئيسيتين هما: مرحلة الهوية كمطابقة مع الذات، ومرحلة الهوية كتفرد.

وهنالك اختلاف في تحديد مستويات الهوية، فهناك من يحددها عبر الجغرافيا والشعب والذاكرة التاريخية المشتركة والثقافة الشعبية، وهناك من يضيف عناصر أو يقصي أخرى. لكن يمكن تقديم المستويات التالية في الرسم التوضيحي أدناه والتي يمكن أن تختزل في طياتها كل أبعاد ومبادئ الهوية:[7]

 العلاقة الإشكالية بين الهوية والتعدد اللغوي بالمغرب:

تطرح العلاقة الإشكالية بين الهوية واللغة/اللهجة بالمغرب لأسباب جغرافية وثقافية تتعلق أساسا بالازدواجية الإثنية وبمسألة الإلحاق الثقافي أثناء فترة الاستعمار. لكن الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري في كتابه السياسة اللغوية بالبلاد العربية يدعو إلى ضرورة الابتعاد عن الإثنية أو الترابية الضيقة والأصولية، لأننا كلما ابتعدنا عن ذلك فسنحقق مشروعا ثقافيا وحضاريا عاما، ومشروعا مجتمعيا سياسيا واقتصاديا قد تنخرط فيه أكثر من جنسية[8]. فالأمم التي حققت التقدم والتطور كان مدخل اللغة مدخلا رئيسا في منجزها. أما الجنوح داخل المغرب إلى نموذج لغوي واحد من بعض الأصوليين فإن ذلك لعمري يهدد السلم الاجتماعي أولا ويجعل البلاد تتخبط في مدارك التخلف الفكري والاقتصادي. إن تطبيق نموذج هوياتي واحد أمر مستحيل في بلاد فتحت أحضانها تاريخيا لكل تنوع وتعدد ثقافي ولغوي يسهم في حفظ التعايش والتآخي.

وفي محاولة منه للإجابة عن سؤال: هل التعدد اللغوي واللهجي خير أم شر؟ يجيب الدكتور الفاسي الفهري أن التعدد هو خير.[9] وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين”.[10]

لكن الانتقاد الأكثر حدة الموجه للسياسة اللغوية بالمغرب هو أنها تكرس التبعية اللغوية، مما ينتج عنه تبعية ثقافية تسم الهوية المغربية بما ليس فيها. وتطمس معالم هوية ثقافية متعددة المشارب غير متنصلة من أصولها الضاربة في أعماق التاريخ.

ويذهب الدكتور الفاسي الفهري في كتابه أزمة اللغة العربية في المغرب إلى أن التعدد سمة إيجابية وسياسة لغوية معقولة وناجعة، ولا يمكن الاستعاضة عنها بسياسات لغوية احتكارية تفيد منها نخب معينة بدعوى أنها المدافعة عن اللغات الأجنبية وثقافتها وقيمها، وحتى المنظمات الدولية مثل اليونسكو فهي تشيد بسياسة التعددية اللغوية، ودورها في بناء الهوية الوطنية بعيدا عن اعتماد اللغة القاتلة linguicide.[11]

المستويات اللغوية/اللهجية والهوياتية بالمغرب:

يميز غرينبرغ بين ثلاثة مستويات لغوية وهوياتية يمكن توضيحها في الرسم التالي:[12]

 

فالعامية والأمازيغية تشكلان اللغة الأم للهوية الفردية وتحيلان على ما يمكن تسميته بالهوية العميقة. أما العربية فهي لغة الهوية الوطنية والممارسة السياسية والتي وجدت لنفسها موقعا متميزا لعدة عوامل نجملها فيما يلي:

  • الشرعية الدينية: تتحدد من خلال الوظيفية التعبدية أو الروحية فهي لغة الكتاب المقدس
  • الشرعية المعرفية: تتحدد بوصفها لغة تراث حضاري وتوحيدي بين الأقطار العربية
  • الشرعية الإديولوجية: يؤكد المدافعون عن التعريب أنه مشروع يواجه الاستلاب اللغوي والهوياتي للغات الأجنبية.
  • الشرعية الوطنية: من خلال دورها في ترميز الوحدة الوطنية.

أما المستوى الثالث من المستويات اللغوية والهوياتية حسب غرينبرغ فهي الفرنسية لغة المعاصرة والاغتراب التي تسمح بالشعور بالاختلاف وتحيل على مفهوم الأمة العصرية.

التعدد اللغوي إلغاء لفكرة الهوية الجامعة:

بعد الاستقلال الذي عرفه المغرب سنة 1956 ظهرت مجموعة من التيارات الفكرية التي أرجعت أسباب التخلف إلى تبني لغة الأجنبي، لذلك دعت إلى ضرورة تبني اللغة الواحدة وفق مبدأ التأحيد من أجل التوحيد l’uniformisation pour l’unification، فاللغة الموحدة هي السبيل الأنجع لجمع شتات المجتمع المغربي. وكان طبيعيا أن تفرض النخب السياسية التي أمسكت بزمام البلاد نموذجها التأحيدي التوحيدي ممثلا في اللغة العربية. وقد تزامن ذلك مع مد للقومية العربية التي بحثت عن المشترك بين الأقطار العربية.

لكن هاته الدعوة وهذا التدبير هو الذي سيتسبب لاحقا في العداء المبطن للغة العربية، لأنه غيب المكون الأمازيغي ولغته في صورة واضحة لتهميش أحد مكونات المجتمع المغربي. كما غيب اللهجة المغربية التي تشكل الهوية العميقة كما أسلفنا الذكر. وهذا وضع شاذ ويضرب الهوية المغربية المتنوعة خصوصا وأن هنالك علاقة تاريخية بين العربية والدارجة ترجعهما، حسب، فيرغسون، إلى أصل تاريخي واحد.[13] كما أن تلك الدعوة المتعصبة هي ما حذت ببعض الباحثين الأمازيغ إلى إرجاع سبب الغياب التام للغة الأمازيغية كلغة تدريس أو موضوع للتدريس لمدة عقود هو راجع أساسا لسوء التدبير اللغوي بعد استقلال البلاد.

لقد أشرنا آنفا إلى أن المغرب بلد التعدد الثقافي واللغوي ولا يمكن بأية حالة الحديث عن هوية جامعة ملغية للهوية المجاورة.

ويذهب الأستاذ محمد بودويك في كتابه ” أحوال اللغة والتعليم: المركب الغرقان” إلى أنه لا بأس بتعلم الفرنسية والصينية والإسبانية والإنجليزية والهندية وغيرها من اللغات. فبمعرفتها تغتني اللغة العربية وتتحرر من أثقال البلاغة المترهلة والقداسة المفتراة. لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب اللغة الأم أي اللغة الوطنية.[14]

خاتمة:

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن ما يسم الوضعية اللغوية في المغرب هو وجود تنافس حاد وصراع مرير بين مكوناتها، الشيء الذي يجعل من تدبيرها تحديا يصعب تجاوزه ويؤثر على الهوية الوطنية، ويبدو هذا جليا في سياستنا اللغوية التي يطبعها الاضطراب والإقدام والتراجع، مما ينجم عنه تكريس التبعية اللغوية، إذ رغم إقرار الدستور برسمية اللغتين العربية والأمازيغية، نجد الفرنسية هي اللغة الطاغية، وهي التي يتم التمكين لها في مراكز القرار ومن خلال المدارس التي ترتبط بالرهبان ومدارس البعثات الثقافية والمدارس الخصوصية.

إن التعدد اللغوي واللهجي ظاهرة صحية، يسهم في توسيع دائرة التفكير والانفتاح على الثقافات، فهو معطى حضاري مهم للتقدم ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، لذلك ينبغي استثماره والاستفادة منه، وتدبيره بطريقة علمية اعتمادا على آراء المتخصصين، بدل الركوب عليه بغية تحصيل الأغراض الإيديولوجية.

البيبليوغرافيا

  • الأوراغي، محمد، التعدد اللغوي وانعكاساته على النسيج الاجتماعي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب بالرباط، ط1، 2002
  • بودويك، محمد، أحوال اللغة والتعليم: المركب الغرقان، دار أبي رقراق، ط 1، 2014،
  • السعدي، رشيد، إشكالية الهوية ولغات التعليم بالمغرب: أفريقيا الشرق، ط1، 2015
  • الفاسي الفهري، عبد القادر، السياسة اللغوية بالبلاد العربية، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 1، 2013
  • الفاسي الفهري، عبد القادر، أزمة اللغة العربية في المغرب، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 5، 2010
  • الكعاك، ابراهيم، محاضرات الفصل الثاني من ماستر اللهجات العربية والأدب الشفهي بالمغرب، 2016/2017.

(عوبدة)، رشيد، سؤال الهوية بين دور العائق وسؤال الإقلاع، http://maaber.50megs.com/issue_october12/editorial.htm


[2] (السعدي)، رشيد، إشكالية الهوية ولغات التعليم بالمغرب: أفريقيا الشرق، ص 26

[3] (الأوراغي)، محمد، التعدد اللغوي وانعكاساته على النسيج الاجتماعي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب بالرباط، ط1، 2002، ص 11

[4] انظر الفصل الخامس من الدستور المغربي 2011

[5] (عوبدة)، رشيد، سؤال الهوية بين دور العائق وسؤال الإقلاع، http://maaber.50megs.com/issue_october12/editorial.htm،

[6] ( السعدي)، رشيد، المرجع المذكور، ص 26

[7] المرجع السابق، ص39

[8] (الفاسي الفهري)، عبد القادر، السياسة اللغوية بالبلاد العربية، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 1 2013، ص 36

[9] نفسه، ص ص 38 – 39

[10] سورة الروم، الآية: 22

[11] (الفاسي الفهري)، عبد القادر، أزمة اللغة العربية في المغرب، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 5، 2010، ص 61

[12] (السعدي)، رشيد، المرجع المذكور، ص 39

[13] الكعاك، ابراهيم، محاضرات الفصل الثاني، ماستر اللهجات العربية، كلية الآداب ابن طفيل، الموسم الجامعي: 2016/2017

[14] (بودويك)، محمد، أحوال اللغة والتعليم: المركب الغرقان، دار أبي رقراق، ط 1، 2014، ص 58

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.