منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم الحداثة اللغوية في العبرية

مفهوم الحداثة اللغوية في العبرية/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

مفهوم الحداثة اللغوية في العبرية

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

الحداثة في اللغة ترتبط أساسا بالتصور البنيوي للغة، فالعبرية لم تأتي عن طريق وحي ولم تأتي عن طريق رؤيا ولم تأتي عن طريق الإله.

يعتبر وايشكولي أن الصعوبة التي تواجه دارسي العبرية الحديثة تكمل في تداخل مجموعة من العناصر اللغوية، التي تنتمي إلى مراحل لغوية مختلفة كما تتمثل في صعوبة التأريخ لها، فهو يتحدث عن مراحل أربعة وهي:

عبرية اللغات، عبرية الميشنا والهلاخا، عبرية الحاخامات، العبرية الحديثة.

ويشير كل من فيلمان وفولوندوف إلى التطور الاستثنائي الذي حصل للغة العبرية دون تقسيم للعبرية من الناحية التاريخية.

أما تِينِي يتحدث عن ثلاث مكونات أساسية في تاريخ اللغة العبرية وهي:

عبرية التوراة والتلمود، النشاط اللغوي العفوي المرتبط بممارسة اللغة [هنا إشارة إلى مسألة التحديث الذي يدخل اللغة عن طريق الاستعمال الشعبي]، التأثير الذي تحدثه لغات المهاجرين اليهود وليست بالضرورة لغات يهودية أو العبرية نفسها.

اللغة العبرية لم تكن لغة حية بل لغة محدودة في الاستعمال، فالباحث جلمو يعتقد أن العبرية ترتبط بتاريخ طويل ممتد على ثلاثة آلاف سنة ويقسم هذا التاريخ إلى ثلاثة مراحل:

  • المرحلة الأولى: عبرية التوراة،
  • المرحلة الثانية: عبرية التلمود،
  • المرحلة الثالثة: عبرية الشتات.

ولا نجد اجتماعاً عند هؤلاء اللغويين عن مسألة التأريخ لهذه اللغة، ولا نجد تحديد زمنيا للمراحل التي مرت بها اللغة العبرية، كما لا نجد اجماعا على مستوى التسمية التي أعطيت لهذه اللغة.

وليام شومسكي يتحدث عن عبرية أزلية ويصفها لغة الأنبياء، وذكر بأنها توجد في الشرق الأوسط ولكنها أوروبية.

غير أنه بعد 1948م دعمت إسرائيل قال روزين: نتحدث عن عبرية إسرائيلية، وقبل سنة 1950 سماها عبرية.

فاللغة العبرية مرت عبر الاختيار والتمييز، فالاختيار يعني تدخل إلهي مباشر في كل ماله صلة بالمجموعة العبرية.

أما التمييز المقصود منه أن اللغة العبرية سعت إلى تكوين لغة شفوية انطلاقا من لغة مكتوبة بينما يحدث العكس تماماً في اللغات الإنسانية الأخرى.

إن العبرية انطلقت من المكتوب إلى المنطوق ولا بد لكل لغة أن تنطلق مما هو مكتوب إلى ما هو منطوق بل العكس.

فالعبرية مرت بثلاثة مراحل مرحلة المكتوب ثم مرحلة التواضع ثم مرحلة المنطوق، وتصبح عملية الانتقال من مستوى آخر، صعبة في حالة العبرية لأن مصادرها المكتوبة كانت مهملة وناقصة ومكررة، فقد تم تدوينها قبل ولادة المسيح عليه السلام [التوراة] أو في بداية الديانة المسيحية [التلمود]، كما كانت تلك المصادر تعالج في معظم الأحيان مواضيع دينية بحتة لذا كان المعجم الديني طاغيا على تلك الكتابات.

وهنا نطرح السؤال التالي: هل اللغة العبرية لغة يهودية؟

ويمكن التمييز بين نوعين من اللغات اليهودية لغات ظهرت بأوروبا مثل يديش yaddish [خليط من العبرية والألمانية]، ولادينو ladino [خليط من العبرية والإسبانية]، وهي لغات منطوقة ومكتوبة في الوقت نفسه.

ويرى حييم رابين أن السبب الذي جعل اليهود لا يتبنون لغات البلدان التي كانوا يعيشون فيها إلى المستوى الثقافي المتدني للمتكلمين بتلك اللغات المحلية.

فماذا نقصد باللغة اليهودية؟

سنة 1985م طرح إزيدريم تصورا حول مفهوم اللغة العبرية فقال: “اللغة اليهودية هي التي يستعملها اليهود فيما بينهم فقط، والتي تختلف عن لغة الجيران غير اليهود أو اللغة المتداولة خارج المنزل.”

وهذا يعني أن هؤلاء اليهود يعرفون على الأقل وضعية لغوية ثنائية. فهذا التصور يحصر اللغة اليهودية في مساحة ضيقة جداً فاللغة تستعمل فقط داخل البيت، أو الحي إذا كان الحي يهوديا. بينما اللغة العبرية تتعدى هذا الإطار. فهذا التعريف يجعل من اللغة العبرية أساس التواصل بكل ماله صلة باليهود، فالعبرية ليست محصورة أو محدودة، بل هي لغة تواصل بين اليهود وغير اليهود.

ذهب أرون بارادور أن اللغة العبرية عبر تاريخها الطويل لم تكن إلا لهجة.

غير أن بول ليكسلير عن عناصر لغوية تجمع بين اللغات السامية وعناصر أخرى تنتمي إلى اللغات السالافينية.

فعندما ننعت هذه اللغة بالإسرائيلية فإنها لم تحدد بعد. وبعبارة أخرى لم يتم إحياء أو إعادة استعمال اللغة العبرية بفضل معجزة أو تدخل غيبي كما تدعي بذلك الحركات الصهيونية على اختلاف أنواعها. فتيودور هردزل كان يسعى في الأول إلى تكوين دولة يهودية.

وإذا رجعنا للتاريخ نرى أن حلم اليهود هو تحقيق وطن لهم الذي انطلق سنة 1878م، والذي تتحقق فعليا مع وعد بلفور. وتعود الأحداث إلى يهودا الذي كان رائدا من رواد حركة النهضة اليهودية سنة 1982م، والذي قام بالهجرة إلى فلسطين وقرر ألا يتحدث إلا بالعبرية كما أشار إلى قضية الكيطو وهو عيش اليهود في بنايات خاصة بهم. وميز بين مفهوم الرعاية والحماية ويقصد المواطنين العرب والأتراك الذين كانت تسري عليهم قوانين الدولة العثمانية. ومفهوم الحماية هم السكان المنحدرون من البلدان الأوروبية. ويذكر ابن يهودا ثلاثة طرق للعيش في أمان في الإمبراطورية العثمانية وهي: تقديم الرشوة، التدين بالمسيحية، الانتماء إلى صنف الحماية.

وفي سنة 1882م التي تصادف أول مستعمرة يهودية، وكان ليهودا مشروع ضخم جداً ألا وهو اللغة العبرية، واعتبره الكثير من الدارسين المؤسس الحقيقي لإسرائيل. هذا المشروع ابتدأ سنة 1898م حين أصدر أول مقال باللغة العبرية تحت عنوان “سؤال هام” فيه إشارة إلى أهمية اللغة لأي مشروع قومي يعتبر اللغة أساسية لقيام وطن ما.

وهذه السنة أي 1898م كانت سنة التواصل بامتياز في أوروبا، كما أسس الكثير من الجمعيات اللغوية، الذي كان هدفها نشر اللغة العبرية داخل فلسطين وغيرها.

يقول يهودا: “الغرض التحدث بلغة عبرية نقية صافية”. وقد تحولت اسم الجمعية من بارورة إلى عرورة من قبل الجماعات الدينية لأنهم اعتبروا ذلك تدنيسا للغة العبرية.

عزم يهودا على إقامة معجم اللغة العبرية في سبعة عشرة جزءاً، كان يشتغل ستة عشر ساعة في اليوم، وكان يستعمل الجذاذات، وكان يقول: “العمل شاق واليوم قصير” بالإضافة إلى ثلاثمائة كلمة أضافها بنفسه للمعجم.

وكان إذا استعصى عيه الأمر أرجع ذلك إلى اللغة العربية، وكان له مبادئ لغوية وهي:

  • المبدأ الأول:

هو كول هعبريت أي العبرية كلها، وهو معيار تاريخي، لجأ فيه يهودا إلى كلمات معجمية من داخل اللغة العبرية ينطلق من فكرة أن هذه الكلمات تنطلق من اللغة العبرية وهذا معيار تاريخي.

  • المبدأ الثاني:

هو معيار لغوي اجتماعي كان يهودا يصر على الحديث باللغة العبرية فقط.

  • المبدأ الثالث:

هو معيار تربوي لغوي ويقصد به تدريس اللغة العبرية باللغة العبرية.

  • المبدأ الرابع:

وهو معيار صوتي يقصد بها العبرية السليمة الفصيحة والصحيحة على المستوى المنطوق، والتي تنطق بطريقة تشبه طريقة نطق اللغة العربية، لأنه كان يعتقد أنها احتفظت صوتيا بخصائص اللغة السامية الأولى. فالعربية ما هي إلا وسيلة لنطق اللغة العبرية بشكل سليم، ولم يكن هذا انطلاق وحبا للغة العربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.